من أجل مجتمع مدني في سورية – حوارات “منتدى الحوار الوطني”

شارك المقال

Share on facebook
Share on linkedin
Share on twitter
Share on email
Share on whatsapp

تحرير وتقديم رضوان زيادة

2004 ‏‏

جميع الحقوق محفوظة

الناشر

اللجنة العربية لحقوق الإنسان

والمؤسسة العربية الأوربية للنشر Editions Eurabe

36 b Rue du Cotentin

75015 Paris- France

ISBN : 2-914595-20-4

EAN : 9782914595209

POUR UNE SOCIETE CIVILE EN SYRIE

Muntada al Hiwar al-Watani

 PREPARE PAR : RIDWAN ZIADEH

POSTEFACE : HAYTHAM MANNA

REFORME POLITIQUE ET DROITS HUMAINS

SERIE  PUBLIEES PAR

LA COMMISSION ARABE DES DROITS HUMAINS (ACHR)

5, Rue Gambetta  –  92240 Malakoff-France      

Fax 0033146541913

E. mail: achr@noos.fr

achr.eu

الإهداء

إلى أعضاء لجنة منتدى الحوار الوطني …

إلى رياض سيف وعارف دليلة ووليد البني

وحبيب عيسى وفواز تللو

ما كان لربيع دمشق أن يزهو لو لم تكونوا هناك …..

“كلمة واحدة مليئة بالقوة ….عندها تبدأ الأرض بالتغيير “

عبارة بطل الفيلم الفنزويلي (ريشة كبير الملائكة )

“مشكلتي أنني أمثّل أناساً لا يستطيعون سوى الصلاة من أجلي ،أما التظاهر في الشوارع فهو أمرٌ لن يغفره النظام أبداً ،حتى لو علقت على عود المشنقة ،فإنهم لن يستطيعوا سوى البكاء عليّ “

من حوار رياض سيف مع مجلة نيوزويك 

Newsweek, April 23,2001.

منتدى الحوار الوطني

التكوين الاجتماعي والحراك السياسي

قصة “منتدى الحوار الوطني” هي قصة “ربيع دمشق” ذاتها، فعمره من عمر الربيع. كان الشرارة الأولى التي أطلقت الربيع، ثم مع إغلاقه في شباط/فبراير 2001 وتحويل المسؤول الأول عنه النائب رياض سيف للتحقيق معه بعد رفع الحصانة الجزئية عنه كانت بداية النهاية لربيع دمشق. ومع استئنافه مجدداً في أيلول/سبتمبر 2001 ثم اعتقال ثمانيِةٍ من أعضائه الناشطين في لجنته وفي حواراته كانت نهاية النهاية لذاك الربيع.

يمكن القول أن بذرته الأولى ابتدأت مع نهاية عام 1998 وتحديداً خلال الانتخابات التشريعية لمجلس الشعب في دورته السابعة [1999-2003] حيث عقد النائب رياض سيف خلال حملته الانتخابية المميزة عدداً من الحوارات الوطنية المتعددة الاهتمامات والواسعة الطيف في مقر حملته الانتخابية في منطقة الميدان ضمن مدينة دمشق التي ترشح سيف نائباً لفترةٍ ثانية عنها.

لقد أطلق على هذه الحوارات اسم “جلسات الحوار الوطني” واستمرت على مدى 9 جلسات بحثت في الشأن السياسي والاجتماعي والحقوقي والبيئي ضمن جرأةٍ نادرة وبنفس الوقت إدراكٍ مميز لحدود السقف الذي على هذه الحوارات أن لا تخترقه، وهو ما أسماه أحد الصحفيين البارزين حينها “حوارات تحت الخيمة الرئاسية” حيث كان الرئيس حافظ الأسد مازال على قيد الحياة، لكنه بدأ وبشكلٍ خجولٍ جداً “الالتفات” إلى الوضع الداخلي الذي تناساه تماماً لحساب السياسة الخارجية التي تحددت أيضاً وعلى مدى عشر السنوات الماضية في التفاوض مع إسرائيل، تلك المفاوضات التي كانت تتراوح بين الشد والجذب بحسب الحكومة الإسرائيلية وبحسب الإدارة الأمريكية أيضاً. مهما يكن فإن الرئيس الراحل حافظ الأسد نفسه كان قد توجه إلى المجلس التشريعي السادس بعد إعلان النتائج بخطابٍ يمكن اعتباره بمثابة الخطاب التدشيني لمرحلة التطوير والتحديث التي رعاها فيما بعد خليفته وابنه الرئيس بشار الأسد.

لقد انتقد الأسد الراحل الفساد والبيروقراطية علناً، وحمل على المسؤولين الذين أعطاهم ثقته ولكنهم لم يكونوا كفئاً لها، ولمّح وبقليلٍ من اللطف الزائد إلى ضرورة تطبيق الديمقراطية في مؤسساتنا، وأكثر من ذلك، فقد أشار علناً إلى عددٍ من القوانين التي يجب تحديثها وتطويرها سيّما قانون الإيجارات الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن وخلق أزمةً اجتماعية لم يجر تدراك تداعياتها، وهكذا وكأن “الحوارات الوطنية” التي قادها سيف في “مضافته” وبيان عارف دليلة “الناري” كما وصفه البعض والمؤلف من عشر نقاط، قد أثمرت فعلاً وعلى لسان الأسد نفسه.

يمكن القول بعدها أن المجتمع السوري عاش ورشةً حقيقية وفعلية من النقاش السياسي لم يشهد لها مثيلاً من قبل، وقد زاد من حدة هذا النقاش عددٌ من الأحداث السياسية التي تسارعت، فشل المفاوضات السورية-الإسرائيلية بسبب عدم جرأة باراك على اتخاذ القرار الحاسم فيما يتعلق بترسيم الحدود، ثم إعلان استقالة حكومة محمود الزعبي بعد 13 عاماً من تشكيلها، وطرده من الحزب واتهامه مع نائبه ووزيره للمواصلات بالفساد، ثم لم يلبث أن لجأ الزعبي نفسه إلى الانتحار، ثم الإعلان عن المؤتمر القطري التاسع لحزب البعث الحاكم بعد 15 عاماً من عقد مؤتمره الثامن، وانطلقت فجأةً ألسنة السوريين التي عُقدت لفترة طويلة من الزمان وتحوّلت المحاضرات الأسبوعية لجمعية العلوم الاقتصادية السورية إلى جلسات نقاشٍ علنية وحادة حول جدوى السياسات الاقتصادية والمالية المتّبعة، ولا بأس أن يغمز أحد المعقّبين أو المداخلين من قناة الإصلاح السياسي نفسه سيّما وأن نجل الرئيس الدكتور بشار الأسد كان يحضر بعضاً من فعاليتها، الأمر الذي أكسبها أهمية استثنائية.

ثم تشكلت في آذار/مارس 2000 حكومةٌ جديدة برئاسة محافظ حلب السابق مصطفى ميرو أعلنت في برنامجها أنها ستقوم بشكلٍ رئيسي على إصلاح القوانين وتحديث المؤسسات وتحسين حاجة المواطنين المعاشية والاقتصادية. وفي ظلِّ هذا الحراك الصامت إذ لم ينعكس انفتاحاً في وسائل الإعلام الرسمية ولم يتواكب قانونياً مع عددٍ من القوانين التي من شأنها أن تشرعن حرية الرأي والتعبير بشكل حقيقي وفاعل مثل قانون المطبوعات أو قانون الأحزاب السياسية، فقد بَقِيَ هذا الحراك ضمن الثقافة الشفوية الغنيّة والثرَّة لدى السوريين، فجلساتهم الخاصة أصبحت اليوم ذات معنى وتدور حول مستقبل بلدهم وسياساته المتبعة، ولم تعد مملةً كسالف الأيام عندما يعلن الجميع براءته من السياسة عبر عديد الأمثال الشعبية الدارجة “ما دخلنا في السياسة” “لعن الله السياسة ومن يتحدث بها”.

لقد اكتشف السوريون إذاً السياسة من جديد، ووعيهم الشعبي المستجد هذا كان على موعدٍ مع حدثٍ أضخم بكثير مما توقعوه، إنه وفاة الرئيس الذي لم يعرف ثلاثة أجيالٍ من السوريين سواه، فقد كان عدد سكان سورية يوم إعلان حركة الثامن من آذار عام 1963 ما يقارب السبعة ملايين نسمة، لكن هذا العدد أصبح عند وفاة الرئيس حافظ الأسد في حزيران/يونيو 2000 (17) مليوناً، وكأن (10) ملايين نسمة هم “جيل الثورة” بامتياز لم يتفتح وعيهم على رئيسٍ غيره، وهو ما زاد الأمر صعوبة، فالمعارضة كانت تتوزع بين المنافي والسجون، وأطروحاتها الأيديولوجية نفسها لم تعد مغرية لأصحابها أنفسهم فكيف بغيرهم، والسلطة بما هي جماع الحزب والمؤسسات الشعبية والجبهة الوطنية والمؤسسة العسكرية قد أُصيبت بتكلسٍ عطّل مفاصلها الرئيسية، إذ لم تعد قراراتها تُتخذ بحيويةٍ مستقبلية بقدر ما أصبحت تسعى قدر ما أمكن للحفاظ على الوضع القائم، وبدا المجتمع بين الطرفين كما ذكرنا هامشياً وخالياً من أيِّ حراكٍ أو طموحٍ سياسي أو اجتماعي، لقد كان يعيش فترة العزلة واللا فاعلية والخوف من المبادرة.

لقد وجد السوريون-رغم امتعاضهم من آلية انتقال السلطة-فرصةً لهم للتعبير عن خوفهم على مستقبل بلدهم، وقد استغلَّ المثقفون والناشطون بحكم حساسيتهم الخاصة تجاه التغيير الموقف للدفع باتجاه خلق فضاءاتٍ للتعبير الحر والمسئول، ومن هنا بالضبط انطلقت الشرارة الأولى باتجاه تشكيل “جمعية أصدقاء المجتمع المدني” التي عُقدت اجتماعاتها الأولى في منزل المخرج نبيل المالح وبحضور عددٍ من المثقفين ذوي الاتجاه اليساري من أمثال ميشيل كيلو وعارف دليلة ويوسف سلمان وياسين شكر وغيرهم وذلك قبل وفاة الرئيس حافظ الأسد تحديداً في 28 أيار/مايو 2000، ومع حضور النائب والصناعي رياض سيف لهذه الاجتماعات انبثقت فكرة تأسيس “جمعية أصدقاء المجتمع المدني” وصاغ المجتمعون مسودةً أولى ثم ثانية للجمعية أشارت إلى أن “المجتمع المدني كما نراه، هو مجموع التنظيمات المجتمعية غير الحكومية من جمعيات ونقابات وهيئات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام حرة متعددة ومتعددة ونواد ومؤسسات، جوهره الخيار الديمقراطي، ولا يمكن للديمقراطية أن تتجسد إلا عبر نهوض المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته وخلق حال حوار نقدي بين المجتمع والدولة من أجل مصلحة الوطن، كما أن تفعيل مؤسسات المجتمع يُعتبر السبيل الوحيد لبناء دولة حقيقية للجميع وتحقيق حراك اجتماعي فاعل” وصولاً إلى الدعوة إلى “تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية، علّنا نقدم جهداً يُسهم في بناء مجتمع ديموقراطي متطور”[1].

وقد سعى النائب سيف في لقاءٍ مع نائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام في أيلول/سبتمبر 2000 الحصول على ترخيص للجمعية، فكان ردّه “بأن ما تقومون به هو خطٌ أحمر” ويُعتبر “بمثابة البلاغ رقم واحد” وطالبه بالتمهل “لأن قانوناً للأحزاب والجمعيات سوف يصدر قريباً، وعندها بإمكانكم التقدم للحصول على ترخيصٍ رسمي” [2]فأكّد عليه النائب سيف بأن هذا الحزب لن يكون في إطار الجبهة الوطنية التقدمية التي تشكّل الإطار السياسي الرسمي والوحيد في سورية، فصدّق ذلك خدام وأخبره قائلاً “نعم، لن يكون عضواً في الجبهة الوطنية التقدمية”.

هنا حدث افتراق بين خطين، ذلك أن مجموعة المثقفين السوريين التي استمرَّت في لقاءاتها وتطوّرت فيما بعد إلى ما يسمى “الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني” في حين اتبع النائب سيف المعروف بديناميته وعمليته خطاً آخر[3]، إذ أعلن عن تأسيس “منتدى الحوار الوطني” متمتعاً بحصانته البرلمانية “النسبية” ومعلّلاً ذلك بأن من صلاحياته كنائب “أن يجتمع إلى المواطنين ويستمع إلى شكاويهم”، وقد افتتح المنتدى نشاطه في 13 أيلول/سبتمبر 2000 بمحاضرةٍ عن المجتمع المدني لشيخ المثقفين السوريين كما أصبح يُطلق عليه أنطون مقدسي، وقد أخذ هذا اللقاء اهتماماً سياسياً وإعلامياً مضاعفاً لاجتماع عدة مواقف أو مناسبات. إذ استبقت السلطات السورية افتتاح المنتدى بإرسال رسائل “تحذيرية” عبر صحيفة “المحرر نيوز” اللبنانية، عندها اتهمت “دعاة المجتمع المدني في سورية” بأنهم “يريدون اقتباس تجربة أوروبا الشرقية في الإطاحة بأنظمتها الحاكمة لتطبيقها على سورية” وتساءل “المصدر الوثيق الصلة بالنظام” على حد وصف الصحيفة عن “الهدف الحقيقي الكامن وراء نيّة تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني” إذ يسعون إلى “إقامة منتديات ثقافية وسياسية غير معلنة، ومن المرجح أن تكون أندية الروتاري الماسونية بينها”[4]، وبنفس الوقت كان أنطون مقدسي نفسه قد وجّه رسالة إلى الرئيس بشار الأسد عبر صحيفة “الحياة” بتاريخ 14 آب/أغسطس 2000، تُعتبر الأولى لجهة مخاطبة رئيس الجمهورية عبر وسائل الإعلام دون وسائط أو مبررات، إذ قال فيها بكل عفويةٍ وصراحةٍ وجرأة “الوضع العام، وباختصار يا سيدي: انهيار عام، سياسي واقتصادي وأيضاً ثقافي وإنساني”[5].

وقد أصدرت وزيرة الثقافة حينها مها قنوت وعلى الفور قراراً بفصله من موقعه كمديرٍ لمديرية التأليف والترجمة والنشر التي أشرف عليها على مدى سنواتٍ طويلة، وقد أحدثت رسالته تلك وردُّ الفعل عليها صدىً سريعاً لدى الوسط الثقافي السوري والعربي مما وضع حرية الرأي والتعبير على المحك مجدداً، وهكذا فباجتماع “منتدى الحوار الوطني” في منزل رياض سيف، وتقديم أنطون مقدسي ذاته محاضرة فيه وعن “المجتمع المدني”، بدا عندها اللقاء المرتقب أشبه بتجمعٍ للمعارضة لم تشهده سورية من عقودٍ طويلة.

لقد تصدّرت الدعوة لافتتاح “منتدى الحوار الوطني” مقولة الرئيس بشار الأسد في خطاب القسم في 17 تموز/يوليو 2000 التي يقول فيها “لا يُبنى المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة، بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد”، وتحت هذه العبارة كانت الدعوة صريحةً للجميع كي يُسهم في “الحوار السلمي والعلني والصريح” الذي يسعى إلى “الاقتراب ما أمكن من الحقيقة، التي ستنير لنا الطريق في مسيرتنا لبناء وطن القوة والمنعة والرفاه”.

لكن وبقدر ما كان خطاب المحاضر أنطون مقدسي معتدلاً بقدر ما عبّرت مداخلات المشاركين عن رغبةٍ عميقة وحقيقية في الحوار وفي مناقشة الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السورية بعد غيابٍ طويل، واستمرت جلسات المنتدى على مدى أربع أسابيع تحدث جميع المحاضرين فيها ضمن محور “إحياء المجتمع المدني” الأمر الذي خلق جدلاً في الأوساط السياسية والثقافية السورية ما يزال دائراً حتى الآن وهو مدى نيّة دعاة المجتمع المدني السوريين الحقيقية إلى إحياء هذا المجتمع ما داموا يتفيّون من وراء هذا الحديث الكلام عن السياسة بلبوس الثقافة، وهو ما دعا البعض إلى إلقاء غلالة المجتمع المدني بعيداً والتحدث بكل صراحة في السياسة السورية وعنها والمطالبة برزمة الإصلاحات السياسية والقانونية الضرورية التي تحدث عنها بيان المثقفين الـ 99 في 27 أيلول/سبتمبر 2000، بيد أن مثل هذا النوع من الخطاب تناسى أن المشهد السياسي والاجتماعي القائم في سورية والذي يعوم على توازنات حساسة وعلى تاريخٍ من أيديولوجيا الإقصاء لذا برزت دعوة المجتمع المدني كأطروحةٍ للمصالحة بين المجتمع والدولة ليس بوصفهما نقيضين وإنما بوصفهما شريكان متكاملان.

مهما يكن فإن “منتدى  الحوار الوطني” استمرَّ في نشاطه وفاعليته، وطرح محوراً آخر هو كان بمثابة إجابة عن السؤال (كيف نبني اقتصاداً وطنياً؟) ولقد تعددت الإجابة عليه من كافة الانتماءات الأيديولوجية عبر مشاركة أقصى اليسار المتمثل في الشيوعيين كما هي حالة محاضرة الدكتور نبيل مرزوق واليسار الاجتماعي كما هي حال الدكتور عارف دليلة واليمين الليبرالي كما هي حال محاضرة الدكتور رياض الأبرش، وهذا التعدد والتنوع في الإجابة عكس طبيعة المنتدى الوطني الواسع، وجعله مفتوحاً لكافة المشاركات من كلِّ الانتماءات الطائفية والأثنية والعرقية والأيديولوجية والعُمرية، إذ لوحظ حضوراً مكثّفاً من قبل شريحة الشباب، كلُّ هذه الصفات التي اكتسبها المنتدى من خلال تجربته شجّعت الآخرين على اقتباسها واستنساخها، وبدأت المنتديات تتكاثر كالعشب في الربيع على حد تعبير رياض سيف في أحد حواراته، وكان أبرز هذه المنتديات المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان في صحنايا وفي منزل المحامي خليل معتوق، ومنتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي في منزل المرحوم جمال الأتاسي نفسه والذي اعتُبر محسوباً على التجمع الوطني الديمقراطي المعارض، التجمع السياسي الحزبي الوحيد والمعارض الموجود على الأرض داخل سورية وانتشرت المنتديات أيضاً في المحافظات السورية الأخرى بدءاً من حلب وحمص واللاذقية وطرطوس وانتهاءً بالقامشلي ودير الزور.

لقد نشّطت المنتديات الحراك الاجتماعي والسياسي في سورية بشكلٍ غير مألوف، لكن بقي “منتدى الحوار الوطني” الأكثر تعدداً وتنوعاً وبنفس الوقت الأكثر شهرةً رغم أنه مازال حتى ذلك الوقت يقوم على جهود سيف الفردية وحدها، بيد أنه أصبح وبلا شك مركز صنع القرار السياسي والإعلامي في سورية لفترةٍ من الفترات، فبعد أن كانت الأخبار تتدفق وحدها عبر مركز السلطة، فإن مكاناً آخر أصبح يضخُّ الأرقام والإحصاءات والتصريحات ويثير النقاش والاهتمام، لقد أصبح المنتدى كما وصفته مجلة (النيوزويك) الأمريكية “بداية حركة التغيير القادمة في سورية حتماً”[6]، ومع صدور بيان الألف في بداية عام 2001 والذي أعاد التأكيد على المطالب السياسية المعروفة كرفع حالة الطوارئ والأحكام العرفية وإطلاق سراح السجناء السياسيين وفسح المجال لحرية الرأي والتعبير وغيرها، أصبحت عجلة التغيير في سورية أشبه بكرة الثلج التي تتدحرج رويداً رويداً لكنها تكبر رويداً رويداً أيضاً مما دفع المثقفين والناشطين السوريين إلى الدفع باتجاه إحداث انفراجات سياسية مع ضمانات قانونية حقيقية وليس فقط على مبدأ النبضات أو الضوء الأخضر أو سياسة غض النظر، ولذلك بدأ النائب رياض سيف يفكّر بشكلٍ جديد في إعطاء “منتدى الحوار الوطني” “صيغة” مؤسسية وقد تجلى ذلك في تأسيس لجنةٍ تدير شؤون المنتدى أُطلِقَ عليها “لجنة منتدى الحوار الوطني” وقد تألفت من 14 عضواً من مختلف التكوينات الطبقية والتكوينات الأيديولوجية والانتماءات الطائفية والعرقية[7]، وقد ترافق ذلك مع فتح أحد الصحف الرسمية “الثورة” وبمبادرة من رئيس تحريرها الشجاع محمود سلامة رحمه الله لصفحاتها لمناقشاتٍ نظرية وسياسية واجتماعية عميقة حول مفهوم المجتمع المدني وعلاقته بالدولة أو موقفه منها وإشكالية التعارض والتكامل بين الطرفين وقد ساهم في هذه النقاشات عددٌ كبير من المثقفين السوريين، الأمر الذي أدى إلى طرد رئيس التحرير من عمله، لكن ذلك أعطى مؤشراً إلى إجماع الجميع في السلطة والمعارضة أن التغيير لابد أن يبدأ وإن اختلفت برامجه بين الطرفين.

لذلك سعت “لجنة منتدى الحوار الوطني” إلى فتح محورٍ جديد يتناول قضايا سياسية محددة وخاصة بالشأن السوري وقد كانت المحاضرة الأولى ضمن “محور الحقوق” كما أطلق عليه محاضرة الأستاذ في كلية الهندسة المدنية شبلي الشامي، وقد كانت بعنوان (حق القول) وقد أعطى الاهتمام الإعلامي والمكثف بالمحاضرة سواءً من قبل وكالات الأنباء العالمية[8] أو الفضائيات العربية والأجنبية التي قامت بتغطية مباشرة أو من قبل الصحف العربية والأجنبية، كلُّ ذلك عززَّ حضور المنتدى داخلياً وعربياً وعالمياً.

إذ أصبح بوابةً واسعة لمخاطبة الرأي العام المحلي والعربي، ثم أُتبعت هذه المحاضرة بأخرى أكثر تخصصاً بالشأن السوري وابتعاداً عن العموميات النظرية والحقوقية، وقد تركّزت حول “الإصلاح السياسي: معناه وحدوده” لأستاذ الفلسفة في جامعة دمشق يوسف سلامة، كلُّ ذلك جعل النقاش في المنتدى مركّزاً بشكلٍ عملي في تقديم أفكار وحلول نظرية وعملية للإصلاح السياسي والاقتصادي في سورية.

لقد تسارعت الأحداث وانتشرت الشائعات بشكلٍ غير مسبوق، إذ جاء الإعلان عن تأسيس “التجمع من أجل الديمقراطية والوحدة” كحزب سياسي معظم أعضاءه من قدامى الناصريين كمؤشر على قرب صدور قانون جديد للأحزاب السياسية في سورية، بعد أن كان الحديث يدور كثيراً عن قرب صدوره، كما جاء إعلان كريم الشيباني عن تأسيسه للحزب الوطني الديمقراطي في 18 كانون الثاني/يناير 2001 وعبر مؤتمرٍ صحفي ليُعطي مؤشراً وكأن القيادة السياسية السورية قد قررت توسيع هامشها السياسي والحزبي عبر استنساخ أحزابٍ شبيهةٍ بها، فأراد النائب سيف أن يضع السلطة أمام الأمر الواقع ويعلن عن تأسيس حزبٍ جديدٍ ليرى إمكانية أن ترخص له السلطة أم لا، وجاء الإعلان عن ولادة “حركة السلم الاجتماعي” في “منتدى الحوار الوطني” بتاريخ 31 كانون الثاني/يناير 2001 واستمرت نقاشاته الحادة على مدى يومين.

وكان ذلك قد ترافق مع بدء حضور “الرفاق البعثيين” لجلسات المنتديات وبتكليفٍ رسميٍ “لتنفيذ ما يُطرح وإظهار ثغراته وخلفياته” على حد تعبير عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية[9]، وقد خلق حضورهم لجلسات “منتدى الحوار الوطني” ومشاركتهم في النقاش صدىً طيباً في البداية من جميع الحضور على أساس أن ذلك سيخلق حواراً ولو بشكلٍ غير مباشر بين المجتمع والسلطة أو المعارضة و”الحزب القائد”، بيد أن هذه المناقشات قد حادت في بعض الأحيان عن مسارها النقاشي الطبيعي والهادئ لتصبح تشكيكاً في وطنية وغاية “أصحاب المنتديات” كما أصبح يُطلق عليهم، مما استدعى في بعض الأحيان الرد من قبل بعض الحضور وهو ما وتّر الأجواء وحوّل النقاشات إلى حوارات ثنائية صاخبة وشخصية.

مهما يكن فإن تعجّل رياض سيف في الإعلان عن حركته وعدم توفقه في صياغتها الملائمة خلق ردة فعل سلبية للغاية خاصةً من المسئولين الرسميين كما ظهر ذلك في تصريحاتهم وأقوالهم[10]، وهو ما عجَّل بالبدء في كبح نشاط المنتديات وكبتها، إذ وجدت السلطات السورية في انتشارها بداية “لمقاومة سلمية وشعبية واسعة، كما وجدت في ازدياد شعبية سيف ونشاطه مؤشراً ينذر بتغيير مخيف سيّما وأن بعض الصحف العربية والأجنبية أصبحت تشبّهه فاليسا سوريا ودعوته إلى السلم الاجتماعي أشبه بحركة التضامن البولندية[11]، بيد أن  السلطات السورية تمهلت قليلاً وتريثت باتجاه النظر إلى مستقبل هذه الحركة ونهايتها.

لكن جاءت المحاضرة الأخيرة في “منتدى الحوار الوطني” بعنوان “المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي في سورية” لكاتب هذه السطور، وقد كانت أول محاضرة تُلقى في المنتدى تدخل في معالجة الوضع السوري مباشرة دون مقاربات عيانية عن الواقع العربي وما إلى ذلك، وقد شهدت اهتماماً إعلامياً لافتاً[12] سيّما لجهة طرحها لسيناريوهات التحول الديمقراطي المستقبلية في سورية، وزاد حضور البعثيين من فرع جامعة دمشق النقاش توتراً وسخونة الذي استمرَّ على مدى خمس ساعات متواصلة، كان يتقطع في بعض الأحيان نتيجة الحوارات الثنائية الحادة بين أحد البعثيين وأحد الحضور، وبحضور أحد الصحفيين الأمريكيين الذي طلب الكلام ليشكر التجربة السورية في هذه المنتديات، وليقول أن هذه التجربة لا نجد مثيلاً لها في الولايات المتحدة بحكم سيطرة وهيمنة وسائل الإعلام والشركات العملاقة، لكن-وبعنفٍ زائد-قاطعه الدكتور فيصل كلثوم (أستاذ النظم السياسية والقانون الدستوري في كلية الحقوق-جامعة دمشق وعضو سابق في قيادة فرع الحزب في الجامعة، وقد انتخب فيما بعد-ربما مكافأة له-عضواً في مجلس الشعب السوري عن حزب البعث وأصبح رئيساً للجنة الأمن القومي فيه) وتساءل فيما إذا كانت هذه المحاضرة مشيراً بيده إلى ورقة المحاضرة (المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي) تمثل ورقة وطنية أو أمريكية، وهنا علا صياح الرفاق البعثيين الآخرين مطالبين بطرد هذا الصحفي الأمريكي الجريء ومتهمين إيّاه بأبشع النعوت دون حتى أن يسمعوا شيئاً من كلامه الذي يتقاطع في النهاية مع ما يودّون أو يرغبون في التحدث عنه.

مهما يكن فإن ما حصل وبكثيرٍ من التحريف نُشِرَ على هيئة تقرير في صحيفة “الحياة” بعنوان (تساؤلات “بعثية” عن حضور دبلوماسيين وأجانب المنتديات)[13]، وقد كان هذا التقرير مستنداً لدى الكثير من المسؤولين السوريين للتذرع بأن المنتديات “مخترقة” من الخارج، كما أن التقرير نفسه اعتبره الرئيس بشار الأسد على أن المنتديات قد أصبحت واجهة لجهاتٍ خارجية[14]، وعلى الرغم من أن الصورة كانت مختلفة تماماً لما تحدث به التقرير و”تقارير أمنية” أخرى مغفلة، ذلك أن المنتديات كانت في عمومها مفتوحة للجميع، ويحق للقاصي والداني حضورها والمشاركة في نقاشاتها طالما أنها تتحدث في إطار السقف الوطني والمسؤولية الوطنية، ولذلك فإن مشاركة غير السوريين فيها كانت في مجملها تمثل إثراءً للتجربة، سيّما وأن تجربة المنتديات نفسها وهي تعتبر فريدة لجهة قدرة السوريين على خلق تجارب خاصة بواقعهم وتتحايل على الممنوعات أو الخطوط الأمنية الكثيرة التي تحاصرهم، وهي لذلك حظيت بنقاش عربي فريد سواءً في الفضائيات أو الصحف العربية[15].

في اليوم التالي للمحاضرة جرى الإعلان عن شروطٍ لتقييد نشاط المنتديات أو بالأحرى وقفها نهائياً، إذ طُلِبَ من المسؤولين عن تنظيم هذه المنتديات تقديم اسم المحاضر ونص المحاضرة وأسماء الحضور إلى غير ذلك وقبل 15 يوماً من موعد المحاضرة ثم الانتظار حتى الحصول على الموافقة[16]، الأمر الذي عنى حقيقةً وقف نشاط المنتديات وعبر توجيهٍ من فرع الأمن السياسي التابع لوزارة الداخلية، وترافق ذلك مع تعميمٍ من القيادة القومية لحزب البعث الحاكم تتهم فيه المثقفين السوريين بأنهم “عملاء ومرتبطون بالخارج”[17]، وقام أعضاء القيادة القطرية بجولة على المحافظات السورية للتحذير من الأطروحات التي تدعو إلى “المجتمع المدني”[18]، التي رأى فيها عبد الحليم خدام نائب رئيس الجمهورية دعوة “لجزأرة سورية[19]، وكان عبد القادر قدورة رئيس مجلس الشعب السابق قد رفع الحصانة عن النائب سيف وذلك أثناء فترة عطلة المجلس وذلك للسماح بتحريك دعوى النيابة العامة ضده وذلك رداً على تأسيسه لحركة السلم الاجتماعي[20]، حيث مثل أمام قاضي التحقيق لعدة جلسات تمحورت معظمها حول خلفيةِ ورقته التي تدعو إلى “السلم الاجتماعي”، وعلى أثر هذه التقييدات المختلفة أعلن الكثير من المنتديات وقف نشاطه، بينما جرى استثناء “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي”، وذلك لأنه يمثل الطيف الناصري القومي القريب من توجه القيادة السياسية السورية[21]، أما “منتدى الحوار الوطني” فقد أوقف برنامج محاضراته وأعلن النائب سيف لحوّله إلى “مضافة”[22]، قبل أن يُعلن نهائياً إغلاقه في بيان رسمي صدر في 12 آذار/مارس 2001 وذكر الضغوطات التي تعرض لها وأعلن أنه سينتظر الفرصة لاستئنافه مجدداً في ظروفٍ مشرّفة[23]، وعندها جرى الإعلان رسمياً عن نهاية “ربيع دمشق” كما ورد ذلك على لسان سيف في أحد حواراته مع وكالة الصحافة الفرنسية، ليصبح هذا المصطلح أشبه بالتعبير التاريخي الذي يُطلق لوصف مرحلة تاريخية مرّت بها سورية[24].

لقد انعكس وقف المنتديات مع عودة الملاحقات الأمنية المكثّفة واللجوء إلى سياسة الضغط على المثقفين عبر منعهم من إلقاء المحاضرات أو منعهم من السفر، انعكس كلُّ ذلك على حراك المجتمع السوري ونشاطه، بيد أن “لجنة منتدى الحوار الوطني” قررت اجتماع أعضائها أسبوعياً للنظر في الخطوات الضرورية في الأسابيع والأشهر اللاحقة، ومع تقدم “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي” بطلبٍ رسمي إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل للترخيص وذلك في 18/4/2001، قررت “لجنة منتدى الحوار الوطني” الاتجاه في الخط القانوني نفسه مع اقتناعها التام بلا جدواه، غبر أنها رغبت في رفع الحرج القانوني عن المنتدى وإحراج السلطات الرسمية نفسها التي ادّعت أن هذه المنتديات غير مرخّصة قانونياً.

تقّدم “منتدى الحوار الوطني” بطلبٍ للترخيص إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في 3/5/2001 محدداً أهدافه في “فتح حوار شامل مع جميع أبناء الوطن فيما يخص قضايا الوطن والمواطن الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والقانونية، ودعوة الجميع للمساهمة في تعزيز وحدة الوطن وقوته من أجل تحرير أرضنا المحتلة وحقوقنا المسلوبة، والتي نرمي لتكريسها في النقاط التالية:

المساهمة الثقافية بهدف الارتقاء بوعي المواطن لتعزيز الإحساس بالمسؤولية.

لكل من لديه الإمكانات الفكرية والعلمية والمهنية للمساهمة في إبداء الرأي واقتراح الحلول العملية لمختلف المشاكل الحياتية”.

واضحٌ أن طلب الترخيص لم يحتوي على أيّةِ كلمة تدل على رغبة “المنتدى” في النشاط السياسي، وليس ذلك تعففاً عن السياسة وابتعاداً عنها بقدر ما هو رغبة لجنة المنتدى في الانطواء تحت مظلة القانون عبر سحب أيّة ذريعة قد تستخدمها السلطة لعدم الحصول على الترخيص القانوني، وبالرغم من ذلك فقد جاء رد وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل سريعاً وبعد خمسة أيام فقط من تقديمه بردّ الطلب ورفض الترخيص بحجة أن ذلك ليس من اختصاص الوزارة و”لا تنطبق عليه النصوص القانونية المعتمدة” كما جاء في ردِّ الوزارة.

قررت لجنة المنتدى بعد ذلك التقدم بتظلّم إلى الوزارة اعتماداً على أن “الأسباب المنوّه عنها برفض الطلب تعتبر مخالفة صريحة للقانون /93/ لعام 1958 الذي يحكم منتدانا ذلك أن هذا القانون واللائحة التنفيذية له جعل من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل هي الجهة الإدارية المقصودة بمضمون المادة /10/ من القانون والمختصة بإجراء عملية الشهر والنشر بالجريدة الرسمية خلال (60) يوماً من تاريخ تقديم الطلب، وبالتالي فإن ما جاء بقراركم من  عدم اختصاص وزارتكم، جاء في غير محله القانوني ومخالفاً للقوانين والأنظمة النافذة.

لقد تم تقديم هذا “التظلم” إلى ديوان الوزارة بتاريخ 16 أيار/مايو 2001 وجاء الرد سريعاً أيضاً وبتاريخ 24 أيار/مايو 2001 برفض الظلّم مع التأكيد على “مضمون قرارنا بعدم اختصاص وزارتنا وعدم انطباق النصوص القانونية المعتمدة على طلبكم، لذلك نرفض تظلمكم، ويعتبر كتابنا هذا ردّاً على تظلمكم ووفقاً للمدة القانونية” كما جاء في ردِّ الوزارة، وهكذا دخلنا في متاهة قانونية[25]، يعلم الجميع أن إطارها ليس قانونياً وإنما سياسيٌ محض، ولذلك حزمت لجنة المنتدى أمرها وعزمت على استئنافه مجدداً بعد فشل جميع الخطوات القانونية المتبعة، وعاودت اجتماعاتها الأسبوعية الدورية، التي أصبحت فيما بعد كل أسبوعين منذ نهاية أيار/مايو 2001 وحتى أوائل أيلول/سبتمبر 2001، وقد كانت هذه الفترة حافلة بالتطورات الملحوظة على الصعيد السياسي والإعلامي في سورية، إذ استمرَّ “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي” في محاضراته وكانت محاضرة رياض الترك الأمين العام للحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي هي الأبرز وذلك في آب/أغسطس 2001، وأعلن الإخوان المسلمون الموجودون في الخارج “ميثاق شرف وطني للعمل السياسي” في أيار/مايو 2001 يتمسكون فيه بالحوار والعمل الديمقراطي ويؤكدون على نبذ العنف، وجرى تأسيس “جمعية حقوق الإنسان في سورية” عبر بادرة كان ورائها ورعاها أربعون من المثقفين والناشطين السوريين، كما أصدرت الهيئة التأسيسية للجان إحياء المجتمع المدني” عدداً من البيانات كان أبرزها وثيقة “نحو عقد اجتماعي وطني في سورية: توافقات وطنية عامة” وذلك في نيسان/أبريل 2001، هذه الأجواء دفعت عدداً من المثقفين السوريين الناشطين في الخارج إلى تشكيل “مجموعة عمل” تهدف إلى مساندة المثقفين السوريين في الداخل والمشاركة على نحو مباشر وملموس وفاعل في النقاش الدائر حول إحياء المجتمع المدني في سورية[26].

كما برزت خلال الفترة ذاتها أيضاً “ظاهرة نزار نيوف” كما أصبح يُطلق عليها البعض، والتي وإن أدّت إلى انعكاسات سلبية خاصة فيما يتعلق بتشدد السلطات السورية تجاه المثقفين والمعارضين في الداخل، إلا أنها رفعت بشكلٍ ملحوظ سقف الحوار والنقاش الداخلي.

ولم يعد رياض سيف بعيداً عن هذه الأجواء التي دخلها من باب مختلف، عندما تبنى قضية عقود الهاتف الخليوي في سورية وبدأ يثير حولها الشكوك والتحقيقات بوصفها “صفقة فساد” تمت لحساب أحد الأشخاص المقربين من الحكم، ونجح في إثارة الموضوع داخل أروقة مجلس الشعب وقرر المجلس تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في هذا الموضوع، وأعدَّ دراسة مطولة ودقيقة حول الموضوع نفسه تُظهر وبالأرقام أن هذه العقود قد أضاعت على الخزينة السورية مبلغاً لا يقل عن (400) مليار ليرة سورية، بدا رياض سيف عندها وكأنه يدخل في حجر الأفاعي بنفسه ومسألة لدغهم إياه هي مجرد مسألة وقت، وهذا ما حصل بالفعل.

فعندما اعتقلت السلطات السورية النائب محمد مأمون الحمصي في آب/أغسطس 2001 بعد إعلانه إضراباً عن الطعام كي تتحقق أهدافه التي أعلنها في بيانه[27]، واعتقلت بعده رياض الترك في أول أيلول/سبتمبر 2001 بعد مشاركةٍ له في برنامج “بلا حدود” على قناة “الجزيرة” القطرية، أدركت لجنة منتدى الحوار الوطني مدى صعوبة استئناف المنتدى مجدداً في ظلِّ هذه الأجواء وشعرت أنها إنما تغامر بذاتها، وكان ما كان، إذ كانت لجنة المنتدى قد أصدرت في تموز/يوليو 2001 بياناً تُعلن فيه عن نشاط منتدى الحوار الوطني وذلك “مساهمة منها في تفعيل الحياة العامة ونشر ثقافة وتقاليد الديمقراطية التي تبدأ من قبول كلٍّ منا للآخر، عبر إفساح المجال أمام مختلف فئات المجتمع للمشاركة في حوار ديمقراطي بناء يهدف إلى البحث عن أفضل الصيغ والوسائل الكفيلة بتطوير حاضر البلاد ومستقبلها لما فيه خير جميع أبناءها” وأنهت البيان بدعوتها جميع السوريين “للمشاركة في حوار يعترف فيه كلٌ منا بالآخر ويحترم أفكاره وطروحاته، طالما أنها تنطلق من الحرص على الصالح العام، وتنظر بعينٍ ملؤها التفاؤل والثقة في مستقبلٍ أفضل، وبناء وطنٍ يوفر لكل أبنائه السعادة والاطمئنان في جوٍ محبب للعمل والإبداع، يجعل متعة العطاء بديلاً لكلِّ أنانيةٍ ضارّة”.

وعلى الفور أذاعت معظم وكالات الأنباء والإذاعات الأجنبية والعربية نبأ استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني، الأمر الذي دعا بعضهم للاستعجال بوصف هذا الاستئناف “عودة جديدة لربيع دمشق”، وقد جرى الاتفاق  بين لجنة المنتدى والمفكر السوري المعروف برهان غليون أن يأتي إلى دمشق خصيصاً من باريس كي يفتتح نشاط المنتدى بمحاضرةٍ عن “مستقبل الإصلاح والتغيير في سورية: نحو عقد وطني جديد”، وأقيمت المحاضرة في موعدها تماماً زماناً ومكاناً وبحضور ما يفوق عن 500 شخص غصَّ بهم منزل رياض سيف، المقر المعتمد لمنتدى الحوار الوطني، واستمرَّ النقاش لمدة 5 ساعات متواصلة حيث قدَّم أكثر من 30 شخصاً مداخلاتهم وتعقيباتهم، الأمر الذي دفع أحد البعثيين المكلّفين بالحضور إلى اعتبار هذه المنتديات بمثابة مكسبٍ للسوريين، وقد شعر جميع المشاركين بحيوية التواصل وإمكانيته بين السوريين جميعاً ومن كل أطيافهم وتلويناتهم وانتماءاتهم كما ظهر ذلك في عناقٍ حار بين المحامي حبيب عيسى الناطق باسم “منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي” وبين أحد الأساتذة الجامعيين من حزب البعث والمكلفين رسمياً بالحضور، وجرى تصفيقٌ حاد وطويل لهذه الخطوة التي كثّفت بامتياز معنى “المصالحة الوطنية” التي تحدثت عنه المحاضرة. شعر الجميع بعدها وخاصةً لجنة المنتدى أن خطوة الاستئناف المجدد للمنتدى قد نجحت بشكلٍ رائع، ولذلك توقع الجميع أن تبادر السلطات الرسمية إلى خطوةٍ رمزية باتجاه الاعتراف بالآخر عبر شرعنة المنتدى قانونياً، لكن كانت الخطوة التي اتخذتها السلطات مختلفة تماماً عما طمح أو أمل به الجميع، إذ قامت في اليوم التالي باعتقال النائب رياض سيف المسؤول الأول عن “منتدى الحوار الوطني” والناطق باسمه، وحرّضت جميع الصحف الرسمية على نشر مقالات تقذّع “بأصحاب المنتديات” وتصفها “بمنابر الشتائم” مدّعية على عكس الواقع تماماً، أن أي صوت معارض للطروحات المشبوهة كان أصحاب المنتدى يقومون بإسكاته[28]، علماً أن “الرفاق البعثيين” قد مُنحوا الوقت المضاعف لغيرهم للحديث والتعقيب في المنتدى، والطريف في الأمر أن أحد هؤلاء الصحافيين الذي استخدم كل ما في جعبته لاتهام “أصحاب المنتديات” بأبشع النعوت والأوصاف[29] وصف المنتديات بأنها “ظاهرة غير طبيعية أصبحت موجودة في كل بيت أو شارع أو حي”[30]، مما يعد مؤشراً “رسمياً” على مدى ما وصلت إليه المنتديات من انتشار وشعبية.

مع اعتقال سيف ردّت “لجنة منتدى الحوار الوطني” بشكلٍ سريع على ذلك عبر التنديد بهذا الاعتقال، وأكدت على استمرارها في نشاط المنتدى عبر بياناتها المستمرة، واستطاعت أن تحشد 14 جمعية ومنتدى مستقلاً وغير حكومي في مقر “منتدى الحوار الوطني” لإصدار بيان مشترك يستنكر الاعتقالات التي جرت ويطالب بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين السياسيين، لكن جاء الرد سريعاً مرة أخرى باعتقال خمسة آخرين ثلاثة منهم أعضاء في لجنة منتدى الحوار الوطني والآخران ناشطان في نقاشاته وجميعهم حضر المحاضرة الأخيرة وشارك بفعالية في النقاش حولها، وهم الدكتور عارف دليلة عميد كلية الاقتصاد سابقاً والدكتور وليد البني والدكتور كمال اللبواني وحسن سعدون وحبيب صالح، وترافق ذلك مع موجة تحريضية من الصحف السورية على المثقفين، لدرجة أنها تساءلت عن سبب التأخير في “تطبيق الإجراءات القانونية بحق مخالفي القانون والمسيئين إلى مسيرة تعزيز الحريات، وفي مقدمتها حرية التعبير”[31].

بالرغم من ذلك حضرت لجنة منتدى الحوار الوطني إلى مقرِّ المنتدى ومعها الكثير من المتضامنين والمؤازرين لتبحث الوسائل والخطوات الضرورية الواجب اتخاذها لكسب “معركة الحرية”، علماً أن فرع الأمن السياسي كان قد استبق ذلك بنشر لائحة تضم ثلاثين مثقفاً سيجري اعتقالهم، وقد ضمّت اللائحة معظم أعضاء “لجنة منتدى الحوار الوطني” أو الناشطين في حواراته[32]، فردّت السلطات السورية وفي اليوم التالي لهذا اللقاء باعتقال فواز تللو عضو لجنة منتدى الحوار الوطني وحبيب عيسى الناطق باسم منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي وذلك صباح 11 أيلول/سبتمبر 2001.

لقد كانت أحداث الاعتقالات المتكررة في سورية تتصدر نشرات الأخبار العربية وأحياناً الدولية، بحيث أن الإعلام لعب دوراً بارزاً في إعطاء الصفة الحقيقية لهذه الاعتقالات بوصفها  “اعتقالات رأي” وليست “خرقاً للقانون”، كما ادّعت السلطات السورية، ولكن مع عصر اليوم نفسه وقد جرى في نيويورك وواشنطن وفي 11 أيلول/سبتمبر 2001 ما جرى، تحول اهتمام الإعلام بشكلٍ مطلق وتام عن الأجواء السياسية الصاخبة في سورية، بحيث بدا وكأن هذه الأحداث قد خدمت الحكومة السورية خدمةً لا توصف عبر تخفيف العبء الإعلامي الثقيل الوطأة على كاهلها، وهو ما أشعر المثقفين والناشطين السوريين أن الورقة الرابحة الوحيدة في أيديهم وهي “الإعلام” الخارجي حصراً وتحديداً، بحكم منعهم من أية وسائل أخرى كالتجمع أو التظاهر أو استخدام وسائل الإعلام المحلية أو الاعتصام أو غير ذلك من أنشطة أصبحت تعتبر من البديهيات في العالم المعاصر، ومع خسارة المثقفين لهذه الورقة انكفأ الجميع نحو متابعة ما يجري من آثار لهذا الحدث الدولي الضخم، وبنفس الوقت لمراقبة فصول المحاكمات التعسفية التي أجريت للنشطاء، حيث جرى تحويل النائبين محمد مأمون الحمصي ورياض سيف إلى محكمة الجنايات وحكمت عليهما بخمس سنوات سجناً بعد اتهامها بتعطيل مؤسسات الدولة عن القيام بدورها، وإشاعة أنباء كاذبة من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب، ومحاولة تغيير الدستور بطرق غير مشروعة[33]، أما النشطاء الثمانية الآخرون فقد جرى تحويلهم إلى محكمة أمن الدولة الاستثنائية فحكمت عليهم وبالتهم السابقة نفسها أحكاماً تتراوح بين العامين والعشرة أعوام في ظل ظروف محكمة أقلّ ما يوصف فيها بأنها “غير عادلة”[34].

لقد كرست هذه الاعتقالات حقيقةً النهاية الرسمية لربيع دمشق الذي راهن عليه العديد من المثقفين والناشطين السوريين والمراقبين الدوليين على أن ينمو مناخاً جديداً من الحقوق والحريات في سورية بعد أن كان مفقوداً منذ عقود، إلا أن هذا الرهان قد سقط للأسف بالنظر إلى آلية عمل النظام السياسي في سورية التي لا تحتمل الانفتاح أو التغيير وتصرُّ على الإمساك بجميع مفاصل الحياة السياسية والاجتماعية والإعلامية[35].

تلك كانت باختصار مكثّف أبرز المفاصل الرئيسية التي مرَّت بها تجربة “منتدى الحوار الوطني” بوصفها أحد التجارب الفاعلة وذات أثر في الحياة السياسية السورية، وأعطت لربيع دمشق وهجه وألقه الرئيسي، وإنها إذ تعتذر أنها أغفلت عدداً من النشاطات والخطوات الجريئة الهامة والضرورية في مسيرة “ربيع دمشق” فلأنها تقيّدت بالتأريخ لمسيرة “منتدى الحوار الوطني”. والتأريخ لمسيرة “ربيع دمشق” يحتاج إلى وقفةٍ أخرى أكثر طولاً وتأملاً.

إن هذا الكتاب يضم بين دفتيه جميع المحاضرات ومعظم النقاشات التي دارت في أروقة وتحت سقف “منتدى الحوار الوطني”، وهي تعكس بشكلٍ حقيقي أحد الوجوه المشرقة لسورية التي تفكّر بعيداً عن الرقيب أو السجّان، كما أنها تكشف أحد صور “ربيع دمشق” التي لابد أن تتكامل صوره وتجتمع حتى يُثمر الربيع ويُزهر مستقبلاً جديداً ومختلفاً لسورية. سورية التي يحب الجميع أن ينتمي إليها انتماءً ملؤه الفخر والوطنية كبلد يحفظ كرامة الجميع، لأن الجميع كرامتهم من كرامتها.

لابد في النهاية أن أُجزيَ الشكر مضاعفاًَ للدكتور هيثم مناع الذي لولا اندفاعه العفوي والوطني ما كان لهذا الكتاب أن يرى النور، والشكر كلُّ الشكر أيضاً للسيد حسام شحادة الذي حفظ لديه وبكلِّ ثقةٍ وأمانة الكثير من أرشيف وأوراق منتدى الحوار الوطني، وكان لجهده وصبره الدءوب دوراً لا يُذكر بالكلمات في إخراج هذا الكتاب إلى حيّز الوجود.

د. رضوان زيادة

ضرورة المجتمع المدني*

أ.انطون مقدسي**

أشكركم على حضوركم للحديث عن المجتمع المدني وآمل أن أكون عند حسن ظنكم بي.

مدني نسبة إلى مدينة، وأول سؤال يطرح هل كل من يسكن المدينة مدني؟ وهل كل مدينة تشكل أو يمكن أن تشكل مجتمعاً مدنياً؟ كان في برامجنا لسنوات خلت مادة اسمها (معلومات مدنية) عرضها يعطيكم فكرة واضحة وأولية عن المجتمع المدني، فقد كان فيها تعريف بالمؤسسات السياسية الجمهورية، اتحاد الجمهورية، الوزارات، ومن ثم المؤسسات: المؤسسة التعليمية، المؤسسة الصحية، القضاء،…الخ، والعلائق المدنية من مثل أن لا ترفع صوتك بعد الساعة العاشرة ليلاً كي لا تزعج جيرانك، دخول البعض إلى الدور، آداب السلوك في الشارع،…الخ، وكمثال على ذلك: أنا أسكن في حي الشعلان في بناء يتألف عملياً من طابقين وطابق أرضي وراجع يعني أربع طوابق، منذ حوالي 35 سنة لم نتمكن نحن سكان هذه البناية من الاتفاق على شطف الدرج، أترك التدفئة والأمور الأخرى.. أما في البلاد الأوروبية وفي بناية كبيرة كانت أم صغيرة، هناك ميثاق يُتفق عليه بين الجميع، على التدفئة، على النظافة، إلى آخره، هذا الاتفاق هو المجتمع المدني بكل بساطة، الغريب في الأمر أن بعضهم رأى في الحديث عن المجتمع المدني ما يشبه حصان طروادة يدخل في قلب الحكم لتفكيكه من الداخل، إذا كان الاتفاق على شطف الدرج يفكك الدولة … المجتمع المدني يتبدل بتبدل المدن، فلكل مدينة مجتمعها المدني أو يغيب عنها المجتمع المدني، أذكر على سبيل المثال ثلاثة أنواع من المدن نتعرف بها عملياً على الملامح الكبرى للمجتمع المدني كما بدأ في التاريخ وتطور المدينة الإغريقية أولاً، المدينة الأوروبية ثانياً، المدينة العربية ولو كان حديثي إليكم بعد خمس سنوات لأضفت مدينة رابعة…التي هي عبارة عن تجمعمدني غير أن الحديث عن هذا الموضوع سابق لأوانه.

مدينة الإغريق في بلاد اليونان مؤلفة من مدن كثيرة من شاطئ آسيا الصغرى إلى حوض البحر الأبيض المتوسط أو في جزر بحر ايجه وأخذت شكلها النهائي شبه المستقر في القرنين الرابع والخامس قبل الميلاد، والمدينة الإغريقية بالذات وخاصة في عهد المسرحيين في القرن الخامس وفي عهد الفلاسفة سقراط وأرسطو، هذه المدينة كانت السيادة فيها للمواطنين، ديمقراطية مباشرة، وكل قانون كان يعلق مباشرة في الساحة (الآغوره)، ويأتي المواطنون ويصوتون ليس على القانون فقط بل على الوظائف الكبرى، قائد الجيش مثلاً، القاضي، حاكم المدينة، ويُعطي فرصة للقيام بمهمته، سنة، سنتين أو نصف سنة، أقل أو أكثر، يقول أرسطو أن فضيلة المواطن هي الأمر والطاعة، يعني عندما يوضع في مركز الآمر عليه أن يأمر وعندما تنتهي مهمته عليه أن يعود إلى صفوف المواطنين ويطيع، هذا أول نموذج للمدنية في المجتمع المدني.

ديمقراطية مباشرة، تصويت، وسيادة القانون بالدرجة الأولى، المثال على ذلك، سقراط حُكم عليه بالموت لأسباب فيها الكثير من الدس والدسائس وحكم مع ذلك وأعطي المجال كي يترك أثينا على الأقل كي لا ينفذ حكم الإعدام فيه وقدمت له عدة عروض ليتجنب حكم الإعدام فأبى وقال يجب أن أطيع قانون المدينة، فإذاً ديمقراطية مباشرة، حكم مواطنين، وفكرة المواطنة هي فكرة أرستقراطية، عندما وضع أرسطو القانون قال انه كان لديه 150 دستور بلون الإغريق، هذه عناية بالقانون تسترعي الانتباه، لكن المدينة الإغريقية لها حدودها، وأولاً أُقرت العبودية وكانت هذه أول مرحلة كان العبد فيها بمثابة أجير، وثانياً كان المواطنين فيها بعدد محدود، أرسطو وأفلاطون في الجمهورية كانوا يرون أن عدد سكان المدينة في الجمهورية يجب أن لا يزيد عن 30 ألف، الحقيقة عدد المواطنين كان أكثر فالتاجر والغريب والحرفي هؤلاء ليسوا مواطنين، وهذه من المآخذ على المدينة الإغريقية، المواطنون هم الأرستقراطية الفكرية والزراعية، أما النموذج الثاني الأقرب إلينا فهو نموذج المدينة الأوروبية، المدينة الإغريقية انبثقت من البربر (ما يسمى بالمجتمع البربري)، كلمة بربر يقابلها في اللغة العربية الأعاجم.

المدينة الأوروبية انبثقت من قلب الإقطاع، إذ كان الذين يتركون الإقطاع، يتجمعون في مكان معين من هنا أتت كلمة برجوازية، برجوازية تعني ساكن المدينة، تطورت تدريجياً البرجوازية حتى الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر، هذه الثورة التي تمت في إطار الثورة الصناعية الأولى أو ثورة الثلاثين المعروفة، البرجوازية استلمت الحكم واستبدلت الأرستقراطية في الدم بالأرستقراطية الثانية.

الثورة الفرنسية كشفت المفهوم الارستطالي على المواطن، البلد مؤلف من مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات وأمام القانون، المفهوم الثاني الذي كشفته هو مفهوم الأمة، ففي اليونان لم تكن الأمة موجودة بل كان هناك مدن، ثالثاً الاقتراع المباشر، التصويت العام لكل المواطنين بنفس السوية والأكثرية تؤلف البرلمان، هذه المفاهيم التي أتت مع الثورة الفرنسية، ثم تفاوت في الطبقات الذي تحدث عنه كارل ماركس … هذه المفاهيم: المواطنة، المساواة أمام القانون، الاقتراع لاختيار ممثلي الشعب هي الأطر التي تكون بها المجتمع المدني، المجتمع المدني لم يظهر في الغرب إلا في أواخر القرن التاسع عشر وقام على نظام إقامة البلديات، البلدية هي حكومة المدينة وإذا تضخمت المدينة قسمت إلى إمارات، مدينة باريس 20 حارة وكل حارة لها بلديتها التي تنتخبرئيسها الرمزي (وبالمناسبة نحن لا نزال نأخذ بنظام البلدية العثماني مع أن تركيا تركته)، المجتمع المدني إذاً يقوم على البلدية، بلدية منتخبة مباشرة من الشعب، فرئيس البلدية والبلدية ليسوا موظفين بل أعضاء في المدينة لهم دور سياسي، المحافظ له وظيفة، مدير المنطقة له وظيفة، أما البلدية فليست وظيفة، هي كيان سياسي، وهذا هو بالضبط المجتمع المدني، كيان سياسي ينظم كل أمور المدينة، المدارس، الطرق، المواصلات، علاقات الناس ببعضهم وكل ما يخص الناس هو من تنظيم هذه البلدية. وهذا هو النموذج البرجوازي الذي لا يزال حتى الآن معمولاً به.. لذلك في أوروبا لانتخاب البلديات من الأهمية ما لانتخاب البرلمان.    

أنتقل رأساً بعد ذلك وبلا إطالة إلى المجتمع العربي، فالعربي بفطرته تاجر، بدوي تاجر بقي يتمدد طولاً وما يزال ما بين النظام العشائري ( نظام البادية) حيث العلاقات شخصية، والمدينة حيث النظام يقوم على القانون، والأمثلة على ذلك:

في الماضي، الأحكام السلطانية من القرن الخامس للهجرة (الثاني عشر الميلادي) تقول أن الجنود كانوا مرتبين كلٌ حسب قبيلته، ابن خلدون في القرن الثامن الهجري (الخامس عشر الميلادي) في أوائل النهضة الأوروبية كان أول من تكلم عن المجتمع، أو عن الاجتماع البشري والعمران، وكان يرى أن الدولة تكون قريبة في البداية من العصبية القبلية وعندما تنتقل إلى المدينة تزول، هذا قول لأكبر عالم اجتماع عربي، إذاً ما تزال البادية حاضرة. فالمدينة العربية تشكو من تأرجحها بين بقايا العشائر القديمة والحياة في المدينة، وهذا التأرجح كما سنرى هو الذي أفادت منه السلطات وهذه أول نقطة ضعف في المدينة العربية. النقطة الثانية أن الحلفاء في الحرب العالمية الأولى وعملياً فرنسا وبريطانيا وبالدرجة الأولى بريطانيا جزأت البلاد العربية بعد أن كان مجال التاجر العربي يمتد حتى أيام العثمانيين من بلغاريا ومكدونيا في البلقان إلى المغرب (كان أحد الشعراء يقول لابد من صنعاء وإن طال السفر). هذا المجال ضاق وأصبح بحدود القطر العربي السوري.

القطر العربي السوري كيان جديد، سورية قديمة، لكن هو كيان جديد عمره (42-55) سنة ليس له تقاليد، تقاليده تتكون الآن، وكثيراً تهمنا نواة المجتمع المدني في بلادنا، فالقطر العربي السوري بتر منه فوراً بعد الحرب العالمية الأولى، ديار بكر والأردن، ديار بكر أعطيت لكمال أتاتورك ليكون بجانب الغرب، الأردن، يقول تشرشل في مذكراته أننا أنشأنا في شرق الأردن ثكنة لجيش من البدو وأكثره ضباط إنكليز وهو خط دفاع عن قناة السويس، كما أن تشرشل يقول في مذكراته: حيث يوجد بئر بترول سأبني دولة، وهذا كلام خطير، فالأنظمة العربية متضاربة جداً.

إذاً، نقاط الضعف في المدينة العربية:

بقايا العشائرية أولاً، وهذه الكيانات المفتعلة ثانياً، فالأردن افتعل كي يكون ثكنة تدافع عن القناة، وأيضاً سورية اقتطع منها خمس أقضية وضمت إلى لبنان حتى تنشأ دولة لبنان الكبير كما كانوا يسمونها، وفي عام 1936 جرت مظاهرات وإضراب استمر ستة أشهر احتجاجاً على الانتداب الفرنسي، ودخلت فرنسا بالتفاوض مع الكتلة الوطنية وذهب الوفد برئاسة هاشم الأتاسي وأنشد له أهل حمص:( هاشم بيك يا عزيز يلّي رايح على باريز، أنت بتعرف شو بدنا، بدنا الوحدة السورية) يعني استرجاع الأقضية، بعد ذلك مرت الأيام وأصبح الأمر طبيعي، نسينا البقاع، طرابلس وراشيا وحاصبيا، هذه مناطق سورية، فلواء اسكندرون أعطي للأتراك حتى تقف تركيا على الحياد في الحرب العالمية الثانية أو أن تسير إلى جانب الحلفاء، وهذه كلها تدابير سياسية، فهذا نظام يفتعل من بقايا البادية وشعب في طريق التكون، أما الآن فالشباب منكم يجدون سورية وقد أصبحت الآن حدودها بالنسبة لهم شيء طبيعي، أما بالنسبة لي ولجيلي فهذه ليست سورية، وهذا ما جعل سورية تنتقل بشكل عفوي من سورية إلى الأمة العربية.

أعود إلى المسألة التي ذكرتها وهي إدخال المعلومات المدنية في التربية السياسية، المعلومات المدنية كانت في الإعدادي وهي فعلاً كانت تعطي صورة عن المجتمع المدني وعن آدابه، تربية سياسية تمتد 11 سنة من الثالث الابتدائي حتى السنة الثانية في الجامعة وكل من درس في الجامعة يعرف ذلك، أذكر أنه أتاني يوماً إلى وزارة الثقافة ضابط في الجيش برتبة لواء، وهذا قبل 15 سنة، إذ كان مشرفاً على التربية السياسية في سورية، فسألني هل يمكن أن نقوم بتنسيق بين مادة الفلسفة والتربية السياسية على اعتبار أني اشتهرت بوضع برنامج الفلسفة في الثانوي، فقلت له يا سيادة اللواء أطرح عليك سؤالاً واحداً فأرجوك أن تجيب عن سؤالي أولاً وبعد ذلك نتفق على التنسيق: ما الفرق من حيث المضمون الحقيقي في التربية السياسية بين الصف الثالث الابتدائي والسنة الثانية الجامعية؟ فسكت وانسحب، يعني التربية السياسية هي تلقين تلاميذ الابتدائي والإعدادي والثانوي وطلاب الجامعة أيديولوجية الحكم بكل بساطة وهذا شيء واضح تماماً، تلقين أيديولوجية الحاكم، الآن إذا سألت أنا: هل دمشق مجتمع مدني؟ سؤال جوابه عندكم، ومن الذي يحكم دمشق، من الذي يحكم ويسير الأمور في مدينة دمشق، إن كل فئة اجتماعية تكون أمة سواء أكانت حزب أم منظمة سياسية أو اجتماعية، مجموعة قوى، والحكم إدارة هذه القوى، هذه القوى تفسر عملياً بالسلطات، فما هي السلطات الحاكمة في البلاد العربية الـ22؟ أعددها: سلطة عرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، وبالنتيجة سلطة مدنية، المدنية تقريباً ليس لها وجود، إذاً التساؤل من يحكم مدينة دمشق؟ السلطة المدنية غائبة تماماً، لا يوجد سلطة مدنية، المحافظة، المحافظ وظفوه، السلطة المدنية لا تتألف من موظفين، السلطة المدنية هي المدينة التي تنتخب حكامها، في البلدية والعمدة وهذا منصب سياسي، إذاً تحكمها السلطات التي ذكرت وأترك لكم الإجابة، فالسلطة هيعرفية انقلابية، سلطة دينية، سلطة عشائرية، سلطة ثقافية، أما السلطة المدنية فغائبة.

عام 1983 بمناسبة مرور مئة عام على وفاة كارل ماركس، دعت اليونسكو إلى لقاء عالمي تشترك فيه كل أمم العالم، الشيوعيون كانوا أقلية قدموا مداخلات كثيرة، وفي الهيئات الاجتماعية، طُلب منا نحن الموجودين أن نجيب على السؤال التالي: إذا افترضنا أن ماركس عاد حياً اليوم ما الذي يقوله إلى مدينتكم أو أمتكم؟ وأعطي لكل من يود الحديث دقيقتين حيث كان هناك حوالي خمسون متحدث، فقلت أنا بدوري: ارفعوا أيديكم أيها الدول العظمى عن بلدي وعن البلدان التي يقولون عنها دول العالم الثالث، فالشعوب قادرة على أن تتطور بفعل قواها الذاتية، وخطر بذهني سؤال آخر سكتّ عنه لكنه بقي في رأسي حتى الآن، هو يا سادة كل دولة من دول العالم الثالث أنتم طغاة ارفعوا أيديكم عن هذا الشعب كي يتمكن لا من تحقيق المجتمع المدني فحسب بل من التقدم، الانتقال من التخلف إلى التقدم، المجتمع ظاهرة من مظاهر الحياة في هذا القرن وفي القرون الأخرى.. طالما الشعب تحت الوصاية، فالحاكم يعتبر الشعب قاصراً وعليه أن يلقنه ما يقول، ومن جملة ما يلقنه لا فصول المجتمع المدني ولا المعلومات الأدبية بل الأيديولوجية التي يعتقد أنه يحكم أو التي توفر له المسوغات العقلية والفكرية والأخلاقية حتى يحكم وطالما الحكم على هذا الشكل وطالما أن الشعب يعتبر قاصراً فينتهي كل شيء وكل عمل يجب أن يقوم على تحرير الشعب والمجتمع المدني أو المطالبة بالمجتمع المدني وهو خير وسيلة من جملة هذه الوسائل.        

التعقيبات والمداخلات

أ. محمد المالكي: أبدأ من حيث انتهى أستاذنا الكبير انطون مقدسي أستاذ الأجيال المتعاقبة.. قلتم للدول الاستعمارية ارفعوا أيديكم عن الشعوب، أنا لا أقول للدول الاستعمارية ارفعوا أيديكم عن الشعوب، بل أقول لحكامنا العرب في الأرض العربية حيثما وجدواارفعوا أيديكم عن شعوبكم وأوقفوا السياط التي تضربوا بها الشعب من خلال القوانين والأنظمة التي تتحكمون فيها في كل حق من الحقوق المشروعة.. لا أريد أن أطيل ولكن كيف لي أن أقول ما أريد والسياط فوق رأسي لا في دمشق ولا في حلب فحسبوإنما على امتداد الوطن العربي، هذه ظاهرة تحرم الشعب العربي من كافة مزايا الحقوق الإنسانية الطبيعية في الإبداع والعطاء والتعبير عن الرأي، وأنا أذكر مثالاً بسيطاً: الأول، وكما تعلمون تحدث أستاذنا عن المجتمع المدني الإغريقي الأول، وكما تعلمون الديمقراطية تأثرت بأفكار مجموعة من الأدباء والمفكرين لا نزال نتندر بأفكارهم كأرسطو، وفي المجتمع الإغريقي كان نظام الحكم في جبال الألب يختلف عما كان عليه في مدينة أثينا، لاحظوا أن رئيس وزراء الألب كان يتردد في بعض الأيام على بعض الغابات، وبما أن النظام كان نظاماً عسكرياً فقد تتبعته الأجهزة الأمنية المعروفة بمهامها التقليدية، ولاحظته يقف أمام شجرة كبيرة ويقول ما يتناقض مع مخلفات الأنظمة والقوانين واغتصاب حقوق المواطنين، فألقي عليه القبض وجيء به إلى الأمير، وقيل له هذا يفشي أسرار الدولة بحكم موقعه فهو يعرف من قتل ومن سرق ونهب، فقال له الأمير انت خنت الثقة والأمانة، فقال له يا سيدي لكل إنسان طاقة وصبر ويقدر على السكوت إلى حدود معينة لكن إذا امتلئ قلبه فلابد أن يجد شجرةً صماء بكماء يفش قلبه لها كي يحييه وأنا أقترح أن يجد كل مواطن عربي شجرة صماء بكماء كي يفش لها قلبه، والسلام عليكم.

د. عارف دليلة:  الأستاذ أنطون يسعدنا أن نلتقي ونسمع حديثك عن المجتمع المدني ،ولكن توقفت عند السلطة التي تملي أيديولوجيتها على المجتمع وأظن أن ربما نكون متفقين على أن جميع الدول العربية تجاوزت مرحلة الأيديولوجيا، ففي المرحلة الأولى لصعود أي نظام يأتي بإيديولوجيا ويحاول إملائها، لكن هذه المرحلة تنتهي عند ذروة معينة وتبدأ مرحلة الركود ثم مرحلة التفسخ والانهيار والتشبث بالمواقع والامتيازات والمصالح، ففي كل الأنظمة العربية انتهت من مرحلة  إملاء الأيديولوجيا، إذ لم يعد لديها شيء يسمع، تجاوزت مرحلة الأيديولوجيا إلى تشبث القائمين على مراكز النفوذ والقوة وخاصة في المجال الاقتصادي وتشبثهم بمراكزهم ودفاعهم عن هذه المراكزأصبح بدون أيديولوجيا وبدون أي شيء غير خطاب فاقد لأي معنى وأي مضمون، وبالتالي ألا ترى معي أننا وصلنا إلى مرحلة من الاستقطاب الخطير، بحيث أنن المتشبثين بمواقعهم مستعدين للدفاع عنها ولو كلف ذلك حياة شعب بأكمله، لو مات شعب بأكمله من الجوع فهم متشبثون بمواقعهم، يدافعون عنها بكل ما أتوا من أسلحة ومن قوة، بالمقابل في الجانب الآخر الذي لم يعد يرى شيئاً قابلاً للحوار مع المتشبثين بمواقعهم سيحصل أيضاً استقطاب من نوع آخر وهذا سيؤدي بالمجتمع إلى الانحطاط، ربما كل بطريقته.. يومياً ألتقي بموظفين وعمال من مختلف المستويات، في الشركات والدولة، في مواقع معينة واسمع منهم حديثاً يشيب له الرأس عن تصرفات بالمال والمصالح العامة التي لا يضبطها رقيب أو حسيب وأتساءل من يسائل من، من في دولتنا يحاسب من، عندما يقول بعضنا أن لابد من وجود مؤسسات مجتمع مدني توقف هؤلاء أو ترفع صوتها يومياً في وجه هؤلاء، يتهمون بأنهم مرتبطين بالصهيونية والماسونية وقوى الاستكبار العالمي وإسرائيل ولا ادري بمن، أما المتشبثون بمواقعهم والمدافعين عن هذه الممارسات فهم الوطنيون والمخلصون والاشتراكيون الذين لا ينام لهم جفن، برأيكم هذا الاستقطاب إلى ما سيدفع المجتمع، هل سيأكل بعضه بعضاً، أم ستأتي إسرائيل وتتسلمنا جثة هامدة على طبق من فضة ويكون أصحاب الامتيازات قد نقلوا ما استطاعوا نقله من مئات مليارات الدولارات ليقدمونها هدية للمصارف الصهيونية، هذا هو السؤال إلى أين سيفضي بنا مثل هذا الاستقطاب، الذين لا يقبلون أي حوار، لا يقبلون أي حل وسط على الإطلاق، وشكراً.

أ. نجاتي شوقي: أولاً أقول أننا استمتعنا بما قدمه الأستاذ انطون حول المجتمع المدني، حيث عرفه تعريفاً جميلاً ومختصراً، سؤالي هو هل يمكن اعتبار نظام الإدارة المحلية السائد في سورية بديلاً عن المجتمع المدني؟ وهل يمكن تطويره ليكون بديلاً عن دور المجتمع المدني؟

أ انطون مقدسي: الإدارة المحلية ليست بديلاً عن المجتمع المدني، وأنا لم أقل شيئاً من هذا، الإدارة المحلية أملتها عدة حاجات، أولاً اللامركزية في الحكم، فمركزية الحكم صعبة قليلاً لكن تبقى مركزية الحكم موجودة، هناك أمور يجب ان تدرك فانا قلت ان الإدارة المحلية يكون عندها موظفون سواء أكان محافظاً أو مديراً للمنطقة أو رئيس للبلدية أو مختاراً، بينما المدنية تقوم على ان تكون إدارة المدينة من قبل المدنية فإذا كانت المدينة كبيرة تقسم إلى أحياء، مدينة دمشق في أواسط الثلاثينات لم تكن مدينة،بل كان يوجد أربعة مدن: الشيخ محي الدين والمهاجرين والقصاع والميدان وحتى الخمسينات عندما كان ينزل شخص من المهاجرين ويركب تروماي يقول لأصدقائه ماذا تريدون من المدينة، هذا في الخمسينات، المدينة كانت المرجة والحميدية والسنجقدار، هذه المدينة تعترضها صعوبات دمج المواطنين في وحدة مدنية،  قلت ان البعض يعتبرون أن المجتمع المدني وكأنه حصان طروادة لقلب نظام الحكم، لا، فنحن نطلب اقل من ذلك بكثير، ان ننهي عهد التهديد وندخل في حوار، وهذا ما نطلبه، وهذا باعتقادييكون إذا امتلك المثقفون الجرأة في الحديث، لأن نقطة الضعف سكوت المثقف عن الكلام حتى لا يثيرون السلطة، فعلى المثقف إذا تكلم في دائرة محدودة ان لا يمدح ولا يردح.

د. يوسف سلمان: أود أن أضيف في هذا المجال بعض النقاط التي ربما تحمل بعض التساؤل. المجتمع المدني هو طبيعة مدينة حضارية نفتح حوار عقلاني وهادئ بين أطراف متعددة ومختلفة، في المجتمع هناك شرائح اجتماعية مختلفة وطبقات مختلفة وبالتالي الغرض الأساسي من المجتمع المدني ان ندخل في حوار مجدي وهادئ بين الأطراف المكونة للمجتمع والدولة، وعندما يأتي للأسف أي طرف من الأطراف ليصم الآذان عن الدخول في هكذا حوار يكون الغرض منه بصورة رئيسية وأساسية إخراج المجتمع من الأزمة، ونحن نعتقد ان هنالك أزمة في كل قطر عربي، لذلك علينا ان نخرج منها بصورة سليمة ديمقراطية هادئة، بعيدة عن الاقتتال كي لا تصل الأمور إلى أزمة لا مخرج منها، يجب أن نفتح أبوابنا وندخل في حوار عقلاني لصيغة المجتمع المدني لنصل إلى النتائج المرجـوة، وفي هذا الإطار نحـافظ على تطـور المجتمع المدني ودوره في بناء الدولة الحديثة.

فحبذا لو يلخص لنا الأستاذ مقدسي ولو باختصار شديد مواصفات وسمات الدولة الحديثة، وهل نحن في ظل هكذا دولة حديثة، أم أننا ننشد حواراً من أجل الوصول إلى هكذا دولة حديثة، أرجو من الأطراف كافة سواء السلطـة التشريعيـة والتنفيذيـة وشرائح المجتمع سواء أكانوا داخل السلطة أو خارجها أن يعتمدوا حواراً عقلانياً هادئاً لنصل إلى الدولة الحديثة .

نحن لا ندعو إلى الطائفية والعشائرية إطلاقا، نحن نريد من خلال هذا الحوار أن نصل إلى منطق الدولة الحديثة التي  تتجاوز الطائفية والعشائرية والانغلاق الحزبي، هذا غرضنا الرئيسي والمطلوب. 

أ. أنطون مقدسي : إن دولة كما هي في سورية وبقية الأقطار العربية حديثة كانت أو قديمة يوجد فيها تيار هجين بعوامل داخلية أو خارجيـة، لكن المهم أن نكتشف طريقة للحوار.

فما هو الحل، وكيف يتم تحويل المجتمع العربي إلى مجتمع مدني عبر الحوار مع الأقوى الذي لم يشارك في الحوار؟ هناك نموذجان أتاتورك وتحويل الدول العثمانية إلى دولة حديثة، ونموذج محمد علي باشا الذي استطاع أن ينتمي للدول الحديثة.

العربي منذ فجر التاريخ تاجر، والسـوري تاجر أكثر من العربي مثل الفينيقي لكن هذا التاجر ليس برجوازي، المجتمع البرجوازي نشأ في مصر خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ومحمد علي باشا سـهل هجرة كبار الملاكين في الريف إلى المدن، وهؤلاء الملاكين تحولوا تدريجياً إلى برجوازيين.

أما البرجوازية في سورية فقد نشأت بالضبط عام 1943 من قبل المالكين الوسط، وهم عبارة عن حركة شعبية تطور وضعها بعد عام 1943 حيث تم الاتفاق على تقسيم العالم وجاء رئيس جمهورية الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك إلى الإسكندرية وجمع حكام المناطق العربية ومنحهم (كوتا)، فهذا البلد العربي يستطيع أن يشتري من أمريكا سلفاً بمبالغ كائنة قدرها.. وذلك البلد بمبالغ قدرها…. وجميعها مجانيـة والحقيقـة أنه لا يوجد شـيء مجاني، فالحلفاء سـددوا مصاريف الجيش الأمريكي والأسترالي والكندي عنطريق اللعب بالأوراق المالية.

شكري القوتلي عاد إلى سورية وجمع أصدقائه الملاكين وتم إنشاء الشركة الخماسية والمغازل ومن هنا كانت بداية البرجوازية السورية.

و بالرغم من أن الوضع معقد فأنا لا أعتقد أن في البلد أزمة، لأن الحاكم لا يريد أن يكون هناك أزمـة، تريدون زيادة الرواتب فيطبع أوراق نقدية جديدة.

على كل إنسان أن يسأل نفسه يا ترى هل قمت بالحد الأدنى من واجبي للمصلحة العامة، أنا من موقعي كمدرس أو موظف أتساءل كيف يمكن أن يتحول كل ما يطرح من الخاص إلى العام ويجب أن لا نخدع أنفسنا بالكلمات الكبيرة، على المثقفين أن يفكروا بدورهم ويحاولوا قليلاً قليلاً الدخول بالحوار 

حسين الشرع : النظام البلدي هو المجتمع المدني ( البلديات ) كما فهمت، وعلى المثقفين أن يتجاوزوا النظام المدني في البلاد العربية إلا أن هذه النظم أو السلطـة بالأحرى هي التي تقرر النظام البلدي وتقرر الصحافة وتقرر السينما.

المثقفون في البلاد العربيـة نوعان: نوع يتكلم بوجهـة نظره وتصل نسبة هؤلاء ما بين 5 % و6 % وقد فقد هؤلاء وظائفهم وأحياناً حياتهم، والقسم الآخر استهوته السلطة وبذلك أكلوا البيضة وقشرتها 

في عام 1972 كنت عضو مجلس محافظـة وبالإضافـة لذلك فأنا اقتصادي وكنت أعمل في وزارة النفط، وخلال عملي في مجلس المحافظـة وجدت أن هناك ثلاث سـلطات تتصارع فأولاً هناك سلطـة فرع الحزب وهناك سلطة المحافظة وأخيراً سلطة الإدارة المحلية وهناك أيضاً الجبهة الوطنية التقدمية، أنا لو جئت وناقشت الأمور بإطار عملي لرأينا أننا لا نستطيع أن نفصل السلطة عن أي موقع من مواقع المجتمع بدءً من مختار القرية وحتى رئيس الوزراء، وإذا ما أردنا أن نحدث تجمع مدني فهناك صناديق الاقتراع، والأمر يسـتدعي أولاً القيام بالإصلاح الاقتصـادي والسياسـي والثقافي والدستوري وتعديل وإصلاح القوانين، ولا بد أن يكون الدستور يمثل رأي الشعب، يجب أن تُؤخذ مؤسسات الإدارة المحلية من مجلس القرية إلى المدينة إلى المحافظة إلى مجلس المحافظة إلى مجلس الشعب إلى رئاسة الوزارة بواسطة صناديق الاقتراع.

 وأنا لا أتصور أن هناك ديمقراطية و133 عضواً من أعضاء مجلس الشعب يتم تعيينهم.

 حدث في السنوات الأخيرة بعض لمسات التجميل حيث دخل عدد من الصناعيين والتجار وصرفوا الملايين للفوز بمقعدٍ في مجلـس الشعب، وأستغرب أن يصرف عضو في مجلس الشعب (20) مليوناً لكي يتقاضى راتباً من مجلس الشعب لا يتجاوز السبعة آلاف ليرة، فكيف سيحصّل هذا النائب الفرق فيما دفعه لدعايته الانتخابية وراتبه في المجلس؟.

برأيي أن العرب ليسوا تجاراً، وإنما العرب مجرد سـوق وأفواه تأكل ما ينتجـــه الغرب، حتى الخبز نســتورده وعندما كنت مستشاراً في مجلس رئاسة الوزراء كنا نستورد الشعير ثم يتم طحنه وإطعامه للمواطنين، هذا هو مجتمعنا، المجتمع المدني هو مجتمع يعطي الحرية، وإن لم تكن هناك حرية فلا يوجد مجتمع مدني.

عبد الله حنا : هل بالإمكان قيام مجتمع في مشرقنا العربي في ظل الظروف الاجتماعية الراهنة التي أدت إلى تدمير القوى الاجتماعية التي كان  يمكن لها أن تحقق المجتمع المدني، إن هذه القوى دمرت بفعل عوامل كثيرة أدت إلى زوال الطبقة العاملة وتبعثر الفلاحين وانحسار البرجوازية الوطنية المنتجة الصناعية وتحوَل قسم كبير من المجتمع إلى فئات طفيلية، وهبطت فئة أخرى إلى الأسفل مهمشة، في ظل هذه الظروف، هل يمكن إقامة مجتمع مدني؟.

إن الأستاذ مقدسي وكلامه ثمرة من ثمار عصر النهضـة حيث بلغت أوجها وكان من أهم شعاراتها العقلانيـة والعلمانيـة والدعوة لتحرير المرأة والديمقراطية وبناء المجتمع والقضاء على التخلف، وهذه النهضـة العربية والمجتمع المدني جزءٌ من تلك النهضـة، فالمجتمع مرَ بأربع مراحل هي العهد العثماني وعهد الانتداب الفرنسي وعهد الاستقلال ومنذ الستينات بدأ المجتمع المدني يتراجع ليحل محله قوى أخرى كثيرة ترافق معها دمار المجتمع، ففي ظل هذه الظروف هل يمكن التطور للأمام.

في ظل ظروف النهضة العربية في الخمسينات قامت في بلدة ديرعطية التي أنتمي إليها، وكان عدد سكانها لا يتجاوز ستة آلاف نسمة، قام هناك تجمع مدني أسسته رابطة المثقفين عام 1951 بالاتفاق مع رئيس البلدية فأقيمت المدارس وشقت الطرقات وتم تأمين المياه ومن هنا نجد أن المجتمع المدني لم يكن حكراً على المدن بل في القرى أيضاً ويمكن أن يكون المجتمع مدنياً عندما يكون هناك قوى اجتماعية حية.

أ. أنطون مقدسي : البلاد العربيـة في الثلاثينات كانت عبـارة عن شعب يكافح، ولا أريد هنا أن أعرض تاريخ سوريـة ولكن أقول أن اليأس في الإنسان أكبر خطيئة، فأنا عندما كنت مدرساً كنت أدخل قاعة الصف مبتسماً مهما كانت الظروف.

د. سمير التقي: هل التنمية في مرحلتها الراهنة تفتح مجالاً للتنمية على أساس شمولي، وتسمح بإقامة مجتمع مدني، إن الديمقراطية أصبحت ضرورة موضوعية تفرضها المرحلة.

حزامي العلي : أذكر أن معظم الدول العربية تحوي على حي اسمه المدينة، هذا الحي يعني أن هناك حضارة عريقة لهذه المدن، فهل يمكن أن أتصور من خلال الحديث عن المجتمع المدني أن النظام العربي قد كان أحد الأسباب في تعميق العشائرية والقبلية في مدنٍ كانت قبل ذلك مدنية ومتحضرة.

أذكر أيضاً بأن ما قلتموه من مثال حول قيم الفردية واللامبالاة التي منعت سكان بناء من الاتفاق على شطف الدرج والتي هي مثالٌ على تفكك المجتمع المدني، هذا الشعب نفسه هو الذي تحوَل لشعب منظم خيري في حرب تشرين.

صادق جلال العظم: الثورة الإسلامية في إيران الآن تجد نفسها أمام صراع كبير حول مبدأ ولاية الفقيه من جانب ومبدأ الانتخاب الجمهوري من الجانب الآخر، ماذا يعني هذا التطور الذي يحدث، وهل يقول لنا شيئاً، وهل ممكن أن نستخلص شيئاً من تطور هذه الأحداث، لدينا نحن نظام ولاية من نوع آخر.

أ. أنطون مقدسي : سؤال الدكتور والصديق العزيز صادق وجيه كثيراً، من وجهة نظره وجود خاتمي في الحكم سبقته مظاهرات طلابية، والطلاب دفعوا ثمناً بدمهم، فالطلاب دفعوا ثمناً ومازالوا يدفعون، أما عندنا فعندما طلب سعيد حورانية مني أن أقول كلمة باسم النضال وكان سعيد حورانية في التجهيز الأولى ( جودت الهاشمي )، قلت له وكان الطلاب مثل النمور ودفعوا ثمناً لذلك، فعندما يضرب سجين في دمشق كانت سوريـة كلها تُضرب، أما الآن فقد حدث تحول اجتماعي يجب أن نتغلب عليه.

د. ريمون معلولا : القوى والسلطات الحاكمة في المدينة العربية ومنها دمشق، هي قوى انقلابية عرفية دينية عشائرية ثقافية، هل لي أن أقترح قوىً أخرى مثلاً قوى فلاحية، فالمدينة العربية شهدت ما سمي بعملية ترييف المدينة نتيجة الهجرة الريفية الكثيفة إلى المدينة العربية خلال فترات زمنية قصيرة جداً وموجات متلاحقة من الفلاحين لم تستطع أن تندمج في المجتمع المدني، تشكل الآن سمة من سمات المدينـة العربيـة حيث نقل هؤلاء قيمهم وثقافتهم وتقاليدهم وعاداتهم، نراهم هنا، ونحن في الحقيقة منهم، ألا يمكن أن نقول أن هذه العقلية الفلاحية يمكن أن تكون أيضاً سلطة من السلطات الموجودة، على الأقل من الناحية الأدبية، أيضاً سلطة أخرى أقترحها إن وافقتم التجارية، السلطة التجارية والتاجر العربي هو تاجر تابع ينتمي إلى شريحة عالمية من التطور، إنه تاجر أبوي والفلاح هنا أيضاً  أبوي، أقترح القول أن العلاقات الأبوية التجارية والفلاحية هي السائدة والمسيطرة، ومن هنا ينشأ شكل الحكم ونموذجه الذي نشاهده.

في سؤال آخر، إذا كنا نقول في السابق نريد قطع طريق التطور الرأسمالي ونبني مجتمعاً جديداً.

أممنا وعملنا إصلاح زراعي، وبالنتيجة أقمنا حكومات شمولية بلون واحد أفرغتها الشعارات من محتواها. ووصلنا في الحقيقة إلى طرقٍ مسدودة. المجتمع المدني انبثق في المدينة الأوربية، آليته وليدة الثورة الصناعية الأولى، ومع ذلك موجود كي يتطور، هل نحن بحاجة إلى فترة تطور طبيعي حتى يتم طبيعياً، أي نعود إلى قوانين التطور الطبيعي، أي نسلك طريق التطور الرأسمالي كي نصل إلى المجتمع المدني أم أننا، وهذا طبعاً إشكالية، نحن لا نستطيع أن نسلك هذا الطريق لأن المرحلة التاريخية اختلفت،وبالتالي هل البرجوازية والرأسمالية التابعة والتي نحن منها قادرة على إنشاء مجتمع مدني.

أ. أنطون مقدسي  : المجتمع المدني نسبة إلى المدينة، هل كل إنسان في المدينة مدني، هجرة الفلاحين أوصلت الوضع العربي إلى حالة معقدة، وأصبح المجتمع بحاجة إلى إعادة دمج الفرد في المجتمع، هذه مراحل على طريق المجتمع المدني، هل الرأسماليـة قادرة على إقامـة مجتمع مدني؟ أذكر في حديث مع الشيوعيين وكانوا يقودون حركة ضد الرأسمالية، ما هي الرأسمالية؟ إنهم يفسروها كيف يستثمرون الأموال، لكن من الصعب القول أن نختار الطريق الرأسمالي أو لا نختاره، مرةً أخرى أقول إذا استطعنا أن نشق طريقاً للحوار، أي نفتح ثغرة صغيرة في الحكم المغلق على حاله فهذا شيء جيد كثيراً، وهذا بحاجة لمن يدفع الثمن، الطلاب في إيران حتى الآن يدفعون الثمن.

د. عمر أبو زلام : ماذا يجب أن نفعل كي يكون المجتمع حضارياً، فأنا أخالف الأساتذة الكرام في هذه التسمية، فالمجتمع الحضاري هو الذي طبَق في تاريخنا ولا يجوز أن نستنسخ معاصره من الفكر الرأسمالي الغربي. في الأوقاف المسيحية والأوقاف المحمدية كانت تُمارس كل وجائب المجتمع المدني الحضاري، بينما الخليفة أو الحاكم كانت مهمته الدفاع عن الدول أو النظام ونشر الدعوة، وما تبقى هو من مسؤولية هذا الشعب الذي يتنادى كي يكوّن جمعيات ومنظمات خيرية للنهوض بالمجتمع، الكل يعرف لو عدنا إلى التاريخ أن المجتمع لم يكن يوجد فيه فقير، وإنما يوجد فيه منتج ويوجد فيه رعاية للمسنين والشيوخ في الأوقاف الإسلامية.

من كل الذين استمعت منهم أو قرأت لهم لم أجد توصيفاً دقيقاً للمجتمع الذي يسمونه مجتمع مدني، حتى الآن لم أجد نظاماً مقترحاً كي نتبناه أو نتخاطب فيه أو ننفذه تطبيقياً، لهذا نعتبر هذا الاجتماع بمثابـة محاولة كي نتنادى نحن كمتخصصين في مختلف العلوم في أحيائنا ونبادر للتطوير،  لضر على الصعيد النسبي والمعرفي، والصعيد  النفسي نعني الإنسان الشجاع الذي يعرف ويمارس ما يعرف، قد نكون نعرف شيء ولكن أغلبنا لا يمارس هذا الشيء، فمن الضروري أن نأخذ الإنسان بعين الاعتبار، عارف دليله تحدث عن المتشبثين بالسلطة ولم يتحدث عن الناس الذين أُخذت حقوقهم.

د. حسين حمادة : لي بعض الملاحظات على ما سمعت، أريد القول أن المجتمع المدني يحتاج إلى المدنيين حتى يتم.

أتمنى أن لا أكون ذلك الطير الذي يغرد خارج السرب، أستذكر وبمرارة شخصية أحبها وأحترمها، الباحث الدكتور سعد الدين إبراهيم، رئيس مركز دراسات ابن خلدون الإنمائية.

بدأنا من موضوع الحديث عن العنف تجاه المرأة، وانتقلنا إلى موضوع حق المرأة في التطور، وإلى اعتبار مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية في مصر، وأن الأقباط هم مجرد أقلية في المجتمع المصري، وهذا نموذج من نماذج الجمعيات الأهليـة غير الرسميـة التي لا أصادر ولا أقول أن الخيار يمكن أن ينسـحب عليها، ولكنها قضية مثارة وبقوة، فالولايات المتحدة الأمريكية قامت من خلال وزارة الخارجية الأمريكية بالدعوة والإصرار على الرئيس حسني مبارك لإطلاق سراح سعد الدين إبراهيم كما جرى، أرجو أن لا أكون بهذه الاستطالة قد شاغبت على من سبقوني.

نعلم أن النظام الشمولي كان قائماً في الاتحاد السوفييتي يمنع منعاً باتاً قيام مثل هذه الجمعيات الخاصة أو الجمعيات الأهلية، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتي نرى أن فيه (65) ألف جمعية أهلية، وأتسـاءل الآن هل المجتمع الآن في الاتحاد السوفيتي من خلال التأمين الصحي والاجتماعي والتأمين العلمي وسوى ذلك من الأمور التي كان يحتاج إليها المواطن أفضل مما كان في زمن الاشتراكيـة، أنا لا أقول أن المجتمع الاشـتراكي مجتمع منزّل من السـماء، له ما له وعليه ما عليه ولكن أقول ماذا تصدّر الدول الاشتراكية إلى دول الخليج وإلى الدول الأوربية بالنسبة للفتيات وللكثير من الأمور التي لا أريد أن أذكرها. 

المجتمع المدني ليست قضية شطف درج في بناء، فهذا تبسيطٌ للأمور، فالقضية أكبر بكثير من خلال ما نراه في المجتمعات المدنية القائمة الآن في كثيرٍ من الدول، نحن الآن في موضوع الفكر القومي العربي نتعامل مع صالح مجموع الأمة بكل تناقضاتها وخلافاتها ماذا يُراد لنا بالنسبة لموضوع الوحدة العربية والبلاد العربيـة، ولنبدأ بالوحدة السورية ولا يمنع أن نُصبح في يوم من الأيام ونسمع عن الأقلية العربية في هذا المجتمع العربي الذي نعيش فيه، دعونا لا نبسط الأمور، إن هذه المجتمعاتالمدنية ستنقلنا من موضوع حماية المستهلك إلى الحديث في أمور تتعلق بمصائر الأوطان وبمسار كافة شرائح المجتمع.

سؤال ولا أقول ببراءة، هل المجتمع المدني يعني إضعاف للدولة، المجتمع المدني يعني توازن بين قوة الدولـة والمجتمع، ولكن وكأنني أسـمع وكأن الدولـة في جانب والمجتمع في جانب آخر، الدولـة والمجتمع صفان مترادفان متعاونان متآزران لما يمكن أن يقوم في المستقبل، وعملية التفريط بهذه الصورة فيها مجازفة خطيرة إلى أبعد الحدود.

هل المجتمع المدني يعني الانتقال من رأسمالية الدولة إلى رأسمالية المؤسسات والجمعيات والأفراد،

ثم، ما مصدر التشريع والقوننة والتجديد للمجتمع القادم، هل هو التحليل العقلاني بكل توجهاته. ما أريد أن أقوله أن هذه الديمقراطية الواقعية تحتاج إلى اقتصاد قوي وليس أغنياء أقوياء يفيضون بالديمقراطية، بؤس الفقراء والمعوزين،  وأستذكر مثالاً هو الولايات المتحدة الأمريكية وجارها المكسيك، في الولايات المتحدة الأمريكية يوجد 2 مليون جمعية أهلية ماذا عملت هذه الجمعيات بالنسبة إلى المكسيك وفقر المكسيك.

مصطفى الأحمد : بولونية تزوجت من شاب سوري، وبعد فترة طلبت الطلاق منه، فقال لها لماذا؟ قالت له نحن يوجد لدينا نظام شمولي ولكن لدينا ما نأكله، أما أنتم فليس لديكم ما تأكلوه، وفضلاً عن ذلك فالحذاء في أفواهكم.

المجتمع المدني في إطار تطور الدولة والمجتمع*

د. أحمد برقاوي**

يجد المرء نفسه أمام مسؤولية مركبة عندما يتحدث أمام نخبةٍ مسئولة وعلى سوية عالية من الثقافة، وهذا يعني أن الخطاب يجب أن يرتقي إلى مستواكم، سنحاول جاهدين أن نقدم أطاريحنا حول مسألة في غاية الصعوبة في الوطن العربي. أولاً: ما هي العلاقة بين الدولة والمجتمع؟ وعندي أولاً أن الدولة هي سلطة تنظيم وإكراه لأنها تنطوي على مفهوم السلطان والسلطان يفرض التبعية له ويفرض مبدأ الطاعة، هذه العلاقة بين الدولة والشخص علاقة شبه ضرورية إن لم نقل ضرورية، فمن العبث تصور مجتمع بلا دولة، بلا سلطة، على الرغم من هناك نفراً من الذين يعتقدون أن الدولة سلطة، ويمكن أن يكون المجتمع البشري في غنىً عنها، لكننا لا نوافق هذا الرأي.

السلطة ثمرة تناقضات، مختلف أشكال التناقضات، وبالتالي فإن علاقة من الاختلافات تقوم بين الدولة والمجتمع. وهناك درجة من الاختلاف تصل أحياناً إلى التناقض المطلق، وما أن يصل البشر إلى وعي التناقض هذا بينهم وبين الدولة حتى تغدو السلطة متناقضة على مستوى تطورهم وتغدو غير معبرة عن خياراتهم الحرة، عندها يصل التناقض إلى حد التضاد.

أنطلق من الفرضية التالية: أن الدولة في الوطن العربي تقع في تضاد مع المجتمع، أو أن تطور المجتمع العربي في مجمل بناه الاقتصادية والثقافية والاجتماعية صار أكثر تقدماً من بنية الدولة نفسها، وبالتالي صارت الدولة قميصاً أضيق بكثير من المجتمع. يضاف إلى ذلك أن هناك واقعة مستمرة حتى أوائل القرن العشرين ألا وهي أن أمة واحدة غدت مجموعة من (الدول) و (السلطات)، وأنا أقول دول بين قوسين، فأنا أميز بين الدولة من جهة وبين السلطة من جهة أخرى، إن شئتم فإن الوطن العربي لم ينتصر فيه مفهوم الدولة، فكل دولة تفرض سلطة، ولكن ليس بالضرورة كل سلطة هي دولة.

إن الطبيعة الأساسية للسلطة في الوطن العربي هي التي تشكل “دولة”، دول مختلفة في عدد السكان، مختلفة في المساحات، مختلفة في مستوى الدخل، مختلفة في التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ودولة تحترم في بعض حقوقها المرأة، في حين بعض الدول لا حق للمرأة فيها، ناهيك عن أن الوطن العربي يحتوي على كل أنظمة الحكم التاريخية من نظام الحكم الاستبدادي-السعودية، إلى نظام حكم جمهوري استبدادي نموذجه العراق، مروراً بنظام ملكي دستوري نموذجه المغرب، أو جمهوري ديمقراطي نموذجه لبنان. وهناك دول ما زالت في أقصى درجات التبعية ودول تحاول جاهدة بمعزل عن نظامها السياسي أن تفك تبعيتها للغرب، وهناك دول ما زالت فيها القبلية هي البيئة الأساسية للمجتمع، ودول تجاوزت الانتماء القبلي كمصر مثلاً، ودول ما زالت تعامل الأفراد والعرب كأفراد دول أجنبية، ودول تفتح حدودها دون تأشيرة دخول لهم على الأقل لأراضيها.

السلطة العربية بالأساس ثمرة بنى متخلفة وإذا كانت السلطة ثمرة بنى متخلفة فمن الضروري أن تكون الدولة على شاكلتها، هذا في الأساس، فإذا أخذنا السعودية والأردن والمغرب فهي أقطار استمرت فيها السلطات العائلية مع الاختلافات بين هذه الدول التييعود بعضها إلى القرن الثامن عشر ويعود بعضها إلى الربع الأول من القرن العشرين، ومن المنطقي والتاريخي أن السلطة التي أنتجها القرن التاسع عشر والعشرين لم تعد متطابقة مع المجتمع، فالبنى التقليدية والعشائرية والإقطاعية وضعف الفئات المدنية التي أنتجت السلطة المطابقة لها أصابها الترهل، إلا أن السلطة حافظت على بنيتها، وهذا هو جوهر التناقض بين مجتمع تطور بفعل التطور التاريخي، أما البنى التي أنتجت السلطة فما زالت قديمة، والسلطة المُنتجة من هذه البنى القديمة ما زالت مستمرة أنفاً عن هذا المجتمع. لنأخذ نموذج السعودية مثلاً التي أخذت المنطقة بسكانها لقب العائلة المنتصرة وانتقلت من مجتمع بدوي ورعوي وقروي وزراعي وبيئة متخلفة ووعي محلي ضيق إلى دولة نفطية ريعية يتراكم فيها رأس المال لدى العائلة الحاكمة ولدى فئة من رجال الأعمال الجدد ويفيض رأس المال فيها على مجموع عدد السكان، لقد تم بناء المدارس والجامعات وتوحدت القرى والمدن عبر شبكات الاتصال وعبر شبكات الطرق وظهرت فيها مؤسسات المجتمع المالي، الشركة، السوق، العلاقات الاقتصادية مع الدول الرأسمالية، فتغيرت بنية المجتمع الطبقي وظهرت فئات وسطى وظهر التجار وظهر المثقفون والمبدعون.

كل هذا ولَد التعرف على منتجات العالم ورغم ذلك فهذا البلد يحتفظ بنمط السلطة وجوهرها، ملكية، اوتوقراطية، فنظامها السياسي الذي نشأ قبل مئة عام ما زال، والسلطة بهذا تقع في تناقض مع التطور الموضوعي والضروري، فالمقولة النظرية تقول أنه يجب أن تتغير السلطة بما يتوافق مع تطور المجتمع.

ولكن لماذا استمر الأمر على ما هو عليه، لماذا بقيت السلطة ملكية اوتوقراطية وما زالت العائلة المتصرف الأوحد بمقدرات البلد، إن هذا التناقض لم يرفع حتى الآن بسبب استمرارية آلية السلطة ضد التاريخ الواقعي ولأسباب كثيرة سأشرحها فيما بعد، فالسلطة المتناقضة مع تغير البنى الاجتماعية لا يمكنها أن تستمر إلا بآلات قهر واستبداد حتى حدود القهر والاستبداد القصوى. فكلما ازدادت حركة المجتمع نحو الأعلى، أي نحو التقدم ازداد تعسف الدولة ذات البنية المتخلفة بسبب خشيتها من الجديد، وهذا الأمر يتطلب تقوية لجهاز الدولة القمعي بكل أشكاله، الحرس الملكي، الأمن العام، سلطة رجال الدين، قوانين الحد من الحريات، استمرار الايدولوجيا المذهبية الدينية أي الوهابية كايدولوجيا سلطة ووحيدة، يُضاف إلى ذلك بقاء العلاقات القبلية القديمة عن طريق شراء الزعامات التقليدية، أي أن هذه الدولة كي تستمر يجب في شكل من أشكال أن تعيد إنتاج العلاقات القديمة، وأن تحافظ على البنى القديمة التي أنتجتها لكي تجد شروطاً لاستمرارها. وهناك دول، وهذه مفارقة تاريخية، تحولت فيها العائلة-السلطة إلى طبقة، فيما الحركة الطبيعية للتاريخ تشير إلى أن  الطبقة تتحول إلى سلطة. ففي كل تاريخ البشر، الطبقات هي التي تتحول إلى سلطة، لكن هنا العائلة تحولت إلى طبقة، فالنفط نقل الشيوخ من مجرد زعماء تقليديين بحكم السلطة الناتجة عن السن والعلاقات الخارجية إلى طبقة تتحكم بالسوق، إنها الآن المالكة لرأس المال فحوّلت أقطارها إلى مجرد أسواق وتقوم هي بوظيفة شهبندر التجار، فالبنوك والوكالات وعمليات الوساطة بين السوق المحلية والسوق العالمية كلَُ ذلك ممتلكٌ أساساً من العائلة التي تحولت إلى طبقة، والعائلة الطبقة لكي تستمر سلطة سياسية وسلطة اقتصادية لابد لها من إبقاء القطر في بنيته السياسية من جهة وإبقاء القطر منفرد أيضاً عن بقية المجتمعات العربية، وبالتالي تعتبر كل انفتاح هو إقلال من السيادة المحلية. وهكذا نشأت وتطورت السلطة من حيث هي ملكية شخصية شأنها شأن أي سلطة كانت فلم تعد السلطة سلطة مجتمع بل سلطة ضيقة ووسيلة خاصة لفئة محددة من الناس. ولكننا هنا نتحدث عن واقع فيه نوع من المفارقة وهذه الحالة (التناقض) بين بنية السلطة المتخلفة وتطور المجتمع ما كان يمكن أن تستمر إلا كما قلنا بسبب آليات القمع من جهة ومن جهة ثانية بسبب الثروة، ومن جهة ثالثة، بسبب أن هذه الثروة لم تخلق بعد تلك القوى الاجتماعية السياسية التي تحول دون نشأتها عوامل الكبح والضغط.

في الغرب مثلاً، الوضع مختلف على الرغم أن هناك أيضاً دولة ملكية، فالسلطة التقليدية نشأت في المغرب فواجهت معارضة شديدة قابلتها السلطة بأعنف درجات القمع كاختطاف المهدي بن بركة مثلاً، غير أن تطور المجتمع السياسي وتطور المجتمع المدني حال دون وجود فراغ يحكم الملك من خلاله دون أن يأخذ بعين الاعتبار الاتجاهات السياسية والقوى الشعبية والطبقات الاجتماعية. ورأت السلطة الحاكمة أنها ستبقى مقطوعة الجذور عن القوى السياسية الفاعلة إن هي سارت في طريق القمع الأقصى. نموذج المغرب وهو نموذج ممتاز للدراسة، يشير إلى أن مستوى تطور المجتمع المغربي انعكس بقوة على مستوى أداء السلطة السياسية فإذا كانت السلطة الملكية قادرة لفترة زمنية أن تتجاهل حركة التطور هذه، لكنها لا تستطيع إطلاقاً أن تتجاهل إلى الأبد هذه القضية، لأنها لا تستطيع أن تملأ الفراغ في السعودية أو الخليج، هذه الدول تستطيع أن تملأ الفراغ بأشكال متعددة من الشراء والبذخ وتحسين حالة المعيشة، أما في المغرب، فهذا من الصعب أن يحدث. وبهذا فشل الملك في تهميش القوى السياسية كما فشلت عمليات القمع، وأنا عندما أتحدث عن عمليات القمع التي مارسها المغرب، أتحدث عما لا يمكن تصوره، لم تستطع هذه الدولة-السلطة أن تتغير، فنشأ نوعٌ من التطابق بين المجتمع وتطوره. هذه مسألة كبيرة ومهمة في عالمنا العربي، الفرق هنا بين درجات التطور، نحن هنا لا نستطيع أن نناقش المسألة في الوطن العربي على سوية واحدة، فالمجتمعات التي شهدت تطوراً تاريخياً في منتصف القرن التاسع عشر والتي شهدت (النهضة) جرت في طريق مختلف عن الطريق التي سارت عليه تلك الدول التقليدية القبلية في دول الخليج العربي خاصة في السعودية.

فبلاد الشام والعراق ومصر والمغرب ذات تاريخ مختلف كلية عن تاريخ تلك الدول، وبالتالي إذا كان الطلاق ما بين المجتمع والدولة ما زال راهناً، وإذا كان الوطن العربي عموماً وبدرجاتٍ مختلفة ينطوي على هذا التناقض بين صيرورته الاجتماعية التاريخية وبين بنية الدولة فإننا نشهد أنه كلما ازدادت هذه الحركة الاجتماعية الطبقية والثقافية والسياسية والقيمية، ازداد الاستبداد السياسي أو بالعكس ضعف الاستبداد السياسي. يزداد الاستبداد السياسي عندما يكون المجتمع راكداً، والمجتمع الراكد هو المجتمع الذي لا ينطوي على أي قوى اجتماعية طبقية حية قادرة على طرح مشروعها السياسي، هذا هو المجتمع الراكد، رغم ما يظهر في صورته العامة أنه مجتمع رفاه وثروة وانترنت وما شابه ذلك، يمكن أن يظل هذا المجتمع راكداً، وفي المجتمعات التي تنطوي على قوى فاعلة فإن عملية تصالح بين بنية الدولة مع المجتمع تكون أكثر. من هنا نفهم لماذا كانت الدولة في لحظة ظهورها كانعكاس للقوى التقليدية أقل استبداداً من الدولة في مراحلها اللاحقة، لماذا؟ لأنها متطابقة مع البنى، لأنه عندما تنشأ دولة قبلية في مجتمع قبلي لن يكون هناك تناقض بين المجتمع والدولة وبالتالي لا حاجة لاستعمال القمع الأقصى وهكذا تبدو بالنسبة للإنسان العربي في نهاية القرن الواحد والعشرين، أن السلطة القديمة أرقى بكثير من السلطة الجديدة، وهي ليست أرقى بالمعنى التاريخي، وبعضهم يترحم على الحكم الملكي، وبعضهم يترحم على الحكم القبلي ببساطة كان هناك نوع من التطابق بين النسبتين، عندما جرى نوعٌ من الخرق لهذا التطابق كان لابد أن تظهر السلطة الاستبدادية، هذا يعني أن السلطة المعاندة للتاريخ في الوطن العربي لا تستطيع أن تُلغي التاريخ الواقعي. لماذا لأن هناك حركة موضوعية أقوى من السلطة، لكن بما أن هذه السلطة تكبح شيئاً فشيئاً الإدارة الفاعلة للبشر عن قمع أي محاولة تغيير سياسي أو مدني فإنها تبدو متحكمة في الظاهر في العملية التاريخية إلا أنها غير متحكمة بها بشكل فعلي، لذلك لا تخلق حالات سياسية، لأن الفاعلية السياسية تتحرك ضد مجهول لكن رد الفعل يتحرك وفق آلية تدمير، من هنا نفهم أن الحركات الأصولية هي من قبيل هذه الحركات ذات رد الفعل غير الواعي التي تنطوي على نزعة التدمير لأنه في ظل الفراغ السياسي لا يبقى إلا النزعة النكوصية. وهذا يخلق لدى السلطة نوعاً من الخوف الواقعي وغير الواقعي من أجل تبرير استمرار السلطة السياسية خاصة في الوطن العربي، وغالباً ما نتحدث عن خطر يهدد الدولة القطرية وبخاصة الخطر الخارجي. أي أنها تهيب بالمجتمع أن يتوحد في إطار الخطر على تفتيت الدولة القطرية، لكن التفتيت هو سوسة قائمة في قلب الدولة، وليس خارجها، وإذا كان هناك من عامل خارجي فلن يكون أكثر من عامل مساعد. ولهذا فهي لا تكتفي بأعلى درجات القمع ولا باستخدام الوسائل الاقتصادية والسياسية والإعلامية فحسب، بل تعوّل على جهاز أيديولوجي رسمي لتأكيد ذاتها ثقافياً وهذه أيضاً مشكلة ذات خطورة شديدة على بنية المجتمع. الآن إذا ميزّنا ضمن المجتمعات بين مجتمعات نشأت تاريخياً من بنى تقليدية متخلفة وأنتجت دولتها المشابهة لها كدول الخليج، ومجتمعات سارت في طريق التقدم التاريخي ثم انقطع هذا التقدم، وهذا ينتج شكلين من الوعي، وعي تناقض الدولة مع المجتمع في الحالة الأولى، قد لا يكون هذا الوعي بالتناقض إلا من زاوية وعي السلطة في العالم أي من روح العالم المسيطرة والتي تفرض بأن العالم أي الدولة والمجتمع، فيكون الوعي هو وعي نخب سياسية وثقافية. هذا الوعي يعبّر عن نفسه بأشكال متعددة. في الحالة الثانية وعي النخب يتطابق ووعي البشر فلا تعيش النخبة حالة منفردة عن واقعها وإنما تعبر عن إجماع تاريخي لتطور هذه البلدان كبلاد الشام والعراق ومصر، ومن هنا تطرح فكرة بنية الدولة، ما الذي نريدها من الدولة؟ وما هي صورة الدولة التي نريدها؟ نطرح القضية على مستوى الوطن العربي على نحو شامل! لكن لنطرح الصورة التالية في تلك البلاد التي قطعت شوطاً طويلاً في طريق التقدم، أقصد إقامة الدولة الوطنية الديمقراطية، الحكمة من ذلك إيجاد سلطة متطابقة مع المجتمع.

السلطة التي تعبّر عن تطور سلطة المجتمع ستكون مختلفة عن تلك السلطة التي تتناقض مع تطوره، من هنا فالدولة الوطنية الديمقراطية هي التي نطرحها. أي دولة المواطنة، نقصد بالمواطنة انتصار الخيارات الحرة للأفراد داخل الوطن. وبالمواطنة تتحقق مصالح المواطنين، والقصد بالديمقراطية طريق اختيار المواطنين للنظام السياسي، دولة كهذه من شأنها أن تقطع العلاقة بين السلطة وملكية السلطة وتقضي على دولة الرعية. في دولة المواطنة حيث الحرية حق فاعلية الأفراد، ينتصر مفهوم التربية السياسة، وفي دولة الرعية يسود مفهوم الترويض، في دولة المواطنة تنتصر الوطنية مقابل دولة الرعية. والمواطن في دولة المواطنة لن يخسر شيئاً إطلاقاً إذا فقد دولته القطرية في دولة أعم من دولته القطرية، ففي دولةٍ أعم تتحقق مصالح مادية ومعنوية مرتبطة بالكرامة الشخصية أكثر بكثير من دولة أخرى قطرية.

هل هناك إمكانية لتحقيق دولة وطنية ديمقراطية كمشروع في الوطن العربي أو في أغلب أرجاء الوطن العربي، إن بنية المجتمع الآن متطورة وأنا أميل إلى أن الوطن العربي مختلف كلية الآن عن الماضي. التمايز الطبقي أكثر من قبل، ومتبلور أكثر، القوى المناهضة للواقع المعيشي أكثر اتساعاً وأكثر وعياً من مرحلة الخمسينات والستينات.

الآن البشر أكثر وعياً من الماضي، على الأقل هم يعرفون بالضبط الآليات التي تجري في الوطن العربي، وأكثر إطلاعاً وأكثر فهماً. وأعداد الفقراء في تزايد ملحوظ وبخاصة في المدينة العربية، فالقوى الهامشية تنطوي على إمكانية الثورة والهامشيون بفعل غياب الحركة السياسية، بالمناسبة الحركة السياسية يمكن أن توحد أهدافها الطبقية بوعي سياسي، هذه القوى الهامشية عرضة لشتى أنواع التشكل وقابليتها للعمل السياسي ضعيفة حتى الآن لاسيما العمل السياسي التحرري، واندراج أجزاء منها بأشكال الاحتجاج الديني دليل على قابليتها للفاعلية، وأكثر هذه القوى الآن مندرجة في إطار الاحتجاج الديني وهو أقوى أشكال الاحتجاج وهذا مفهوم.

ولن ندعي كما يدعي البعض أن الفئات الوسطى قد فقدت فاعليتها، ومن الخطأ أن نعتقد، كما كنت أعتقد أنا مخطئاً، أن فشل المشاريع الكبرى هو فشلٌ للفئات الوسطى، لأن المجتمع يعيد إنتاج الفئات الوسطى دائماً والفئات الوسطى هي قلب المجتمع الحي، وحتى الآن في الوطن العربي نجد أن الفئات الوسطى هي حاملة المشروع السياسي والثقافي والتحرري، فبعد انتهاء عزلة القرية عن المدينة، وانخراط الكثير منهم في الجامعات ومؤسسات الدولة، أصبحت قوة شبيهة بالقوى التي نشأت في المدينة وهذه الفئات يمكنها أن تتحول إلى قوة طبقية حاملة لمشروع وطني. فكل المشاريع السابقة هي مشاريع الفئات العربية الوسطى، المثقفون بتوسع هائل وقوة حيوية في المجتمع. ناهيك عن أن البرجوازية الصناعية في الوطن العربي والتي تنمو ببطء ذات مصلحة حقيقية في توسيع سوقه، وبهذا المستوى الطبقي الممكن القائم للفئات السائدة في الوطن العربي يمكن القول على المستوى النظري أنها قادرة على إنجاز مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية. وهناك تمايزات في فاعلية تلك الفئات، إن تمويل الوعي الممكن الصامت لا ينفصل عن الممارسة السياسية. البعض يقول لكي نجعل هذه الطبقات تصل إلى شكل من أشكال وعي الشخصية السياسية لابد من دولة ديمقراطية، الدولة الديمقراطية تنتج عن ذلك، لكن هناك ظاهرة الاحتجاج الصامت أو الثورة بكل أنحاء الوطن العربي عبر آليات الرفض الشعبي وعبر الوعي الممكن والقائم يتنامى الوعي بضرورة التجانس، إذا نظرنا عملياً لذلك فإنني أطرح ما يلي: إن أي تغيير في إطار مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية لا يمكن أن يأتي من حركات عنفية أصولية أو غير أصولية بل على العكس. لا أمل بانقلابات عسكرية وإعادة إنتاجها فهذه التجربة تعود إلى الماضي. وبالتالي لا تعول على أي شكل من أشكال الانقلابات العسكرية بالوطن العربي. ولا أعتقد أن هناك إمكانية لثورات كبرى جاهزة كالثورة الفرنسية أو الثورة البلشفية. فعصر الأيديولوجيات الكبرى انتهى. وقد يقول البعض وماذا عن النموذج الإيراني وهو نموذج خاص وأنا لا أحبذه على النحو الذي هو عليه من حيث الحركة التاريخية مع أنه من حيث الضرورات الوطنية والعملية شيء مهم.

العصر الراهن ليس عصر العمل السري، فوسائل الاتصال والإعلام وقدرة الدولة على شمّ كل شيء أصبح كبيراً كما أن حجم المشكلات أكبر من حجم الحركات السرية.

إن أي تعويل على عنصر خارجي لإحداث تغيير في بنية السلطة هو نوع من الخيانة الوطنية، لذلك فإني أرى أن المعارضة العراقية التي تجتمع في أمريكا هي معارضة خائنة، على الرغم من رفضها للنظام السياسي الدكتاتوري القائم الآن في العراق.

هنا يطرح المجتمع المدني، فهل هو وسيلة سلمية لتحقيق نوع من التصالح بين بنية المجتمع من جهة وبنية الدولة؟

قيل في المحاضرة الماضية الكثير عن المجتمع المدني، وإذا عرّفناه من زاوية رؤيتنا للمجتمع المدني على أنه مؤسسة اجتماعية وطنية حرة ذات شكل وآليات عمل منظم ينخرط فيها الأفراد استناداً إلى أشكال الانتماء الطبقي أو الفكري أو المهني أو الأيديولوجي، هذا المجتمع المدني هو مجتمع فاعلية إن صح التعبير، وطرح المجتمع المدني الآن في الوطن العربي بمضمونه هو تعبير عن احتجاج على بنية الدولة. وأكثر من ندوة عُقدت منذ سنوات حول المجتمع المدني. المجتمع هذا هو الأثير لدينا ولدى أغلب الماركسيين في الوطن العربي، فإذا كان هذا المجتمع وسيلة إيجاد التصالح بين المجتمع والدولة وطريقة لتنظيم التناقض بينهما فإنه لا يقوم على نفي متبادل، أي لا الدولة تنفي هذا المجتمع المدني ولا المجتمع المدني عملياً قادر على نفي الدولة. فالعلاقة هنا علاقة اعتراف بوظيفة كل طرف، ويعتقد البعض أن المجتمع المدني شيءٌ والمجتمع السياسي الفاعل شيءٌ آخر. لا وجود لمجتمع طوعي حر قادر على إنجاز سلطة متطابقة معه، وبهذا المجتمع كظاهرة متطورة في المجتمع البرجوازي هو موضوع هيمنة من المجتمع السياسي (الدولة- الحزب السياسي) أشكال الممارسات كما عرفها المجتمع المدني موضوع هيمنة سياسية، إذا هيمنا على المجتمع المدني سياسياً نستطيع أن نهيمن على سلطة الدولة. السياسة هي التي تلعب الدور الأساسي.

على المستوى الواقعي، المجتمع المدني بأشكاله ابتُلع من قبل الدولة في الوطن العربي وبالتالي صار جزءاً من آليتها، نحن لا نقول أن المجتمع المدني خارج الهيمنة السياسية ولكن مع الهيمنة السياسية يظلُّ المجتمع المدني معبراً عن أولئك الذين ينخرطون فيه، بمعنى أن الحزب الشيوعي الفرنسي يمكن أن يسيطر على النقابات الفرنسية وتصبح قوى سياسية في يد الحزب الشيوعي الفرنسي لكن تظل معبرة عن الطبقة العاملة الفرنسية في إطار الدولة الديمقراطية. لهذا فان المجتمع المدني ليس بديلاً عن المجتمع السياسي إطلاقاً، إذا انتصرت الدولة الوطنية الديمقراطية يزدهر المجتمع المدني وتزدهر أشكال الهيمنة عليه من القوى السياسية، لكن الهيمنة عليه لا تلغي وظيفته ويجب أن لا تلغي وظيفته.

هل يثير المجتمع المدني إشكالات في الوطن العربي؟ نعم، لأنه لا يُطرح في إطار النظرة السياسية الأيديولوجية، لم نقل الدولة الوطنية الديمقراطية، بالنسبة لمجتمعاتنا هذه ذات أهمية كبيرة جداً.بعض دول الوطن العربي أعطت هامشاً للمجتمع المدني والسياسي ليتطوروا، مثلاً الأردن أساساً دولة وظيفية في خدمة إسرائيل والسلطة في الأردن على هذا النحو لم تتغير وظيفتها، هذه السلطة سمحت بالمجتمع المدني وبأشكال ديمقراطية، لكنها هي دولة غير وطنية وديمقراطية فوقعت الشبهة بالمجتمع المدني فكأن الشبهة لا تجمع الوطنية والديمقراطية فكلما كان المجتمع ديمقراطياً كان وطنياً لا، الخيار هو الوطني الديمقراطي، ليس هناك تناقض بين الوطني والديمقراطي.   

التعقيبات والمداخلات

*عادل المعلم: عشت في القاهرة وعدت منها منذ أشهر، وعشت هناك العلاقة بين الدولة والمجتمع وكانت علاقة تنافر مطلق على كافة المستويات السياسية والاقتصادية، إلا أن هناك حيوية في المجتمع المصري، ولكن الخصخصة هناك زادت من أعداد الفقراء وزادت من أعداد المختلسين، فأموال الخصخصة أُعيد اختلاسها، الحركة السياسية في مصر وعلى الرغم من وجود أحزاب فإنها ضعيفة، فهناك عزوف عن الخطاب السياسي وهناك إيمان بالتمايز وهناك تناقض بالرغم من معارضة المجتمع للتطبيع. ما مدى علاقة السلطة وتفاعلها مع حركة المجتمع المدني؟.

*جاد الكريم الجباعي: أخشى أن يُظلم المجتمع المدني بوصفه محاولة لتدمير الدولة، أنا اعتقد أن هذا الكلام غير صحيح، ليس هناك تناقض بين المجتمع المدني والدولة، ولكن هناك تماثل بين المجتمع المدني والدولة مهما كان المجتمع متخلفاً أو متأخراًلأن الجماعة المتأخرة عندما تنشئ وجودها السياسي إنما تقوم بإنتاج أفضل ما لديها وأرقى ما لديها بدليل أن الجماعات البدائية أنتجت قوانين وأديان وأساطير، إن تناقض الدولة مع المجتمع أميل إلى تسميته تعارض في إطار وحدتهما الجدلية، الوضع لدينا لا يصب في خانة تعارض الدولة والمجتمع لأن هناك شيء أخطر وهو تخارج الدولة والمجتمع وهذا يعبر عن نفسه في انقطاع الصلة بين الحاكم والمحكوم، وهذا يؤدي إلى التخارج وممارسة الحرية خارج إطار الدولة، عندما نقول تعارض ثم تكامل بين الدولة والمجتمع تصبح فكرة الحرية داخل الدولة، فكرة الحرية لدينا منذ القديم خارج إطار الدولة مما يؤكد أهمية الدولة بأوضاعها الراهنة، المثقف العربي والسياسي العربي إذا خيّر بين الدولة واللا دولة فعليه أن يختار الدولة وعليه أن يختار الدولة القوية والحديثة المعبّرة عن البنية الاجتماعية التي يرى كل مواطن صورته السياسية فيها. علاقة السلطة بالمعارضة في كل مكان هي مسألة فرعية منبثقة من علاقة الدولة بالمجتمع، فعندما تكون علاقة المجتمع صحيحة وتكون علاقة المعارضة بالسلطة من هذا القبيل. وهذا ما يمكن أن نسميه وحدة السلطة والمعارضة الجدلية.

من أهم ميزات المجتمع المدني أنه حقل سياسي مشترك بين جميع أطرافه وفئاته وطبقاته وأحزابه، هذا الحقل السياسي المشترك بين الجميع هو التعبير عن الوحدة الوطنية، فلا معنى للوحدة الوطنية إذا لم يكن هناك حقل سياسي للجميع، تتجادل فيه وتتقاطع وتتداخل وتتحاور أيديولوجيات مختلفة، فالحقل السياسي هو العلامة الفارقة بين المجتمع المدني وما قبل المجتمع المدني، قال الدكتور برقاوي أنه لا وجود للمجتمع المدني خارج المجتمع السياسي، لأن المجتمع السياسي محكوم بالمجتمع المدني.

*د. أحمد برقاوي: أنا لم أتحدث عن تماثل بين السلطة والمجتمع في أي مجتمع من مجتمعات الأرض وفي أرقى درجات الدولة الديمقراطية الأوروبية، أنا لم أتحدث عن ذلك وإنما تحدثت عن إطلاق المجتمع بشكل الدولة، وبشكلٍ خاص يوجد شي اسمه مجتمع مدني مختلف عن المجتمع السياسي، فالمجتمع المدني لا يخلق المجتمع السياسي، ولا المجتمع السياسي هو الخالق المجتمع المدني، كلا المجتمعين هما نظرة تاريخية للعملية الاجتماعية، ما قبل الدولة البرجوازية لم يكن مجتمعاً مدني، تحوّل الأفراد في إطار هذه الأوضاع إلى واعين لمصالحهم الخاصة مما منع فكرة الحرية، وقد كوّن المجتمع آليات كبح لسلطة الدولة عبّر من خلالها عن طموحاته ومصالحه – وليس كل مصالح المجتمع المدني هي مصالح سياسية-هناك مصالح غير سياسيةللمصالح النقابية التي هي بالأساس مصالح غير سياسية، ومصالح جمعية المكفوفين مصالح غير سياسية وهي من صلب المجتمع المدني، عندما تتعسف الدولة في تحقيق مصالح البشر يتحول المجتمع المدني إلى وسيلة من وسائل المطالبة بتحقيق ذلك، المجتمع السياسي في أرقى درجات تطوره تعبير عن المجتمع ككل يخلق معه مجتمع مدني.

*جاد الكريم الجباعي: الدول العربية نشأت بعد الحرب العالمية الثانية في فترة الأربعينات، ونشأت بمحاكاةٍ للغرب كنموذج للدولة-الأمة أو الدولة القومية. كما هو الحال في بلاد الشام والعراق والأردن وشمال أفريقيا ما عدا مصر لذلك الشاه الإيراني قال أن هناك ثلاث دول حقيقية في المنطقة هي إيران وتركيا ومصر وما تبقى هي دول خلقت من جديد، لقد وضعت اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وقسمت بلاد الشام وخلقت إسرائيل أيضاً ككيان يهودي، هذه الدول لم تمر بمرحلة الدولة الأوروبية التي مرت بمراحل تاريخية منها كما قرأنا في العلوم السياسية نشوء الدولة، هذه الدولة كانت عبارة عن كبار الملاك وكبار التجار الذين ركبوا الثورات الوطنية، في سورية مثلاً سلطان باشا الأطرش يُعتبر قائد الثورة التحررية مثل ماوتسي تونغ الذي وصل إلى السلطة، لكن سلطان باشا الأطرش لم يصل إلى السلطة، في الخمسينات كان هناك مجال لمحاكاة النظام الفرنسي بأن تقوم مجموعة من الأحزاب كانت تتوزع بين البرجوازية الصغيرة والحزب الشيوعي وحزب البعث وحركة القوميين العرب، أو في حركات بين المعلمين والمثقفين، فلم تستطع الدولة في الوطن العربي أن تتطور وتأخذ منهج التطور الذي حصل في أوروبا، لذلك نشأ عندنا الدولة التي ركبت موجة العسكر لأنه لا يوجد قوى سياسية تقف بوجه العسكر الذين دخلوا إلى السلطة في مصر وسورية والعراق والجزائر وليبيا والسودان، وهؤلاء باعتبارهم القوى الوحيدة المنظمة في المنطقة، الجيش هو القوة الوحيدة والأحزاب كانت عبارة عن تجمعات ليست منظمة وكانت تُضرَب بين الحين والآخر وبالتالي لم يتح لها أن تأخذ بعدها التنظيمي، والبرجوازية الصغيرة هي فئة متذبذبة غير قادرة على قيادة الدولة والمجتمع، والتجربة على ذلك أن البرجوازية الصغيرة تنشدُّ إلى السلطة عندما تلوّح لها السلطة بالمغانم والمكاسب وتنجذب إلى صفوف المعارضة إذا اضطهدتها السلطة، هذا بالنسبة لنشوء الدولة في الوطن العربي أما بالنسبة لنشوء المجتمع المدني أنا أقول أن الدولة هي انعكاس طبيعي وتاريخي ويقال “كما تكونون يولى عليكم”، باعتبار أنه لا يوجد قوى سياسية عربية، مثلاً بعد وفاة عبد الناصر وبعد 18 سنة من الحكم تغير خط عبد الناصر نهائياً، بعد ستة أشهر من وفاته الاتحاد الاشتراكي عمل مجموعة من الأحزاب السياسية في الانتخابات الأخيرة لم يصعد أي منها إلى المجلس، أما الحزب الحاكم فهو الذي نجح، وكذلك الأمر في الأردن. عندنا نقابة المعلمين والعمال يطالبون برفع مستوى المعيشة، اتحاد الفلاحين نفس الشيء جميع النقابات تطالب بنفس الشيء، لكن رئيس اتحاد العمال هو نفسه منذ 20 سنة.

*د.أحمد برقاوي: الدولة فعلاً في الوطن العربي هي دولة حديثة نسبياً، والتاريخ الدرامي لتطور الدولة العربية وحتى في مصر، بدون استثناء أحد، هو نفسه، فالبرجوازية العربية تكونت في منتصف القرن التاسع عشر ، بالمناسبة زوال الدولة العثمانية أحدث كيانات وهذه الكيانات بفعل عاملين وليس بفعل عامل خارجي وحسب بل بفعل عوامل داخلية وبنى داخلية أيضاً في الوطن العربي تحولت إلى سلطات في الوطن العربي، ففي الدول الأكثر تقدماً ورثت البرجوازية السلطة وراثة فأرادت أن تكوّن مجتمعاً ودولة جديدة مع استخدام هذه السلطة في توسيع وتسريع عملية التطور لأن الدولة الحديثة بحاجة لمجموعة كبيرة من المهندسين والمعلمين والأطباء والمحامين والجيش فوسّعت وسرّعت بشكل هائل إنجاز أعداد هائلة من الطبقات المتوسطة المدنية والفلاحية والفقيرة، ومع دخول هذه الفئات إلى مؤسسة الدولة وتوسعها ترافق مع بروز الأيديولوجيات القومية والماركسية والأيديولوجيات الاشتراكية فنشأ لدى هذه الفئات الوسطى الفلاحية والفقيرة وعي طبقي ضد البرجوازية والإقطاع فوحّدت صفوفها وقضت على الدولة البرجوازية إيماناً منها بأن الدولة أداة تسليح للمجتمع، وبعد أن توحّد هذا الجسم الطبقي عملياً عاد إلى صراعه مع السلطة ليتغنى في بناء قوى هي قائمة أساساً في المجتمع وليست خارج المجتمع. فالحزب الشيوعي عندما كان يريد شتم القوميين أو الأمة العربية كانوا يصفونهم بأنهم قوميون وبرجوازيون صغار ما زالوا في إطار الفكرة القومية، والأحزاب الشيوعية نفسها في الوطن العربي تفتت على أساس بنى أثنية، لماذا انتصرت الفكرة الأثنية على الفكرة الأممية؟ هذا ما جرى في المنطقة لكن مع استمرار التطور فإن نفس القوى باتت تتعنت فصار الوعي أرقى، لذلك عندما كان يُعلن عن إلغاء الدستور كانت الناس تصفق، أما الآن فالناس تطالب من أجل الدستور في الوطن العربي وهذا هو المأزق الثاني أي غياب التراكم التاريخي، أي أن المرحلة الاستثمارية قضت على التراكم التاريخي الذي بدأ من منتصف القرن التاسع عشر، حركة التحرر الوطنية قضت على التراكم التاريخي الذي أججته البرجوازية العربية في مصر وبلاد الشام، ففترة ما بعد السادات قضت على مرحلة التراكم التاريخي للمرحلة الناصرية فكان تاريخنا بلا تراكم وتاريخ بلا تراكم لا يمكن أن يُنجز شيئاً إيجابياً في تاريخ المجتمعات، ومن هنا البدء من نقطة الصفر، وهذه تجربة مهمة لدى التطور اللاحق للمجتمعات العربية لا يجوز أن يُلغي التطور التاريخي ففيهاستمرار التاريخ.

*محمد زاهر القدسي: هل يمكن تبديل بنية السلطة أو بنية الدولة بدون تغيير السلطة ذاتها، وإذا كانت السلطة والدولة في المجتمع العربي قد ابتلعت المجتمع المدني فكيف نطالب هذه السلطة ذاتها بمنع هيمنتها عليه؟.

*د.أحمد برقاوي: عندما نقول أن السلطة متناقضة مع بنية المجتمع فنحن نحتاج إلى سلطة متطابقة، القوى الأساسية مازالت غامضة مجهضة عبثية أحياناً، ولا مبالية أحياناً أخرى، المشكلة ليست باستبدال سلطة بسلطة قد تكون المعارضة أكثر تخلفاً من السلطة لأن المشكلة ليست على هذا النحو، طرحنا فكرة إنتاج المجتمع لسلطة متطابقة وهذا يحتاج إلى فاعلية سياسية اقتصادية اجتماعية فما زالت الدولة في الوطن العربي قوية في صورتها الراهنة، والسبات الطويل للمجتمع لا يُنتج يقظة نشطة وتراكم الانهيارات لا ينتج انتصاراً هائلاً، فالمشكلة ليست في استعجال التغيير في العالم العربي، إذ يمكن للمجتمع المدني أن يتحرك لابتلاع السلطة لكن لوحده لا يستطيع، وأنا لا أعول على المجتمع المدني، فقوة المجتمع المدني بقوة المجتمع السياسي وضعفه بضعف المجتمع السياسي، السلطة قوة الجماعة وعندما تتنازل كل القوى لصالح قوة واحدة فلا يمكن أن نفكر إطلاقاً بأن جمعية ما قد تخلق مجتمعاً. المجتمع المدني تعبير عن عجز الإدارة الفاعلة.

د.وليد البني: هاجمت وسائل الإعلام بشدة على فكرة صغيرة نشأت عند بعض المثقفين تتعلق بفكرة إنشاء جمعية لأنصار المجتمع المدني، وبعد الهجوم الشديد الذي تعرضتم له من قبل بعض المثقفين كنت أتمنى لو علق الدكتور برقاوي على ذلك، هل كان هؤلاء الناس سيئين إلى هذا الحد ليتعرضوا لهذا الهجوم. ومن ناحية أخرى تحدثتم عن الدولة الوطنية الديمقراطية، فهل يمكن لديمقراطية حقيقية أن لا تكون وطنية؟ أليست الديمقراطية هي التي أفرزت ذلك الشعور الرائع الوطني أثناء ثورة الجزائر؟ ثم في الفترة التي كان فيها هامش من الديمقراطية في سورية هو ما دفع بالناس إلى التبرع بمجوهراتها من أجل العدوان في 1956؟ وهل يمكن للديمقراطية أن لا تكون وطنية إذا كان فيها شعور حقيقي وتعبير عن شعور الشارع والشعب؟ أنا أعتقد أن كل ما مرَّ به الشعب السوري يعبر عن تراكم حقيقي إذ لم تقض التحولات التاريخية التي مر بها على التراكمات السابقة، ولكن المجتمع السوري كغيره من المجتمعات العربية عبارة عن مجتمعات حديثة التشكيل حديثة التعامل مع الدولة الديمقراطية لذلك لم تستطع أن تقف في وجه الديكتاتوريات التي مرت على المنطقة، ولكن عندما كانت تضعف هذه الديكتاتوريات كان المجتمع المدني الحقيقي وكل منظمات المجتمع المدني تظهر لتدافع عن مصالحها، وهذه ضمن عمل المجتمع المدني.

*د.أحمد برقاوي: الدولة الوطنية تأتي كنقيض للدولة التابعة التي هي فاقدة لسيادتها الوطنية  ولا تملك قراراتها الداخلية، دولة كبيرة في الوطن العربي سكانها 60 مليون ولا تمتلك قرارها السياسي حتى لو اتخذت قرارها فهو من وحي خارجي.

الدولة الوطنية المستقلة يجب أن تكون ديمقراطية لكن عندما أرى أن الدولة تعطي هامشاً ديمقراطياً وهي غير مستقلة ومستبد بها فما هي هذه الدولة الديمقراطية المُستبد بها من الخارج هذه ليست دولة خاصة إننا لسنا بمراحل تطور اجتماعي، لا زلنا بمراحل استقلال وطني ومازالت الصهيونية وإسرائيل والاستعمار موجودين، أنا أكنَُ العداء المطلق لأوروبا وأمريكا كدول، ولو قالوا لي الآن سأرسل لكم الآن عشر مفاعلات ذرية لإنتاج الكهرباء سأسأل لماذا؟ ما هي مصالح أوروبا في المنطقة؟ إن التجربة التاريخية مع الغرب والولايات المتحدة خلقت مثل هذه الحساسية.

أقصد التراكم التاريخي أن عبد الناصر قام بثورة طبقية عام بالمعنى الحقيقي عام 1953، ولكن مصر كانت تعيش تجربة ديمقراطية عمرها عشرات السنين، قضى عبد الناصر على هذه التجربة الديمقراطية وقضى على مؤسساتها وأعاد إنتاج النظام السياسي على غرار آخر وبالتالي قدَم وكوّن تراكماً اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً في مصر، ثم جاءت المرحلة الساداتية فقضت على التراكم الاقتصادي والثقافي وبيع في المزاد العلني كل نتاجات المرحلة الماضية، لا شيء يُطبع في التاريخ فالتاريخ ينتقم لنفسه آجلاً أم عاجلاً دائماً.

*رياض سيف: اسمح لي أن أعلّق على الدولة الوطنية الديمقراطية، ففي محاضرة حضرتها لأحد كبار المفكرين الأمريكيين عن العرب والديمقراطية، قال هذا العالم الأمريكي بأن عدم وجود ديمقراطية في البلاد العربية يعود إلى خمسة أسباب، السبب الأول والأهم هو أنها تتعارض مع المصلحة الأمريكية بالذات، وذكر مثالاً بسيطاً فعندما قررت أمريكا أن تأتي إلى الخليج لحرب العراق وإخراجه من الكويت في عام 1990 وتأتي بخمسمائة ألف عسكري بكل معداتهم ومشروباتهم، فلو كان هناك نظام ديمقراطي في السعودية لتعذّر مجيء الأمريكيين، أو على الأقل لاحتاج الأمر إلى ستة أشهر بين مداولات الأحزاب والبرلمان والموافقة، بينما قُضِيَ الأمر بستة دقائق وعبر الهاتف، وفي اليوم التالي كانت القوات بطريقها للسعودية، وهكذاوبالضرورة فكل حكم ديمقراطي هو وطني.

د.احمد برقاوي: كل الغرب ضد الديمقراطية في الوطن العربي قولاً واحداً ولا مصلحة لهم بها.

*أ. الناعم: تحدث الدكتور برقاوي عن التناقض الذي بدأ يظهر بين بنية السلطة وبنية المجتمع، بمعنى أن السلطات في الوطن العربي لم تواكب التطور الاجتماعي، وكان واقع الحال هو أن هذه الدول في بنيتها عندما نشأت كانت مطابقة للبنية الاجتماعية،والذي أراه أن أشكال أنظمة الحكم هذه جاءت مستوردة ولم تنشأ أساساً من بنية المجتمع وذلك بسبب الفهم التاريخي المترسب في المجتمع العربي خاصة بالنسبة لمفهوم السلطة والدولة الذي يُفهم وكأنه مشروع إلهي (وأطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم) بدليل أن كل أشكال الدولة في المجتمع العربي، من الأنظمة الملكية حتى الأنظمة الجمهورية التي رفعت شعارات الديمقراطية، استخدمت نفس الوسائل والأساليب في تثبيت سلطتها، لم يكن هناك في البداية أي تعارض بسبب غياب الحراك الاجتماعي الذي سيفرز فيما بعد طبقة جديدة لها مشروعها الخاص، أنا أتساءل فقط هل كان غياب التناقض في البداية بسبب عدم غياب التضارب بين بنية الدولة والمجتمع أم بسبب غياب الطبقات الاجتماعية التي تفرز مشروعها؟

أما بالنسبة لمؤسسات المجتمع المدني في الوطن العربي، فقد تحدثت عن دور هذه المؤسسات وعلاقتها مع السلطة فقط، لكن ما هو دور هذه المؤسسات في علاقتها مع البنية الاجتماعية؟

د.احمد برقاوي: لا يوجد مجتمع بلا بُنى إطلاقاً، إما أن تكون البنى تقليدية، حديثة، قبلية، طائفية، عشائرية، رأسمالية، لا مشكلة، المهم أن هناك بنى، فالدولة في الأربعينات والخمسينات كانت متطابقة مع تلك البنى التقليدية التي أنتجها المجتمع، ومن الصعب أن تتخيل أن المجتمع لم ينتج تلك البنى، يوجد عامل خارجي، هذا صحيح، ولكن العامل الخارجي من الصعب أن يتحكم تحكماً مطلقاً في إنتاج سلطة غير متطابقة مع بنية المجتمع العربي.

في الجزيرة العربية الحجاز كان يمثلها الهاشميون وآل الرشيد في نجد وآل سعود في الدرعي، مجتمع عشائري كان يحكم والحروب كانت قبلية، والحرب التي خاضها ابن سعود كانت حرب قبلية ضد قبائل أخرى دمرها ووحّد المناطق تحت حكمه، من الطبيعي أن تنتج السعودية دولة مطابقة لهذا التكون القبلي، بعد مئة سنة من تطور السعودية بقيت هذه الدولة نفسها التي انتصرت قبل مئة عام وهذا تناقض تاريخي بين المجتمع والدولة، فعندما نقول إرث تاريخي فإن هذا الإرث جزء من بنية هذه المجتمعات، سواءٌأكان هذا الإرث التاريخي نظري أم واقعي أم اجتماعي، عندما قلت أن المجتمع المدني هو ثمرة انتصار البرجوازية أردت أن أقول أن المجتمع المدني هو تعبير عن مجتمع حديث، ما قبل المجتمع الحديث فيمكن أن نتحدث عن مجتمع أهلي، فالمجتمع الحديثينتج مجتمع مديني، إذا أردت إقامة مجتمع مدني في اليمن، وأنا قد عشت في اليمن، فإن هذا لا يمكن أن ينطبق على المجتمع إلا بالاسم فقط،لأن هذا المجتمع في بنيته لا يمكن أن يكون مدنياً، لماذا؟ لأن العنصر الأساسي في المجتمع اليمني هو القبيلة، الانتخابات التي تجري في اليمن تتم على أساس قبلي، الحرب التي قامت في جنوب اليمن بين جناحي الحزب الاشتراكي تحولت إلى حرب قبلية، بصراحة في كتابي “العرب بين الأيديولوجيا والتاريخ” بحثت لماذا بقيت الأيديولوجيا هشة وقشرة خارجية لبنى أقوى منها، ببساطة حزب اشتراكي ماركسي لينيني يقود حرب قبلية، هزمت الايدولوجيا ليس بسبب بنيتها وإنما بسبب أن علاقتها بالتاريخ كانت ضعيفة جداً، كان هناك آمال لدى ميشيل عفلق بقيام أمة عربية واحدة من المحيط إلى الخليج وهو صادق، لكن القوى كانت أقوى منه ومن أنطون سعادة ومن زكي الأرسوزي ومن خالد بكداش، ونفسه خالد بكداش كان خاضعاً للقوى، المعادلة معقدة أكثر من ما نتخيل. 

*صبحي سعيد: التحدث إلى أستاذ فلسفة صعب، فلم يُطرح سؤال إلا وناور عليه وبرره، لتأكيد وجهات النظر الحادة تقريباً، كل إنسان ينظر إلى الواقع من رؤية خاصة ومنظار خاص لتبرير وجهة نظره، وأنا أتساءل وأقول أنه لا يمكن أن يكون هناك تاريخ واقعي أو تاريخ سريالي، هناك تاريخ واحد وكل إنسان ينظر إليه من منظاره الخاص وعبر علاقاته الخاصة، وأعتقد أنك أطلقت أحكام مطلقة حول السلطة، المجتمع، النظرية النسبية هي المرجعية كما أعتقد عند التحدث عن السلطة، ففي السعودية تمثل السلطة طبقة مهما كانت بدائية وتطورت ضمن ظروف موضوعية، وأعتقد أن عبد الناصر لم يقض على التحول الديمقراطي، وهل من المعقول القول أن مصر في المرحلة الاستعمارية كانت ديمقراطية، هذا كلام خطر، أما التناقض بين السلطات والمجتمع، فأعتقد أن الإنسان لا يتناقض مع نفسه وإنما يغير رأيه لأن الحياة تتغير.

أعود إلى دولة محمد علي باشا وإبراهيم باشا، لماذا لم تأخذ طريقها في التاريخ؟ لأن هناك ظروف تاريخية كبيرة، الحكومة التركية ظلت لفترة طويلة معلقة لأنه لا يمكن أن نتحدث عن سورية الا ضمن ظرفها التاريخي ونتاج عشرات العوامل الخارجية.

*مظهر جركش: الوعي الشعبي يفرض على الحكومة أن تنفذ ما من شأنه الحفاظ على كينونة التطور الاجتماعي في ذلك المجتمع، أقول هل الشعب العراقي هو أدنى تطوراً من الشعب المغربي؟ وهل هو الذي فرض على نفسه ما هو فيه الآن؟ وإذا كانت الحركات التحررية كما طَرَحت المحاضرة،  تتكون غالباً عن طريق الحركات الأصولية، فالسؤال، هل الأصولية في العراق هي أدنى مما هي عليه المغرب؟

*د. أحمد برقاوي: في العراق مجتمع انتقل من السلطة العثمانية إلى سلطة آل هاشم وبدأت تتكون الدولة في العراق، كما أن تثبيت السلطات التي جاءت بعد الاستعمار استدعت النموذج الأوروبي في النظام السياسي، النموذج الأوروبي في النظام السياسي وجد صعوبة في البنى المتخلفة في العراق، مجتمع عشائري لذلك فالمدينة في العراق لم تنتصر انتصاراً حاسماً. وأي تطور خارج تطور المدن هو تطور غير حداثي، فمنذ أيام النظام الملكي الذي استعار النموذج الديمقراطي نشأ النموذج الأوروبي في النظام السياسي في السلطة العربية، وكل السلطات في الوطن العربي، نشأت عبر الحكم العسكري وتوالت الانقلابات العسكرية والصراعات على السلطة، وتوجهت بأن تحولت السلطة معتمدة على السلطة ذات الأيديولوجية القومية، العراق، الأيديولوجية الرسمية للدولة هي الأيديولوجيا القومية، وهذه عصبية، كل سلطة تحتاج عصبية، سواء كانت عصبية طبقية أو دينية أو أيديولوجية أو مناطقية ، .. ، الخ، السلطة تحتاج عصبية هاجس الاستمرار في السلطة فأعاد في العراق السلطة القبلية المناطقية فالعراق محكومبعصبية ضيقة، لا يوجد خيار إلا الديكتاتورية ببساطة، فيما السلطة في المغرب (بالمناسبة، العائلة الحاكمة في المغرب عائلة مقطوعة الجذور) شريفة واستخدمت النسب الشريف، وأذكركم أن الثورة اليمنية التي قادها عبد الله السلال هي ثورة القبائل ضد الأشراف، الأشراف في أي منطقة كانوا ضعافاً لأن عصبيتهم تستمد من الإرث النبوي، وعندما تحولت العصبية من هذا الإرث إلى إرث قبلي مناطقي صارت أكثر تخلفاً وأقوى، هناك تعقيدات كثيرة بالنسبة لهذا التاريخ الواقعي بمعنى أن التاريخ الواقعي هوالذي حصل وليس التاريخ المتخيل الذي نقصّه على هوانا، التاريخ لا يُقص.

الأصولية في المغرب أضعف منها في العراق، والأصولية ضعيفة في كل الأنظمة الملكية لأسباب كثيرة، في العراق كان هناك حركة الإخوان المسلمين وأحزاب دستورية وحزب شيوعي كان قوياً وقاب قوسين أو أدنى من أن يستلم السلطة، نشوء حزب الدعوة الإسلامي في العراق كأنه شكل من الأشكال المعارضة الطائفية للنظام الذي له طابع سيئ، بمعنى من المعاني، فتفجرت التناقضات المختلفة في المجتمع العراقي الذي كاد أن ينتقل إلى مستوى أرقى، وهكذا وبالعودة إلى الوراء عبر التاريخ نلحظ أنه كانت لدينا نهضة، ثم نكوص، ثم بوادر نهضة سرعان ما انتهت، وهذا يدعو إلى التأمل  وتلك قضايا حساسة تحتاج إلى تعمق وتحليل دقيق لا مجال له الآن.

*فاتح جاموس: شكراً على ما قدمه الدكتور أحمد برقاوي في محاضرته، ولكن في الواقع جعلني في حالة من الالتباس الشديد، تحديداً حول النموذج الأكثر التباساً الذي تحدث عنه في مداخلته، الطبقة الوسطى ونموذج الدولة، الدولة الشمولية ونموذج الطغيان الذي يمكن مشاهدته في النموذج الطبقي البيني إن صح التعبير، وكم كنت أرغب أن يستمر في فك التباسات هذا النموذج، فكّها بالمعنى النظري والتاريخي، والإتيان بنماذج أكثر عيانية إن صح التعبير من النموذج التاريخي، الذي يمسك بكل تلابيب المجتمع، صغائر المجتمع نسبة إلى المجتمع المتطور بمعنى البنية العصرية والفلسفة التقنية والأيديولوجية، لا ليمسك بأصغر صغائرها وإنما بأكبر كبائرها، هناك عين، هناك أذن، هناك بندقية ربما أحياناً، هناك قبضة وضغط حراري في كل مكان، هناك تدخل عندما تحاول أي مجموعة أو أي حالة فردية حل مشاكلها بذاتها. المدنية في الفعل السياسي، أيضاً التباسات هذا النموذج وأخطرها، فكيف يمكن للقوى الصادقة بالمعنى الديمقراطي أن تفكّر بصورة صادقة في المجتمع المدني لتخلق حالة فكاك بين المجتمع المدني الذي أمسكت السلطات الشمولية فيه وضمته إلى ذاتها وانصهرت بداخله تماماً، هذا التباس هائل وخطير، عدم الافتراض النظري الدقيق وعدم الاعتراف بالممارسة الصحيحة والعينية والديمقراطية التي تمثل بأفضل وسائل العصر بالمعنى الأخلاقي والحضاري، هناك صعوبات كبيرة أمام أي حركة ولكن للأسف هناك نكوص في الممارسات العامة، كيف يمكن أن نقترب من حل هذه المسألة – الالتباس، هذه الدولة جمعت كل أشكال التناقضات في قلبها، وللأسف وضعت الوطن في لحظات كثيرة على حافة أخطر المخاطر كما جرى في أكثر من مرحلة في سورية، هناك إشكالية كبيرة بسبب نسف المجتمع بكل تفاصيله ويمكن أن يخلق مخاطر كبيرة من داخل ومن خارج الدولة، نحن الآن في مرحلة انعطافة من التطور التاريخي والزمني إن صح التعبير، فكيف يمكن أن نجري هذا الانفتاح بين المجتمع المدني والدولة التي التصقت به والتصق بها دون إرادته بالتأكيد، وإنما بإرادتها، نحن مقدمون في سورية خلال هذه المرحلة الانتقالية القصيرة ويجب أن نوظف مشهداً رائعاً بالصدق والحرص على أهم القضايا الصحيحة والتي تُثار لأسباب غير صحيحة وللأسف تكون حياناً خطيرة، ما هي هذه القضايا التي تُثار أحياناً لتعارض بين الديمقراطية وبين المجتمع المدني، وتُثار أحياناً مسائل مثل أن هناك تعارض ما بين المجتمع الديمقراطي والمجتمع ذو البنى المتخلفة وأعتقد أن تراجع العصبيات الأيديولوجية لصالح العصبية الطائفية من قبل الدولة أصاب النسيج الوطني، تُثار أحياناً قضايا العامل الخارجي الأكثر ضيقاً هذا موضوع صحيح وهذه قضايا ربما تكون أحياناً صحيحة لكنها تُثار لأغراض سيئة جداً وورائها مصالح، وأرغب شخصياً أن نتعظ من بعض التجارب، أولاً ندخل في تنافس حضاري راقي وأخلاقي لا أحد يريد إسقاط سلطة الدولة أي أن كل ما يريده البشر تغيير طابع السلطة من طابع شمولي إلى طابع ديمقراطي عصري وأخلاقي، والسلطة تتحرك أحياناً وأداتها الدولة، لكن الدولة لكل المجتمع، تعالوا نجرب وندخل في تنافس لنقنع السلطة أننا نريد تغيير، ليصبح هناك توافق مع بنية المجتمع، ثانياً لنفكّر كيف يمكن جعل المسألة الوطنية مسألة مركزية في بدايات تحركنا نحو صيرورة مجتمع مدني، تعالوا لنفكّر بالتنافس كي نكون مواطنين من الدرجة الأولى بعد ما انتهكت حقوقنا وربما غدونا مواطنين من الدرجة الثالثة بالمعنى الوطني.

*علي وراد: هناك تمفصل وتناقض بين السياسي والديني في مجتمعنا العربي، هذا التمفصل شكّل جوهر الأزمة تاريخياً في المجتمع العربي، هل ترى أن هذا التمفصل هو جوهر للأزمة أم لا، أنا أرى أن هذا التمفصل يُعاد إنتاجه منذ قرون عدة وحتى اجتماعنا هذا الذي يُراد له أن يخرجنا من الشرعية الثورية وأنت محق، لكي يمكننا من الدخول في حوار سلمي، عقلاني، علني، دينامي يلفُّ كل شرائح المجتمع من داخل السلطة وخارجها.

*د. أحمد برقاوي: أعتقد أن أي تحليل للوضع في المنطقة العربية يجب أن لا ينسى مسألة هامة هي أن الصراع السياسي ليس دائماً ذو أسباب طبقية واجتماعية واقتصادية، السلطة نفسها بالمناسبة موضع صراع من أجل السلطة، السلطة هيبة، السلطة قوة، ثروة، قرار،..، والانتقال من الصراع السياسي الطبقي إلى استلام السلطة هو مهمة جديدة في تاريخ السلطة وهناك مهام كثيرة تؤديها السلطة لكنها عجزت عن إنتاجها، لأن الصراع تم داخل السلطة السياسية، فكان الهدف الأساسي هو كيف يتم الحفاظ على السلطة وهذا ما أدى إلى الكثير من المشكلات اليومية… وهذا مأزق الوطن العربي والمأزق الخليجي بالمناسبة وليست أزمة نظام بعينه، ولو أردنا أن نفكر كيف نفك العلاقة بين السلطة والملكية، وفك العلاقة بين السلطة والثروة وفك العلاقة الطبيعية بين السلطة والمجتمع، كيف السبيل؟ الكثير لا يعرف كيف السبيل؟ ما هي الآلية؟ يا زملاء طرح الأهداف مسألة مهمة، آلية تحقيق الأهداف مسألة أهم، لذلك فالسؤال المطروح من عشر سنوات وحتى الآن في الوطن العربي من مثقفين ومفكرين ومن سامعين وقارئين هو (ما هو الطريق) أليس كذلك، ما هو الطريق الموصل، ثورة، تنمية، حل ديمقراطي، أما لو كان لديّ طبقات صاعدة تاريخية (مجتمع مدني) كالبرجوازية الفرنسية، والطبقة العاملة الروسية، فالطبقة الوسطى هي الحل ولكن ليس لدينا هذه الطبقات فمن أين نأتي بها.

دور الجمعيات الأهلية في التنمية*

الدكتور محمد سعيد الحلبي**

رياض سيف (تقديم )

صدر أمس بيان موقع من 99 مثقفاً سورياً وأديباً ومفكراً وفناناً يطالبون فيه بالحريات السياسية، وهذا يعطينا هامشا عريضا ودعما لهذا المنتدى الذي يعتبر مشاركة متواضعة في الطريق لبعث المجتمع المدني ومشاركة الشعب في البناء والتنمية وتكمن أهمية البيان من حيث أنه صدر من مفكرين وسياسيين ومثقفين مقيمين في سورية وله صفة العلنية والصراحة، وهذا الشيء كان محظوراً سابقاً.

(المحاضرة)

منذ أكثر من عشر سنوات وأنا على صلة وثيقة وفعالة بالعمل الأهلي التطوعي من خلال ثلاث جمعيات هي:

ـ جمعية تنظيم الأسرة السورية.

ـ جمعية أصدقاء دمشق.

ـ جمعية العلوم الاجتماعية والاقتصادية.

ـ ومؤخراً انتسبت إلى منظمة الهلال الأحمر السورية.

عرفت من خلال تلك الجمعيات شروط وأسس ومبادئ وأهداف العمل التطوعي الأهلي ودوره في المشاركة المجتمعية في تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية إلى جانب مؤسسات وهيئات الدولة الرسمية.

وكذلك عرفت من خلال تلك الجمعيات العوامل الإيجابية والعوامل السلبية التي من شأنها تحقيق أو عدم تحقيق أهداف العمل التطوعي.

ومن خلال عملي لسنوات طويلة في هيئة تخطيط الدولة في مجال التخطيط المركزي، ومشاركتي في العديد من أنشطة وفعاليات المنظمات الشعبية وخاصة منظمتي الاتحاد النسائي واتحاد شبيبة الثورة، وعملي لسنوات طويلة لدى عدة منظمات تابعة للأمم المتحدة في سورية واليمن ومصر والسعودية وتونس.

جعلتني أومن إيماناً راسخاً بأهمية دور المشاركة المجتمعية للجمعيات والهيئات الأهلية التطوعية في تنفيذ أهداف وبرامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبأنه لابد من تحقيق شرطين أساسيين هما:

1ـ المشاركة الشعبية لمختلف شرائح المجتمع.

2ـ الشفافية بين أجهزة ومؤسسات الدولة والجمعيات والهيئات الأهلية التطوعية.

وذلك في تصميم وإعداد وتنفيذ وتقييم مختلف برامج وأهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
مقدمة: تزداد أهمية التنظيمات والهيئات الأهلية بازدياد حاجة المواطنين للخدمات، نتيجة للتقدم الاقتصادي والاجتماعي فهي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالتقدم الحضاري للمواطنين وسعيهم الحثيث لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومشاركتهم الإيجابية للجهود الحكومية في التنمية ومهما تعدد أشكالها وأنواعها فإن فلسفتها الأساسية تقوم على الآتي:

1ـ تكملة دور الحكومات والتنظيمات الرسمية في تقديم برامج الرعاية والتنمية.

2ـ السعي لحل مشكلات قائمة في المجتمع.

3ـ القيام بمبادرات ذاتية للنهوض بالمجتمع ورعاية أفراده.

4ـ تقديم أساليب ونماذج يمكن أن تتبناها الحكومات بعد إثبات نجاحها.

5ـ الاستفادة من الخبرات المتاحة لدى أعضاء تلك المنظمات والهيئات.

6ـ تفجير الطاقات الكامنة لدى الأفراد، وتوظيف الخبرات التطوعية بصورة جيدة.

7ـ الاستفادة من القدرات الذاتية واستثمارها لخدمة المجتمع.

8ـ تنظيم الجهود التطوعية في أعمال جيدة ومفيدة ومنظمة.

9ـ تحقيق مبدأ الاعتماد على الذات والتسيير الذاتي والتمويل الذاتي كلما أمكن ذلك.

10ـ تحقيق رؤية مستنيرة ومعبرة نحو المستقبل.

وانطلاقاً من تلك الفلسفة والأسس التي تقوم عليها التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية فقد برزت أهمية دور العمل الاجتماعي الشعبي التطوعي كوسيلة فعالة للنهوض بالمجتمع لتحقيق طموحاته وأهدافه المنشودة للدولة والشعب على السواء.

ولقد أصبح العمل الاجتماعي الشعبي التطوعي كأحد أهم مرتكزات تنفيذ أهداف واستراتيجيات الخطط التنموية في شرق الأرض وغربها وف البلدان المتقدمة والنامية على السواء.

ولقد برزت في علوم الاجتماع والتنمية مصطلحات عديدة حول المشاركة الشعبية والتطوع مثل: المشاركة المجمعية، الجهود الذاتية، الخدمة الاجتماعية، الاعتماد على الذات وغير ذلك من المصطلحات.

وأصبحت هناك علوماً تهتم بدراسة وتقييم أعمال التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية من خلال معايير وأسس علمية تهدف إلى تصحيح مسارها وضمان تحقيق أهدافها وفق أفضل الأساليب.

كما تدرجت تلك التنظيمات من محلية على مستوى الحي أو القرية إلى وطنية (قومية) إلى إقليمية إلى دولية وبرز العديد من التشريعات لتنظيم ذلك.

واستناداً إلى ذلك فقد اعتبر علماء الاجتماع والتنمية بأن تلك التنظيمات والهيئات محور الارتكاز لتنمية المجتمع والرافد الهام والأساسي لجهود الدولة في تنفيذ أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وهي الوسيلة الفعالة للاستفادة من الطاقات البشرية بشكل بناء وصحيح لما تقوم به من أعمال جليلة ذات نتائج وكفاءة عالية، كما أنها ذات أثر كبير في تقليل الاعتماد على موازنة الدولة وتحويل فئات من المجتمع إلى مؤسسين وقادرين على تحويل طموحاتهم البسيطة إلى واقع فعلي سواء كان ذلك على مستوى تنمية المجتمع المحلي أو الوطني أو الإقليمي أو الدولي.

وسنتناول بشيء من التفصيل المرتكزين الذين تقوم عليهما مختلف أشكال وأنواع التنظيمات والهيئات الأهلية الشعبية وهما:

ـ مفهوم المشاركة الشعبية (الاجتماعية).

ـ مفهوم العمل التطوعي الذاتي.

ثم سنتناول واقع التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية في الجمهورية العربية السورية بشكل عام وتوزعها بين مختلف المحافظات. راجياً أن يكون هذا البحث بمثابة ورقة عمل للندوات والمؤتمرات الخاصة لرسم سياسات واستراتيجيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية في وطننا الحبيب.

الشروط التي يجب توفيرها في عمل الهيئات والمنظمات الأهلية التطوعية

1ـ أهمية وضوح أهداف وغايات الجمعية أو الهيئة.

2ـ تخطيط جيد لتحقيق الأهداف، واتفاق على المشروعات، ووضوح لقواعد العمل وخطوطه، والتزام الأعضاء بتنفيذ ما يتفق عليه.

3ـ تنظيم جيد لأعمال المتطوعين خاصة ما يتعلق بالعضوية الاشتراكات ـ الاجتماعات ـ توزيع المسؤوليات سلطة الإشراف ومتابعة أعمال العاملين واتخاذ القرار وغير ذلك.

4ـ تحديد الأدوار بين العاملين المتطوعين.

5ـ توصيف وظيفي للعاملين، وتحديد لحجم العمالة وفق الأعمال المطلوبة.

6ـ تحديد المسؤول المتطوع (رئيس ـ سكرتير عام) للإشراف على العمل.

7ـ وضع نظام للرقابة الداخلية والالتزام بالتطبيق على الجميع بدون استثناء.

8ـ وضع لوائح داخلية تنظم إجراءات العمل وما يتعلق بتعيين العاملين وعقودهم ونظام الترقي بجانب نظام مالي محكم يحدد المسؤوليات.

9ـ إعداد التقارير الورقية عن الإنجازات.

10ـ وضوح في عملية اتخاذ القرار.

وبذلك تتهيأ الفرص لعمل تطوعي منظم، ينمو وينجح في تنفيذ الأهداف، وتكثر الموارد، وتشجع التمويل الذاتي والمجتمعي، وتتسع قاعدة التطوع ويستمر الأداء في اتساق ونجاح.

بعد ذلك ـ من هو المتطوع إذاً؟

المتطوع هو شخص إيجابي يؤمن بفكر معين، واقعي النظرة، متعايش مع ظروف بيئته ومجتمعه، يحس بإحساس الجماهير، يقدس العمل العام، لديه الاستعداد للمشاركة الإيجابية في رفع المعاناة، يسعى من خلال التعاون مع أقرانه لدراسة الاحتياجات وتوفير الإمكانات للتغلب على المشكلات، وبذا يحقق ذاته ويسهم في توفير حياة أفضل في مجتمع أسعد.

التنظيمات والهيئات الأهلية التطوعية في الجمهورية العربية السورية

أولاً ـ تطور التنظيمات والهيئات الأهلية في الجمهورية العربية السورية:

تباينت اتجاهات وأنواع وأغراض المنظمات والهيئات الأهلية في الجمهورية العربية السورية تبعاً لطبيعة وخصائص المراحل التاريخية التي مرت بها.

1ـ مرحلة ما قبل الاستقلال بدأت على شكل نشاطات أهلية يقوم بها أفراد بدافع ذاتي وعلى أساس من الشعور بالواجب وعمل الخير، ولقد ساهمت تلك المنظمات والهيئات بتقديم المعونات والمساعدات الخيرية لتخفيف الآلام والبؤس عن أولئك الفقراء والمحتاجين والمرضى والمواساة المعنوية والمادية ولقد بقيت خدمات الجمعيات الخيرية في غالبيتها (خلال مرحلة ما قبل الاستقلال) مطبوعة بالطابع الفردي أو مقصورة على فئات معينة ولمجالات محدودة. كما كان أغلب الخدمات موجهة لحل المشكلات الطارئة أو لمعالجة بعض الأوضاع في بعض الأحياء أو القرى.

وقد تأسس في تلك الفترة العديد من الجمعيات والنوادي الخيرية لمساعدة وتحسين مستوى بعض الأحياء والقرى والطلاب والنساء والمهنيين وغيرها.

2ـ مرحلة ما بعد الاستقلال الوطني: تطور عمل المنظمات والهيئات الأهلية تبعاً للتبدلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث ظهرت تيارات واتجاهات تنادي بالإصلاح الاجتماعي ووضع أنظمة التكامل والتكافل الاجتماعي، ومن بينها مسألة الرعاية والخدمة الاجتماعية وقد نادت هذه التيارات والاتجاهات بضرورة اعتبار رعاية الفئات المحتاجة والمعوقين بالذات واجباً وطنياً. كما طالبت بضرورة تطوير وتعديل تشريعات وأنظمة الضمان الاجتماعي، وبناء على ذلك فقد طلبت الحكومة السورية من مكتب العمل الدولي في عام 1957 تقديم مساعدة فنية في موضوع الضمان الاجتماعي.

وتمت دراسة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في سورية وبتاريخ 6/4/1959 صدر قانون التأمينات الاجتماعية رقم (92) الذي اعتبر في حينه السبيل الأفضل للتكافل الاجتماعي. وقد أقرت الحكومة آنذاك الأخذ بنظام التأمينات الاجتماعية وتطبيقه على مراحل، ثم تتابعت القرارات والمراسيم التي تنظم موضوع التأمين الصحي وتأمين الشيخوخة والعجز والوفاة ومراسيم وقرارات تحدد المستحقين للمعونات المالية والتعويضات وقواعد إنشاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية للمعوقين جسدياً واجتماعياً.

وبناء على تلك الأنظمة فقد تأسس العديد من الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي قام بها الأهلون بدافع ذاتي للقيام بأداء خدمات اجتماعية لا يقصد من ورائها الربح المادي. وقد تتابع الجمعيات والمؤسسات الخيرية، وازداد عددها وتعددت أدوارها ووظائفها وتوزعت على مختلف أنحاء القطر بشكل متفاوت من حيث العدد والأغراض والأهداف وذلك نتيجة لعدة اعتبارات تتعلق بصورة أساسية بطبيعة البنى الاقتصادية والاجتماعية السائدة في تلك المناطق.

3ـ مرحلة الإشراف على مختلف نشاطات وأعمال الجمعيات والمؤسسات الأهلية وتقديم الدعم والتوجيه لها لضمان استمراريتها في تقديم خدماتها جنباً إلى جنب مع المؤسسات الرسمية ويتم هذا الإشراف من قبل وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل من خلال مؤسسات رسمية أحدثت لهذا الغرض لمتابعة كافة نشاطاتها وأعمالها.

وفي عام 1974 تحددت أنظمة الجمعيات والمؤسسات الأهلية في ثلاثة عشر بنداً تضمنت الإطار الذي يتوجب على الجمعيات والمؤسسات الأهلية العمل بموجبه.

ومما لابد من الإشارة إليه بأن تلك التنظيمات والمؤسسات الأهلية قد أسهمت خلال مراحلها الثلاثة في تقديم العديد من الخدمات على مستوى الأفراد والأسر وبعض القرى والأحياء وعلى المستوى الوطني حيث أقامت العديد من أبنية المساعدة الخيرية الصحية والتعليمية والخدمية كما رفعت البؤس والشقاء عن فئات لا بأس بها عن المواطنين.

وكان هدف من أنتظم بتلك التنظيمات والمؤسسات عمل الخير والإحسان وليس الربح المادي. لذلك يمكن اعتبارهما بمثابة راقد ومكمل لما تقوم به الدولة من خلال مؤسساتها الرسمية لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

المنظمات غير الحكومية التابعة للأمم المتحدة:

لقد حرصت الأمم المتحدة كل الحرص على ربط علاقات متينة ووثيقة مع المنظمات غير الحكومية من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي ومن خلال الوكالات المتخصصة.

فقد قام المجلس الاقتصادي والاجتماعي بتشكيل لجنة خاصة تقترح على المجلس أسماء المنظمات غير الحكومية التي تستحق الصفة الاستشارية وتنقسم هذه المنظمات إلى فئات ثلاثة:

ـ الفئة الأولى: هي ذات النشاط العام الذي يغطي اهتمامات المجلس كافة، وهي ليها حق حضور الجلسات وهيئات المجلس المتفرعة عنه، وإدراج بنود في جدول الأعمال، والتدخل في المداولات لعرض آرائها، وكذلك تقديم مقترحات كتابية للمجلس، وتوزيعها على الدول الأعضاء وأمثلة على هذه الفئة الغرفة الدولية للتجارة والكنفدرالية الدولية للنقابات الحرة، والرابطة الإسلامية الدولية وغيرها.

ـ الفئة الثانية: فهي التي تختص بمجالات معنية، ولها حق حضور جلسات المجلس، وعرض آرائها كتابة، والمشاركة في بعض الحالات بالمداولات.

وأمثلة على هذه الفئة منظمة العفو الدولية واتحاد الحقوقين العرب، جمعية القانون الدولي، المنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها.

ـ الفئة الثالثة: ويعبر عنها بالفئة المدرجة في السجل (Roster) فهي تلك الفئة التي يتوقع أن تساهم في تقديم العون للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وأن لها صفة استشارية في إحدى الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، وليس لهذه الفئة حق الحضور والاشتراك في المداولات، وإنما يجوز دعوتها حين الحاجة.

وأمثلة على هذه الفئة الاتحاد الدولي للقضاء، الفدرالية الدولية للصحفيين الأحرار، مجموعة حقوق الأقليات وغيرها.

ويبلغ عدد المنظمات غير الحكومية من الفئة الثالثة المبينة أعلاه والتي لها صفة استشارية في الوكلات المتخصصة قرابة الـ /270/ منظمة.

ولا تعامل المنظمات غير الحكومية بصفة عامة ومن وجهة نظر القانون الدولي معاملة المنظمات الحكومية حيث لا يتمتع موظفوها بالامتيازات والحصانات التي يتمتع بها الموظفون الحكوميون وممثلوا الدول لدى هذه المنظمات إلا أن بعض الدول تمنح تسهيلات خاصة لبعض المنظمات غير الحكومية ويحدد اتفاق المقر في الغالب نوعية وحجم التسهيلات التي تقدمها دولة المقر للمنظمة.

المنظمات غير الحكومية التابعة للجامعة العربية:

إن المواطن العربي حاول كثيراً وعبر سنين طويلة العمل من خلال مؤسسات العمل الأهلي التطوعي بكافة أشكالها.

وقد ساهمت هذه المؤسسات إلى درجة كبيرة في أن تكون رافداً هاماً وشريكاً أساسياً في حركات التحرر الوطني والاستقلال.

وقد صدرت تشريعات تلو التشريعات من قبل العديد من الدول العربية لتشكيل العديد من المنظمات ذات العمل العربي المشترك.

ولا يوجد أدنى شك لدى الباحث في المنظمات العربية المشتركة بأنها نشأت بأهداف نبيلة، وأغراض سامية، لخدمة طموحات الأمة العربية بتحقيق التقدم والاستقرار والعدالة.

فقد نصت غالبية الدساتير والأنظمة الأساسية لتلك الجمعيات والتنظيمات على أن هدفها الاستراتيجي هو الوحدة العربية، وأن منطلقاتها وبواعث وجودها إنما جاءت لوجود أرضية وقناعة مشتركة بأن البعد القومي هو أساس وجودها، وأنها تسعى فيما تسعى إليه إلى ترسيخ أفكارها الوحدوية عن طريق الممارسة الجادة. ولعل الأمر هنا لا يرتكز فقط على المؤسسين فحسب، ولكن هناك العديد من المنظمين لهذه الجمعيات والتنظيمات لازالوا يستمرون ويؤمنون بهذا الاتجاه على أساس أنه هدف استراتيجي وليس بنداً من البنود. وبالتالي فإنه لا مجال للتشكيك بالنوايا ـ حسب تصورنا ـ ولا مجال للتقليل من الإنجاز. ولكن المسار لم يكن سهلاً على الإطلاق، بل أن مسار تلك الجمعيات في سبيل تحقيق الهدف وما تصبو إليه كان كتقلبات الجو السريعة.

ولا زال الدور الذي تقوم به الجمعيات الأهلية على المستوى العربي ـ مع استثناءات بسيطة ـ دون مستوى الطموح الذي سطرته، لوائحها، ودساتيرها، وأنظمتها الأساسية، وهو السعي نحو ترسيخ الممارسة الفعلية لسلوك الوحدة عبر التنظيمات الأهلية العربية.

المداخلات والتعقيبات:

عقبة الناعم: لماذا الإصرار على تسمية الجمعيات الأهلية التطوعية والابتعاد عن مصطلح مؤسسات المجتمع المدني؟ , الواقع أن هذا المصطلح تعًرض بوقفة نقدية واضحة، فمنذ بضعة أشهر أقامت جامعة دمشق ـ قسم الدراسات الفلسفية ـ في كلية الآدابندوة حول المجتمع المدني والمشروع القومي, وقد حضر هذه الندوة عدد من الباحثين من سورية والوطن العربي، الواقع أنه لم نجد لدى كل الباحثين مفهوم نظري واضح لتعريف مؤسسات المجتمع المدني وعلاقة هذه المؤسسات مع الدولة. البعض يرى أنها تعمل خارج نطاق عمل الدولة تماماً، والبعض يراها تعمل كمتممة لعمل الدولة والبعض الآخر يراها تقوم بدور المراقب لأداء الدولة الواقع أنه وحتى الآن هذه المفاهيم غير واضحة.

وسؤالي هو في حال عدم استجابة الدولة لما تطرحه مؤسسات المجتمع المدني أو الجمعيات الأهلية وفي حال وجود تعارض أو عدم موافقة من الدولة وافتراق بين السياسات العامة للدولة وبين ما تطرحه هذه الجمعيات والمؤسسات ماذا يجب على هذه الجمعيات أن تفعل؟

محمود قيسانية: أنا غير مثقف، أنا فلاح من حران العواميد, ولديً سؤال: قبل أن نبدأ بالجمعيات وغيرها, هل الإنسان في الوطن العربي مواطن أم رعية؟، إذا كان مواطناً فيحقًُ له أن يؤسس جمعيات وأن يفعل ما يفعل، أما إذا كان رعيًة فأعتقد أنه لا يحق له أيً شيء.

مظهر جركش: أنا أقول أن أهم دافع للإنسان كي يتعاون مع أخيه الإنسان هو الدافع الإيماني, لذلك نرى أن معظم الجمعيات في العالم هي جمعيات خيرية إيمانية جاءت استجابةً لطلب من السماء, ففي الإسلام يقول الرسول عليه السلام( الإيمان بضع وسبعون شعبة أقلًها إماطة الأذى عن الطريق)، وكذلك (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)، إن الإيمان هو الدافع الأول والأخير والوحيد ليحرًض الإنسان كي يقوم بعمل خير دون أن يسعى منه لمكسب أو ظهور ، كنت أتمنى لو أشار السيد المحاضر إلى الدافع الديني, فقد أغفله رغم أهميته الكبرى.

أما قضية التأمينات الاجتماعية والتأمين والمعاشات فأرى أنها باتت مؤسسات تجارية, فالعامل يقتطع من راتبه 7% عدا الضريبة ويدفع رب العمل 14% من راتب العامل فيكون المجموع 21% وفي نهاية الخدمة يعطى العامل 10%, وأرى أنه لو أعطي ما أقتطع منه ومن رب العمل دفعة واحدة لقام بمشروع ما واستغنى عن الراتب التقاعدي ولعاش بحال أفضل من الحال الذي كان يتقاضى فيه راتبه وهو على رأس عمله.

د. عارف دليلة: الجمعيات هي إحدى تنظيمات المجتمعات الحديثة, وقد كان هناك سابقاً جمعيات التعاون في مواجهة أخطار الطبيعة مثل الكوارث والتعاضد للخروج من مأزق أو كارثة …إلخ, في المجتمعات المدنية تم تنظيم هذا التعاون، وقدازدهر المجتمع الرأسمالي بمقدار ما كان النشاط التعاضدي يتعمًق وينتصر ويتسع ويتطور، لماذا؟, ردأً على إهمال النظام الرأسمالي للإنسان، فقوانين الرأسمالية أدت إلى تهميش الأغلبية الساحقة من الشعب والناس والبشر, وأدت إلى تحويل الإنسان إلى آلة إنتاج, وبدأ البشر يتضافرون من أجل المساعدة المتبادلة, ولذلك نشأ الفكر التعاوني في القرن الماضي على أيدي عظماء المفكرين الاشتراكيين وغيرهم0 أول جمعية نشأت في هذا الإطار كانت في بريطانيا التي أصبحت الآن إمبراطورية اقتصادية ضخمة, إلا أنها إمبراطورية رأسمالية في جوهرها بنهاية المطاف، اجتمع الأعضاء لحل مشاكلهم إلا أنهم كانوا مجبرين في إطار النظام الرأسمالي أن يكيًفوا نظام عملهم وفق قوانين هذا النظام, وإلا لن تكون هناك حياة لهذه التنظيمات التعاونية0 حالياً نلاحظ هَبةٌ جديدة في المجتمع الرأسمالي من خلال الوعي لدى الناس, فبالأمس واليوم شاهدتم على التلفزيون المظاهرات الصاخبة في براغ، هذه هي عولمةُ نقيض العولمة التي كنا نتخوف منها ـ العولمة الأمريكية (الأمركة)- هذه عولمة الشعوب حيث يجتمع أبناء مختلف الشعوب لمحاصرة ممثليهم في هذه المنظمات الدولية التي تعتدي على حقوق الإنسان في كل مكان وهذه هَبةٌ جديدة من الوعي, لنقل أنها جانب آخر للعولمة، الجانب الخير من العولمة ، و بالطبع فأرباب العولمة لم يكونوا يخططون لذلك ولم يكن ينتظرون ذلك،فعندما يقوم أبناء العالم الرأسمالي ويرفعون شعاراً رئيساً اسقطوا الديون عن العالم الثالث ف\لك شيْ لم نكن نتخيله، كنا نقول سابقاً أن الرأسمالية تقوم برشوة شعوبها من أجل نهب الشعوب الأخرى, ولذلك خمد الصراع الطبقي بمجتمعاتها0 الآن أبناء المجتمعات الرأسمالية استطاعوا أن يقوموا بذلك ونحن غافلون عن مصالحنا، نحن لا نطالب بإلغاء الديون وهم يقومون ويحاصرون أرباب الرأسمالية العالمية ويطالبون القوى الرأسمالية الغربيةمن أجل إلغاء الديون عن الدول والشعوب الفقيرة.

لماذا تشهد تلك المجتمعات هبًة جديدة من الوعي بينما في مجتمعاتنا لا يستطيع البشر أن يدافعوا عن حقوقهم التي تنتهك من القوى المحلية والإقليمية والدولية صباح مساء، نحتاج إلى تفسير هذه الغيبوبة، إن السيد المحاضر لم يربط بين تغير نشاط هذه الجمعيات وتطور نشاط الدولة، فالدولة التي أرادت أن تغًير البشروتبعدهم عن مسؤولياتهم لفترة طويلة من الزمن, فحلًت الأجهزة الحكومية، ثم أرادت أن تقنع البشر بأننا نحن الأفضل00نحن المسؤولين في الأجهزة الحكومية الأفضل في خدمة وتحقيق أماني وطموحات وتحسين ظروف الشعب, لكن الآن لم يعد ممكناًالدفاع عن مثل هذه النظرية التي تقول بأنه يمكن للدولة أن تحل محل المجتمع, وبالتالي لا يمكن للمجتمع أن يبقى غائباً لأن الدولة فشلت في حل مشاكل المجتمع بل أصبحت هي السبب الرئيسي في المأزق الاجتماعي والاقتصادي الذي تعيشه الجماهير. كيف يمكن أن تعود حالة من الاعتراف بالآخر, فالمجتمع يعترف بدور الدولة ولا يمكن إلغاء هذا الدور، أيضاً على الدولة أن تعترف بالمجتمع بدلاً من محاولتها ابتلاعه أو الحلول محله, فيجب أن نعطيه كل ما يحتاجه من دعم ليعود الربيع مزهراً ويعود المجتمع لحياته ونشاطه.

في سورية 550 جمعية و17 مليون نسمة 0هذا أمر لا يذكر ، لماذا 550 جمعية فقط؟ كم عدد الأعضاءفيها؟ ما هي الخدمات التي تقدمها؟ يجب أن يكون هناك5500 جمعية, بدلا من 550جمعية, لأنه منذ زمن طويل صدرت توجيهات, بالرغم من وجود قانون سار وصدرت تعليمات غير مكتوبة وغير معروفة المصدر تعطل القانون كما تم تعطيل بعض مواد الدستور وأوقف العمل بها.

قانون الجمعيات ينص على أن أي جماعة تريد إنشاء جمعية فيجب أن تضع نظاماً داخلياً وفقاً لنص القانون وتتقدم به لديوان وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل, وخلال 30 يوماً, إما أن يصدر قرار الترخيص الرسمي أو لا يصدر وتعتبر الجمعية وفقا لذلكمرخصة قانونياً وهذا القانون ساري المفعول حتى الآن، ومع ذلك حاولنا تأسيس جمعية قبل سنوات عدة وقمنا بتنفيذ كل الشروط القانونية ووضعنا النظام الداخلي وسجلناه في ديوان وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وقابلنا الوزير ولم يرد علينا أحد, ونحن بحكم القانون نعتبر أنفسنا مرخصين غيرأننا فعلياً ممنوعين من العمل. نحن بحاجة إلى إصلاحات جذرية في موقفنا من العمل الأهلي والتطوعي0لقد شوهت أهم حركة تعاونية في سورية، شوهت تشويهاً فظيعاً عندما حولت لأجهزة بيروقراطية تدار من قبل مديريات ووزارات وموظفين، فالجمعيات التعاونية الآن يفر منهاالمجتمع وكذلك الجمعيات السكنية والزراعية إلخ . . نفروا منها لأنها بدلاً من أن تكون قادرة على حل المشكلات التي يعانوا منها أصبحت عبئاً عليهم وامتصت كل مدخراتهم وتسلط عليها مجالس إدارة قامت بنهب مدخرات الناس, والجمعيات الفلاحية الزراعية تسلط عليها أيضاً مجالس إدارة حولت القروض من المصرف الزراعي إلى قلة من الأعضاء وحرم الآخرون، هناك الآن نكسة ضخمة جداً للعمل الأهلي  والجمعيات التعاونية والسبب الرئيسي لهذه النكسة, كما قلنا, الهيمنة الزائدة عن الحد للبيروقراطية الحكومية التي أخمدت التعاون الفطري لدى الناس, وبالتالي قالت لهم أجلسوا في بيوتكم, نحن نقوم عنكم بكل ما هو مطلوب, وبدلاً من أن يقوموا بما هو مطلوب قاموا بعكس ما هو مطلوب, نحن نحتاج إلى وعي جديد أولاً وموقف جديد من قبل السلطة من كل أشكال العمل الأهلي لإحياء النفوس الميتة بسبب التراكمات على مدى سنوات طويلة.

جلال نوفل: الواقع أن الدكتور الحلبي تحدث عن تفصيلات مهمة عن الأمم المتحدة وعلاقتها بالجمعيات الأهلية والجمعيات المحلية والجمعيات غير الحكومية، المشكلة هو في إشراف الدولة على هذه الجمعيات في سورية، وعندما بدأت الدولة بالإشراف على الجمعيات نشأت مشكلتان : الأولى تهميش الجمعيات وبالتالي تهميش كافة مؤسسات المجتمع المدني ونتحدث الآن عن إحياء مؤسسات المجتمع المدني فهل سيكون هذا الإحياء من خلال الدولة؟, والمشكلة الثانية ما هي الجمعيات الطوعية التي كانت موجودة ومن خلال الاشراف عليها تم تهميشها لصالح أجهزة الدولة, لم تتحول إلى جمعيات أهلية وإنما تحولت لأشكال كثيرةمن النهب. لم نعرف حتى الآن ما هو الإطار التي وضعته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل لها؟ قد يكون هذا الإطار موجود قانونياً,ولكن لا علم لنا به ولكن في الوقت نفسه هذا الإطار قد قيد عمل الجمعيات، فجزء من الشروط والمعوقات التي تحدث عنها المحاضر هي لا تتكلموا… لا تتجاوزا الخطوط الحمر.

إن آلية التدخل في عمل الجمعيات وتمويلها وتحويلها لأجهزة هذا الشيءهو الذي يجب التوقوف عنده وعدم تجاوزه.

الدكتور وليد البني: قد لا تكون المحاضرة ملبية لطموحات الناس بغض النظر عن فائدتها, الناس جميعاً يريدون مناقشة المجتمع المدني في سورية. وهل هو موجود أو غير موجود، كيف نستطيع أن نفعل هذا المجتمع؟.

من خلال المحاضرة استمعنا إلى لمحة تاريخية عن المنظمات الأهلية والمجتمع المدني في سورية وغيرها وأردت أنا أن يكون هناك مقارنة بين علاقة شكل النظام مع جمعيات المجتمع المدني وتطورها ونموها، ونسأل هل استطاعت تلك الجمعيات أن تؤدي الأغراض التي أرادها لها المجتمع المدني؟ هل كانت الجمعيات الأهلية في سورية بهذا الخمول الموجودة فيه الآن قبل عام 1958 عندما كان هناك هامش ديمقراطيي مقبول،  هل ضعفت فاعلية هذه الجمعيات عندما وضعت  تحت إشراف الدولة وتحت وصايتها, هل كان هناك خلط بين الدولة والسلطة؟ أن إشراك الدولة لم يكن بالأمر الجيد، أليست الدولة هي مجموع السلطة زائد مؤسسات المجتمع المدني من جمعيات أهلية وأحزاب ومنظمات أخرى؟..

أصلان عبد الكريم: ما العلاقة التي يجب أن تكون بين الحقلين الاجتماعي والسياسي؟, وهل ما يقوم به الحقل الاجتماعي هو فقط ما تتخلى عنه آليات الحقل السياسي وتعجز عنه فتتركه وتتخلى عنه أم على العكس تماماً؟, يجب بناء المجتمع المدني بآليات تشكل نواة لبنى المدارس وأنشطة الإدارة والعمل وصولاً إلى الإدارة الذاتية على صعيد المجتمع ككل، لابد من وجود أداة تعبر بالضبط عن الناس والدولة أياً تكن هذه الدولة ومهما تكن ديمقراطيتها ولو كانت في أحسن حالاتها مثل السويد والنرويج وفلندا, لابد لها أن تذهب المذهب التاريخي في نهاية المطاف.

هناك ملاحظة هي حرب المصطلحات التي نسمع بها, يقول بعضهم أن من يتحدث عن المجتمع المدني لا يَعرفه ولا يُعرفه ونريدالوصول إلى تعريف محدد له وعلينا أن نأخذ بعين الاعتبار المسافة الفاصلة بين منظمات وجمعيات قامت ما قبل الرأسمالية وبين منظمات واتحادات قامت فيما بعد الرأسمالية.

هل يمكن القيام بنوع من المقارنة أو المشابهة أو المماثلة بين العضوية البيولوجية والعضوية الاجتماعية؟ وأقول مشابهة وليس مماثلة وبالتالي ما الذي يمكن أن تقدمه مؤسسات المجتمع المدني للمجتمع؟ وأخيراً العلاقة بين المركزية واللامركزية, ففي العقود الأخيرة بنيت  العلاقة بين السلطة والمجتمع على المركزية ونحن نعلم جيداً أن المجتمعات الحديثة التي تكون فيها المتجمعات المدنية قد تطورت ونمت ووصلت لأرقى الدرجات هي بالضبط تلك التي بدأت تتجه نحو اللامركزية كفرنسا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا…

ثائر سلوم: طرح الدكتور المحاضر عدة قضايا, جميعها تثير أشياء كثيرة جداً، أنا أعتقد أن المحاضر تناول موضوع الجمعيات الأهلية ودورها في التنمية مع أن عنوان المحاضرة يشير بشكل واضح وصريح الىدور هذه الجمعيات من أجل التنمية, والتنمية هي شعار سياسي واقتصادي بنفس الوقت, ولا نستطيع أن نعزل دور هذه الجمعيات عن الأهداف التنموية كونها قد تسد فراغات معينة في المجتمع.

 وما دامت المسألة تعتمد على التطوعع بمعنى أن الإنسان الذي يقوم بمهامه في الجمعية الأهلية يمتلك عملا آخر يستطيع أن يكسب لقمة عيشه منه. ولكن في وضع اقتصادي صعب حيث المواطن يعمل دائما عدة أعمال وكل ساعات وقته مشغولة، فانه لا يملك وقتا للفراغ كي يقوم بهذا الدور الذي تتحدث عنه, والسؤال بشكل مباشر كيف نستطيع أن نفعل دور الجمعيات الأهلية في ظل وضع اقتصادي كهذا, نستطيع أن نتحدث عن أفكار يمكن أن تطرح فأنا أعتقد أن المنظمات الشعبية في سورية بعيدة عن النشاط السياسي الذي نعرفه جميعا, ودورها الاجتماعي مطروح في إطار التنميةوتحديداً  هي تمارس هذا الدور بشكل أو بآخر, لكنها تعتمد في عملها على الشرائح الذين هم في سن المراهقة ومازالوا بعيدين عن المسؤوليات العامة,فهل نريد جمعيات أهلية لمراهقين أم نريد جمعيات أهلية لها أهداف حقيقية ؟في الحقيقة أن الذي ذكره المحاضر عن الجمعيات الأهلية في سورية قد أثارني وفاجئني فعدد الجمعيات الأهلية توقعته أقل بكثير من ذلك. فما هو الدور الذي تقوم به هذه الجمعيات؟ هل قامت بأعمال معينة؟ هل سدت فراغات معينة في المجتمع؟ هل فعلاً قد حققت أدوارها التنموية؟.

رياض سيف: لابد للعمل الطوعي أن يعتمد على الحاجة الفطرية عند الإنسان التي تكمن في العطاء فالعطاء حاجة فطرية يمكن أن تحفز وتحرض بفعل المحيط الاجتماعي والمعتقدات والعادات والتقاليد، لكن الذي نتوقع منه العطاء, لابد أن يملك على الأقل شعورا بذاته فالإنسان الذي يجب أن يعطي يجب أن يحترم نفسه أولاً فهو يعطي فائض ما يحتاج0 فلا يمكن أن أكون محتاجاً لرغيف خبز وأنا أعطي الرغيف. إن العطاء بتصوري بحاجة إلى مناخ ديمقراطي من حرية التعبير والحريات السياسية, وهذا ضروري وبحاجة أيضاً لمجتمع منظم, فأنا عندما أريد أن أعطي يجب أن أعرف أن العطاء ذهب إلى المكان الصحيح أي أن لا يذهب إلى غير الهدف الموضوع له.

وأركز على ناحية الصدقات، وفعل الخير شيء جميل جداً تحرض عليه وتدعو له الأديان, لكن يجب أن لا يكون بالنتيجة مصدر إذلال لفقير نحن أفقرناه بالذات، أنا بالأساس قبل أن أعطيه صدقة أقول له أي نوع من الصدقات تريد, وهذا لابد أن يترك عند المتلقي نوعا من الدونية، فأنا قبل أن أعطي الصدقة علي أن أعطيه حقوقه كاملة, وبعد ذلك لا أقدم له صدقة إذا لم يكن هناك عجز أو ظرف طارئ أو حالات قاهرة0 نحن نعطيه معونة وهذا حقه في مجتمع متضامن, أما في كثير من الأحوال فالصدقات تتحول إلى نوع من الإذلال وهذا طبعاً شيء نرفضه جمعياً حتى الأديان ترفض هذا النوع من الإذلال للإنسان الذي كرمه الله.

محمد سعيد الحلبي: الجمعيات هي عنصر من ضمن قائمة عناصر أخرى تكون المجتمع المدني, الدكتور برهان غليون يقول وأنا معه أن عناصر المجتمع المدني هي النقابات والنوادي والعشائر وتجمعات أهالي الحي فكلها عبارة عن مكونات تسهم فيالمجتمع المدني، وهناك نقطة حساسة جداً يدور حولها الجدل, وهي هل الهيئة غير الحكومية تلغي دور الدولة أو تسهم وتكمل دور الدولة، يعني عندمانقول هيئة غير حكومية فيجب أن تكمل تحديداً دور الدولة، الدولة تتناول المهام الأساسية العامة ويساعدها تكوينات المجتمع المدني وهياكل المجتمع المدني بما تتوافر لديه من إمكانات مالية ومعنوية وخدمية, قد يخالفني من يعتبر الدولة في جهة, وهذه المكونات والتشكيلات في جهة أخرى, وأنا أعتقد أنه يجب أن يكون هناك تشخيص واقعي للجمعيات.

ذكر أحد الحضور أن المواطن يفعل ما يشاء في الدولة العصرية وأنا لا أوافق علىهذا القول, وأساساً لا يوجد منطق يسمح أن أفعل ما أشاء في الدولة العصرية, وإلا فسنعود إلى القرون الغابرة حيث الكل يتصرف على هواه.

يجب أن لا يغيب عن ذهننا أننا  في سورية ومنذ عام 1963 اتخذنا نظام هيكلي يعتبر أن الدولة هي كل شيء في حياة الناس وذلك لأسباب ومعايير وفلسفات وتقاليد ننتهجها الآن.

كان التخطيط من القمة للقاعدة في هيئة تخطيط الدولة وكنا في الأعوام67ـ68ـ69ـ70ـ71 وراء مكاتبنا في الهيئة نضع ماذا يدخل وماذا يخرج وكل يعمل في اختصاصه, ثم ظهرت الحاجة لمشاركة المجتمع, فالنظام الشمولي لا يعترف بأهمية الجمعيات ومن هنا جاء البديل وكانت المنظمات الشعبية البديل لهذه التشكيلات التي نحيي ذكرها الآن.

في بداية المرحلة وخلال عملي في هيئة تخطيط الدولة كان لهذه المنظمات نبض بنقل أحاسيس ومتطلبات الفئات التي تمثلها المنظمات وترفد خطة الدولة وأهدافها وسياساتها إلا أنه بعد فترة تحولت هذه التنظيمات إلى مرتبةأعلى من الدولة ولم تعد تحتل مرتبة تستطيع الدولة من خلالها أن تعرف رغبات الناس وأحاسيسهم ومتطلباتهم وظروفهم وذلك لسبب أو لآخر فقبل 25 سنة لم يكن هذا الحديث وارداً على الساحة لأن هناك تنظيم للدولة وهي المخولة بالحديث أو المساهمة بمثل هذه الأشياء0 عندماكانت توضع الخطط كان يجلس ممثل المنظمة (عمال، فلاحين، طلبه،…إلخ) لينقل رغبات الشريحة التي يمثلها، وعندما كانت للجمعيات في الخمسينات دور المنظمات كان لها دور فعال بحسب مهامها، كان المجال الخيري الذي له صفة المساعدة والمواساة هو الغالب على أشكال الجمعيات وأعتقد أن هذه المسؤولية هي مسؤولية الدولة وتحولت هذه المهمة فعلاً للدولة وأصبحت الدولة تمنح هذه الجمعيات إعانات مالية تتراوح ما بين 100 و200 ألف ل.س توزع حسب قرب الجمعية من وزير الشؤون الاجتماعية والعمل وحول المركزية واللامركزية فقبل قرن كانت الحاجة ماسة لقوة الدولة والسلطة القوية وحالياً توسع دور الدولة وتوسعت مهامها وأصبحت هي المسئولة والراعية والموجهة وتضخمت مهام الدولة وأقول أنه في الستينات كان عدد سكان سورية ما بين 5ـ6 ملايين نسمة فكانت قيادة الخمسة ملايين تختلف عن قيادة الـ 17 مليون حيث تمتلك الدولة نمطاً سياسياً في الحكم يمكنها بكل سهولة ويسرمن توجيه المتطلبات الحياتية للناس, وكانت الدولة تقود هذه العملية براحة أما فيما بعد ومع زيادة رغبات الناس لأنماط لا حدود لها وزيادة طلباتهم بأكثر مماتستطيع الدولة أن تعطي قامت تشكيلات تساعد الدولة في أداء مهامها وأدوارها في كافة النواحي الاقتصادية والمعاشية.

إن أكثر الجمعيات فاعلية هي الجمعيات التي لها نفس ديني فصندوق العافية له إنجازات نفخر بها وتعجز عنها وزارات بكاملها أوحتى أكثر من وزارة، فبحس ديني تقوم مجموعة متطوعة بالاتفاق مع أطباء ومستوصفات ومشافي لمعالجة الفقراء من خلال هذا الصندوق-الجمعية، وأعتقد أنه مثل هذه النشاطات يجب أن تشجع من أجل رفد جهود الدولة والحكومة لتنمية المجتمع بشكل عام.

مشكلات الجمعيات الأهلية العربية في إطار العولمة*

محمد جمال باروت**

رياض سيف: في البداية أودُّ القول أننا نقف بانفعال لما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأنا عاجزٌ عن التعبير عما يجيش بداخلي وبداخل كل إنسان من غضب وشعور بالاستغلال واستباحةٍ الكرامة بإصرار من قبل كلِّ القوى العظمى، إذإنه عندما يتمُّ الحديث عن وضع الشعب الفلسطيني فإن كل المعايير والموازين عندهم تختلف، فالطائرات والدبابات والجنود والبنادق تتصدى لمواطنين عُزَّل يقاومون بالحجارة. وحتى الآن لا أحد يحرك ساكناً، حتى الدول العربية لم تتحرك بالشكل الذي يُمليه واجبها، ونتمنى أن تتحرر الشعوب العربية وتمتلك إرادتها، فالشعوب وحدها القادرة على إصلاح هذا الخلل، فالشعب المكبّل لا يستطيع أن يقدّم أيَّ شيء، فما نشاهده داخل الأرض المحتلة من اندفاعٍ نحو الموت رغم سيل الدم يعكسبإصرار النتيجة التي تقول أنه لابد من تحرير فلسطين. إن الشعب الفلسطيني الذي عانى أكثر من أي شعبٍ آخر لا زال يتحلّى بالإرادة والإصرار على الصمود في أرضه وتحريرها من المحتل، وبهذه المناسبة نقرأ الفاتحة على أرواح شهداء فلسطين، ونتمنى أن يكون النصر حليفهم، وأن يكون كلُّ عربيٍ ومسلم نصيراً وسنداً لهذا الشعب بكل ما يستطيع.

محمد جمال باروت: سأدخل في الموضوع مباشرةً مُثيراً مسألة العلاقة ما بين عمل الجمعيات الأهلية في المجتمع العربي وبين الحديث عن المجتمع المدني، وقبل ذلك لابد من التوقف عند هذا المفهوم قليلاً في محاولة نصف أكاديمية لا تُخفي الهم الجوهري لهذه المحاضرة في التطلع إلى وجود مجتمع مدني حقيقي وفعال ونابع من إرادة وطنية مستقلة تقوم على مبدأ الخير العام الحقيقي. إن هذا المفهوم حتى نُزيل السحر عنه نُشير إلى عدم وجود تعريف عالمي له، وتشكلّه في تاريخ الفكر السياسي قبل القرن الخامس عشر يدلُّ على طابعه المفتوح، وبالتالي ليس أمامنا سوى أن نسلّم بالدلالة الملتبسة والمتناقضة والمفتوحة لهذا المفهوم، وأنه ليس معطىً مرة واحدة بل هو مفهوم تاريخي صرف يمكن التدخل فيه أو تغييره أو إصلاحه وحتى التلاعب به، فهل المجتمع المدني يساوي المجتمع الحديث، أو بشكلٍ أدق المجتمع البورجوازي الذي يقوم على الاندماج القومي أو الأموي (نسبة إلى الأمة) أو ما يسمى بالعلوم الاجتماعية بتكامل الأمة. أم أن لكلِّ مجتمع مجتمعه المدني الخاص به، ما طبيعة العلاقة ما بين العائلة والدين من جهة وبين ما نسميه بالمجتمع المدني؟ هل تُعتبر البيئات  والروابط العائلية مجتمعاً مدنياً أم أنها تقع خارجه؟، هل هناك إمكانية للحديث عن مجتمع مدني في مجتمعات ما قبل الحداثة؟، أم أن الأمر لا يعدو في تلك الحضارات سوى مجتمعاتٍ أهلية كما يفترض البعض، تقوم على الروابط العامودية والتاريخية والعائلية والعشائرية والجهوية، في حين أن هذه الروابط المدنية في الرؤية السوسيولوجية والمحدودة والفقيرة أفقية طبقية، لو شئنا أن نمضي في سلسلة التساؤلات والإشكالات هذه لوجدنا أنفسنا أمام قائمةٍ طويلة منها لا تُفضي بالضرورة إلى التيقن بقدر ما تُفضي إلى مزيدٍ من الالتباس، ولعلَّ هذا الالتباس ما يفسر الاستخدام الكثيف لهذا المفهوم من قبل فاعلين اجتماعيين مختلفين ومتعددين ومتناقضين، فيستخدمه إسلاميون مثلاً كالتونسي راشد الغنوشي وماركسيون جدد وليبراليون وقوميون وخلافيون وموظفون حكوميون وحكومات، حتى أن الجنرالات الجزائريين يستخدمونه أيضاً، كما يستخدمه في بعض البلدان منظّرون للفساد والاستبداد بمعنى عكسي أي بمعنى النقيض، وتُعطي مضامين الاستخدام لهذا المفهوم من قبل كلِّ الفاعلين وظائف ملموسة تتصل بوظائف المفهوم نفسه أكثر مما تتصل بالمفهوم بحدِّ ذاته، مما أعطى المفهوم صفة الأسطورة الأيديولوجية التي تشعُّ بقيمٍذهبية دينامية، ومن ناحيةٍ تاريخية صرفة فإن استخدام المفهوم في الفكر الغربي نفسه قد انحسر بين عام 1850 ونهاية الحرب العالمية الأولى إلى أن أحياه غرامشي بمضمونٍ مختلف كلياً عن المضامين التقديرية، ويقوم بشكلٍ مكَّثف ومختصر على نقل المفهوم من الفضاء الاقتصادي إلى الفضاء الأيديولوجي.

إثر انهيار المنظومة السوفيتية وانهيار الحرب الباردة أُعيد تنضيد هذا المفهوم، أو حاولت الإدارة الأمريكية إعادة تنضيد هذا المفهوم في إطار السياسة الليبرالية الجديدة أو في إطار العولمة، أما في المعجم السوسيولوجي والسياسي العربي فُتشير تتبعاتي إلى أن هذا المصطلح ظلَّ غائباً عنه حتى نهاية السبعينات على الأقل، باستثناء الإشارات المحددة في كتايات ياسين الحافظ، مع أن الحافظ يستخدمه بمعنى المجتمع البورجوازي أو المجتمع القوموي أو الأموي، ولعل استخدامه وبكثافة قد تمَّ في أواسط الثمانينات في كلٍّ من تونس ودمشق، ففي تونس استُخدم المفهوم ليدلَّ على التحول من فضاء الحزب الواحد الذي احتكره الحزب الدستوري إلى فضاء التعددية السياسية إثر تغيير 1987 الذي أتى بزين العابدين إلى السلطة، أما في دمشق فتكثَّف استخدامه في إطار مشروع “قضايا ومشاهدات” الذي صدر منه ستة أعداد، وكان لي شرف المساهمة في جميع أعداده، ولم يكن استخدامنا لهذا المفهوم في إطار مشروع قضايا ومشاهدات على خلفيتنا اليسارية والماركسية السابقة متصلاً بأيِّ دعوى من الدعاوي الليبرالية الجديدة بقدر ما كان متصلاً بمفهومٍ نقديٍ جديد للماركسية يربط ما بين الديمقراطية والاشتراكية، واستخدمه البعض بمن فيهم أنا جزئياً وفي تلك الفترة كمفهومٍ أداة في مواجهة الأصولية الإسلامية، ومن ثمَّ تحوّل هذا المفهوم إلى مجالٍ للتلاعب الأيديولوجي والسياسي من قبل فاعلين متناقضين ومختلفين، مهما يكن من التباسٍ في هذا المفهوم، فإننا كي ننزع السحر عنه سواء أكان هذا الالتباس في استخدام الفكر الغربي، أو في الاستخدام السوسيولوجي والسياسي العربي الملتبس اليوم، فإنَّ الحد المشترك ما بين مختلف تعاريف المجتمع المدني يُجمع على أن المجتمع المدني هو جملة الهيئات والمؤسسات والتنظيمات المستقلة نسبياً عن الدولة، ومن الملاحظ أن هذا التعريف أيديولوجي إجرائي، ومتحرر من المفاهيم الخلافاوية التي تواجه بين المجتمع المدني وبين المجتمع الأهلي، وتُمرر سيطرة النخبة على ما يُسمى بالأقلية المحافظة، وأقليّة معادية للتحديث أي إعادة  إنتاج دور النخبة في التراتبية الاجتماعية والقيادية بالضرورة تحت مسميات المجتمع المدني والأهلي كما جاء في أطروحات بعض الماركسيين الأمريكيين، ومهما يكن الأمر فإن هذا المفهوم الإجرائي قد ساد الآن، وحتى نعرّف مستوى التغيّر السياسي حول هذا الأمر يكفي أن نُقارن ما بين تعريف معجم فيدريه في السياسة ما بين عام 1970 حين عرّفها بأنها علم حكم الدول وما بين تعريف معجم وبير عام 1962 بأنه فنُّ حكم المجتمعات السياسية، والمجتمعات السياسية هنا لا يمكن أن تقوم بدون مؤسسات المجتمع المدني، لقد ارتبط هذا المفهوم بالمختصر وعلى نحوٍ محدد بتكوّن الدولة الحديثة وتطورها وإن خفَّ استخدامه في فترةٍ زمنية طويلة نسبياً في الفكر الغربي.

من هنا ليس المجتمع المدني عبر علاقته بقشرة الدولة الحديثة مضاداً بالضرورة للدولة، إذ تبيّن بعض جوانب تاريخ العلاقة بينهما أنهما مجالان ملتحمان أشدَّ ما يكون الالتحام مهما تبدّى للناظر من افتراق وتباعد للوهلة الأولى، ومصدر هذا الافتراق الظاهري يعود إلى أن المجتمع المدني لا يكون كذلك إلا إذا كان مستقلاً نسبياً عن الدولة وفي إطار بيئة إدارية قانونية حديثة عصرية فعالة تدعم هذا الاستقلال، وتمكّن بالتالي أعضاء المجتمع المدني من المشاركة السياسية والمجتمعية وتبادل الخبرات والمنافع العامة أو العمل من أجلها. إذاً المجتمع المدني ليس مضاداً للدولة بل متميزاً عنها، التضاد شيء والتميّز شيئٌ آخر. إذ إن التمايز يعني فيما يعنيه التكامل ما بين فاعلية مؤسسات المجتمع ومبادراته الطوعية. واليوم في الفكر الغربي الحديث وكمُزيلٍ للنتائج السلبية للسياسات الاقتصادية للدولة الحديثة لاسيّما في ظلِّ هيمنة الرأسمالية الحديثة القائمة على أغلب توجهات العالم اليوم، فإنه لم يعد هناك من تصوّر يقوم على أن المجتمع المدني مضاد للدولة، بغضِّ النظر عن أولئك الذين يحاولون تصوير هذا الموضوع لتعطيل أيِّ انفراج أو إصلاح ممكن، فهذه الصورة أحاطت بهذا المفهوم وإن كانت ترتكز على بعض الخبرات العملية المحددة والمفهومة والمشروعة نسبياً في بعض البلدان التي لم تستطع دولها أن تطوّر بنية تشريعية قانونية مناسبة لمجتمعٍ مدني. وكقاعدة يمكن القول أن الدولة المنتشرة الوظائف تُضيّق عموماً مجال المجتمع المدني، إذ إن هذا النمط يرتبط بالمفهوم الهندسي الكلّي لقطاعات المجتمع في حين أن نمط الدولة محدودة الوظائف يوسّع عموماً مجال المجتمع المدني ويوسع المبادرات الطوعية في الكثير من القطاعات التي تعتبرها الدولة المنتشرة الوظائف قطاعاتٍ تحتكرها الدولة، ارتبط النمط الأول تاريخياً وحتى اليوم كما يعرف معظمنا بأولوية الحقوق الاجتماعية والاقتصادية على الحقوق السياسية بمعناها الليبرالي الحديث، في حين ارتبط النمط الثاني بأولوية الحقوق السياسية على الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، وانهيار المنظومة السوفيتية أدى إلى تغييرٍ كبير في نمط الدولة المنتشرة الوظائف التي تُعطي الأولوية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وإجراء تسويةٍ ما بين الحقوق الديمقراطية والسياسية تبدو مستعصيةً على الحل مع أن التسوية يجب أن لا تكون مستحيلة، وحتى وقتٍ قريب في العالم الثالث سواءً في إطار المنظومة الغربية التقليدية أو في إطار المنظومة السوفيتية في ظلِّ الحرب الباردة كانت تركّز هذه الدولة على دور الدولة في التنمية، أي نمط الدولة المنتشرة الوظائف والذي خالفها النموذج البورقيبي التونسي والنموذج التركي الأتاتوركي في الفترة الأتاتوركية.

يقول آلان غريش في المقال الرئيسي له في اللوموند دبلوماتيك في آب الماضي أن الولايات المتحدة أعلنت انتصارها على الشيوعية بانتصار مفهومها عن الديمقراطية المخلّص على حد تعبيره، ومع أنه يعيد انتصار النمط الديمقراطي المنمط إلى ما قبل ذلك ويُحصي انتقال 113 بلداً من النظام التسلطي إلى النظام التعددي بين 1970ـ1999، فإنه يرى أن هذه الديمقراطيات ليست إلاّ من نوع الديمقراطيات التي تتبنى حرياتٍ شكلية، وهو يذكرّنا بالمؤتمر الذي رعت واشنطن انعقاده بين 25ـ27 حزيران 2000 في برصوفيا والذي ضمَّ دولاً ديمقراطية واشتمل على دولٍ ديمقراطية  بالاسم فقط وذلك لأنها صديقة الولايات المتحدة الأمريكية، إلا أن ذلك لا ينفي أن الأمر اليوم يدور حول مجتمع مدني في إطار الدولة القومية الذي قام عليه نظام الدولة منذ ثلاثة قرون، ومازال يقوم حتى اليوم رسمياً كوحدةٍ تُنظَّم بعلاقات دولية، وبقدر ما يدور الحديث اليوم عن مجتمع مدني عالمي متعدد القوميات فإن ذلك يتم بفعل العولمة كما وتتشكل المنظمات الغير حكومية كقاطرة أو كعمود فقري لهذا المجتمع المدني العالمي الذي يجري الحديث عنه تحت اسم القرية الكونية.

في الواقع إن دور المنظمات غير الحكومية ليس جديداً، فعندما عُقِدَ اجتماع فرنسيسكو لإعلان ميثاق الأمم المتحدة دعت الولايات المتحدة ممثلي المنظمات غير الحكومية، لكن دور الجمعيات غير الحكومية في سورية ومصر مثلاً مختلف عن دورالجمعيات والمؤسسات الخاصة كما تسمى في بعض البلدان.

إن هذا الدور لم يتضح إلا منذ حوالي عامين أي بعد غياب المنظومة السوفيتية و انتصار الليبرالية الجديدة، أو بشكل مختصر لم يتضح دورها ولم يضخّم دورها ولم تعطى الدور الأساسي إلا في إطار العولمة، وقد عززت الأمم المتحدة من خلال قمم البيئة والمرأة وحقوق الإنسان أهمية هذا القطاع المسمى بالمنظمات غير الحكومية بوصفه القطاع الثالث ما بين الدولة والقطاع الخاص، إذ يتكون من أجل المنافع العامة ولا يتوخى الربح، ويقوم على معالجة سلبيات السياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة،ومن هنا يرى البعض أن تعميق بنية المنظمات الأهلية وغير الحكومية إنما هو آلية لتعميق التوجه الرأسمالي للتعامل مع الآثار السلبية لهذا الوجه ولضمان حد معيّن من عدم انفراط العقد الاجتماعي، وثمة مؤشرات على أن الأمم المتحدة بتأثيرها في مؤسساتها ولجانها المختلفة ولاسيما منها لجنة التنمية والثقافة أخذت تتبنى هذه الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة للمنظمات الغير حكومية وما يتعلق منها بمفهوم المجتمع المدني، وأصبحت تتبنى أيضاً مفهوم تضاؤل السيادة وإعادة النظر جذرياً بمفهوم السيادة الذي لا يزال يمثّل قاعدةً في نظام الدولة-الأمة.

لا علينا من الأمر، إن التكتلات العولمية على المستوى الاقتصادي يقابلها المجتمع المدني المسمى كذلك على المستوى العالمي، مثل شبكات المتطوعين وشبكات المرأة والبيئة، وفي هذا السياق ظهرت الشبكة العربية للمنظمات الأهلية وغير الحكومية، كما أن الشبكات الاقتصادية الجديدة وهذا ما يُريد البعض أن يُدركه يقوم على تبني جزء من هذه الليبرالية الجديدة مثل إعلان برشلونة عام 1995، الذي ينصُّ على دعم أطراف الشراكة للمجتمع المدني ودعم الديمقراطية وحقوق الإنسان، وينص أيضاً على حق الاتصال ما بين أطراف المجتمع المدني وأطراف المنظمات غير الحكومية دون المرور بقناة الدولة وهذا ما تطبقه الولايات المتحدة بغضِّ النظر عما تطبقه الدولة المضيفة، مثلاً سفارة الولايات المتحدة عندما تريد عقد اتفاق مع موظف حكومي تتجاوز قناة الدولة.

هذه العولمية التي طُرِحت لأول مرة على صعيد المنظمات غير الحكومية كانت في إطار التشكيلة السيادية للدولة-الأمة، ومسألة التشكيل ما بين هذه المنظمات وما بين تشكيل الشبكات العالمية. وأصبحت هناك قضايا معولمة مثل قضايا المرأة، وآثار ذلك عربياً لم يكن يسيراً، ففي منتصف التسعينات كان هناك 95 منظمة نسائية في إطار عولمة موضوع المرأة كما أصبح عدد هذه المنظمات في عام 2000 أكثر من 200، أما على صعيد منظمات حقوق الإنسان فإنه كان في مصر عام 1983 منظمةوحيدة هي فرع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان، وهذه المنظمة بالمناسبة قامت بإرادة وطنية مستقلة للمثقفين المصريين والتقدميين العرب، وكانت حذرة جداً تجاه مسألة التمويل الأجنبي وحذرة جداً في التعامل مع المنظمات الدولية المهتمة بحقوق الإنسان ولاسيما الفيدرالية المتهمة بموالاة الصهيونية واتخاذ الموقف الشوفيني من العمال المغاربة والجزائريين في فرنسا. ففي مصر وحدها مثلاً ارتفع عدد هذه المنظمات إلى حوالي 26 منظمة وهذا الارتفاع لم يكن ممكناً بدون مسألة التمويل، فالمنظمة المصرية في عام 1994 مثلاً وعبر تدفق التمويل استطاعت فتح المزيد من الفروع والنشاطات، غير أن الجدل فيها كان حاداً بين من يريدها منظمة وطنية تحترم النسبية الثقافية، وآخرين رفضوا حكم الإعدام مثلاً كنوعٍ من التكيّف مع شروط المنظمات الدولية. وهذاما أدى إلى انسحاب مجموعة مهمة من الناشطين فيها، كحلمي الشعراوي وآخرين، وهذا يشير إلى تعقيدات عمل الجمعيات الأهلية ما بين ضغوطات المنظمات الدولية وضغوطات المشاكل الناجمة عن التشكيلة الوطنية.

إن المجتمع المدني العولمي والمنظمات الأهلية لم تكن إذاً إلا تعبيراً عما يمكن تسميته بالعولمة الاجتماعية كالعولمة الاقتصادية والعولمة الثقافية بحكم أن هذه الأمور مترابطة، ولكن في منظورٍ معيّن نعرف أن مصطلح الإمبريالية إذا أعدنا النظر فيه كمصطلح إجرائي وليس كما شرحته المنظمات الثقافية والسياسية، وإذا أعدنا علاقة التراتب ما بين المركز والمحيط وعرفّناه إجرائياً فإنه يقوم على مفهوم إمبريالية عليا غير أنها تنقل ولأول مرة العلاقة بين الشمال والجنوب من مجال العلاقات الدولية إلى ميدان التشكيلة الوطنية نفسها، وأنا أطرح هذا الأمر لأبين أن المنظمات الأهلية تعمل بوصفها إطاراً مؤسساتياً يتجاوز تناقضات الشمال والجنوب، العالمية والتي أدّعي مع آخرين أنها انتقلت إلى الوطنية نفسها، فالمنظمات الأهلية المشبّكة عالمياً لا يمكن أن تكون فوق التناقضات على مستوى العالم وفوق التناقضات على مستوى الشمال والجنوب وعلى مستوى التشكيلة الوطنية لاسيّما وأن هذه المنظمات تحوّلت إلى نوعٍ من نواة نخب في بعض البلدان وأصبحت تعويضاً عن العمل السياسي بمعناه الوطني.

فهناك تعقيدات تواجه عمل المنظمات العربية في إطار تعقيدات العولمة ونتائجها. فالموقف برأيي هنا ليس أن تكون مع أو ضد أو ما بين، بل أن نفكّر بالفرص والمخاطر التي تتيحها عملية العولمة باعتبارها صيرورة موضوعية. إن هذه المشكلة هي مشكلة التنميط، أي محاولة تنميط عمل الجمعيات الغير حكومية ليس العربية فقط وإنما العالمية وفق وصفة الليبرالية الجديدة، مثلاً، البنك الدولي وزّع كتيب يتضمن مبادئ وأسس التشريعات اللازمة للمنظمات غير الحكومية، هذا التنميط ينعكس بشكلٍآخر، مثلاً في لبنان اشترط البنك لتمويل المشاريع أن تقوم بذلك منظمات أهلية غير حكومية، وهذا التنميط أصبح سمة مهيمنة، كما نجد أن هذا التنميط يتم أيديولوجياً في إطار الليبرالية الجديدة ومحاولة نقل عمل الجمعيات من الجيل الأول في الجمعياتأي الجيل الخيّر، جيل البر، الصدقة والإحسان، إلى الجيل المتطوّر المعني بالتنمية المحلية وورشات العمل والتأهيل وما شابه ذلك. ويبدو أن مشكلة التمويل هي إحدى مشكلات المنظمات الأهلية العربية وغير العربية، والأستاذ عيسى شبفجي أحد زعماء الديمقراطية الجديدة في إفريقيا وأستاذ القانون الدولي بجامعة دار السلام، يقول بالحرف الواحد يبدو أن المنظمات الغير حكومية هي آلية مؤسسية يتم من خلالها الحصول على التمويل الأجنبي، وتُعرَف بالمنظمات الغير حكومية المموّلة أجنبياً بأكثر من كونها منظمات شعبية يقيمها المثقفون والناس من أجل حقوقهم. فالمنظمات غير الحكومية الممولة أجنبياً ترى نفسها في جماعات التفكير حيث يلتقي المثقفون ليقدموا ويستمعوا إلى الأوراق ذات الطابع القانوني حول الحقوق وبالتصارع حل المفاهيمويقيمون الحفلات التي يثنون فيها على المنظمات المموّلة والتي تُدعى لمزيدٍ من العطاء.

هذا يجب أن لا يُلغي ضرورة التمييز بين هذا النمط ونمط آخر يُقيم مسافة واعية ما بينه وما بين الأيديولوجيا الليبرالية الجديدة العولمية، ويجب تنمية موقف جذري في المنظمات الأهلية العربية الناشئة أو التي يمكن أن تنشأ في بعض البلدان كي تتزود بهذا الوعي. وفي الواقع فإن الولايات المتحدة لم توقع على ميثاق حقوق الإنسان إلا بشكل مداخلة، ولكن حتى نرى العلاقة ما بين المنظمات الأمريكية والمنظمات غير الحكومية أو الأهلية في العالم يكفي أن نعرف حسب إحصائية حلمي شعراوي أن هناك 700 جمعية من جمعيات حقوق الإنسان في أمريكا نشاطها موجّه للنشاط الخارجي، وأن التمويل يتمُّ عبر التنسيق مع وزارة الخارجية كما سأشرح لاحقاً، هذا الجانب يجب أن لا يُلغي أن هناك منظمات أهلية وطنية شعبية، وهذه المنظمات ساهمت بشكلٍ فعال في مؤتمر براغ، وهذه المنظمات عمالية آسيوية رفضت الدخول في نقاش حول مدخل للعدالة الذي نظمته شبكة حقوق الإنسان الأمريكية وشبكة حقوق الإنسان في الفليبين بسبب تمويل هذه الحلقة من الحكومة الأمريكية، فإذاً هناك صراع حول المضامين السياسية والاجتماعية العامة وبشكل أساسي السياسية، ولا يمكن دفعها بلونٍ واحد.

والاتجاه العام هو هيمنة الليبرالية الجديدة على المنظمات الغير حكومية في العالم وفي المنطقة العربية أيضاً التي ينشأ فيها هذا العمل.

إن مسألة السيادة قضية مركزية، ونحن نعرف مدى التلاعب الغربي والأمريكي في هذه المسألة، ونعرف تاريخياً حجم النقاش في التعامل الغربي والأمريكي مع هذه القضية، ولكن ما يزال النظام الدولي يقوم على هذا المفهوم، إذ يقوم النظام الدولي شكلياً أو رسمياً على مفهوم الدولة-الأمة، إن التناقض في مفهوم السيادة والاختراق عبر الأمم وليس هو أحد الجوانب التي تعبّر عنها الليبرالية الجديدة. هناك سؤال إلى أي مدى يمكن للأموال المقدمة للجمعيات أن تحقق أهداف الجهات المانحة؟ هذه أحد المشكلات العامة التي أُثيرت في مؤتمرٍ بالقاهرة من قبل الشبكة العربية للمنظمات الأهلية، ومثال على ذلك: المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وفق إحصاءاتٍ دقيقة، يعمل فيها عدة مؤسسات دولية، فالانشقاق داخل المنظمة المصرية لحقوق الإنسان حصل بعد أن كانت المنظمة قوية في ظل جمع تبرعات ذاتية، وتحوّلت إلى منظمة ضعيفة في ظل التمويل الأجنبي. حيث تم تكريس نخبة مستفيدة من عمل المنظمة وتتسابق على حضور جلسات الاستماع في اجتماع الكونغرس أكثر من تسابقها على إيجاد جذور شعبية ووطنية لهذا العمل. بالمقابل فمنظمات حقوق الإنسان في أمريكا لا تنفي علاقتها بالإدارة الأمريكية وتوجهات وزارة الخارجية الأمريكية. إن هذا الأمر يجب أن لا ينفي قيام عمل جمعياتي أهلي عربي على أسسٍ وطنية سيادية ونابعة من مفهوم العمل التطوعي وليست نابعة من الارتهان للجهات الممولة أو نابعة من عملية التنميط الأيديولوجي والقانوني الذي يتم الآن على مستوى واسع في العالم.

فعلى سبيل المثال، أزال أسامة غزالي حرب من قانون الجمعيات بند مقاومة النشاط الصهيوني في فلسطين استجابةً لهذا التنميط الجديد وبهدف التمويل وخدمة الأهداف السياسية الإقليمية للنخب المصرية المسيطرة، ولو كان هناك عمل جمعيات أهلية شعبية لتمَّ رفض مثل هذا الأمر.

إن جمعية الشبان المسيحية المشكّلة عام 1992 تطوّرت من جمعية خيرية ورياضية وما شابه ذلك إلى جمعية تهتم بنشاط التنمية، وأسست شبكة مياه في لبنان وفي فلسطين وفي شرق الأردن وهي مدعومة من وكالة التنمية الأمريكية بالكامل، وراحت هذه الجمعية تتدخل حتى في الجمعيات السكنية والانتخابات البلدية منذ حوالي عام. ووكالة التنمية تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية وبالتالي سياستها تخدم الخارجية الأمريكية. إن هناك مشكلة تمويل للمنظمات الأهلية المشكّلة عربياً بما في ذلك داخل سورية ولكن هناك مشكلة أخرى تتعلق ببعض الحكومات ومنها الحكومة السورية، فهناك مؤسسة فردريش الألمانية، هذه المنظمة تتبع النمط الألماني في المنظمات الغير حكومية، وهذه المنظمة لها نشاط واسع في لبنان والقاهرة وتعمل من أجل وظائف سياسية محددة كتكليف الجمعيات الأهلية بأهداف سياسية تحت اسم الديمقراطية والمجتمع المدني والعدالة الاجتماعية في لبنان، وقد حضّت بعض المنظمات على الوقوف أو حذف عقوبة الإعدام، فعقوبة الإعدام ليست هي المشكلة وإنما قضية الديمقراطية وقضية إشعار المواطن بأنه مواطن، وقضية التنمية الحقيقية والفعالة، إن قضية حل المشاكل الوطنية صعبة وعالقة، وهذا التنميط يختصر المشاكل التي تواجهها هذه الجمعيات. إن هذه الشركة الألمانية اكتُشف مؤخراً أنها تُحوّل بعض برامج الوزارات السورية، وتموّل أيضاً جمعيات أهلية، والحقيقة أن الأجهزة الحكومية العربية ليس لديها تصوّر واضح وأخشى أن يكون هناك جهل في ذلك. في مصر الأمر أوضح فوزارة الخارجية المصرية هي التي دعمت بعض هذه الجمعيات الغير حكومية للوصول إلى عضوية المجلس الاقتصادي والاجتماعي في الأمم المتحدة.

إن المجتمع المدني هو مجتمع سياسي بالضرورة، ولكن علينا أن نميّز ما بين المفهوم السياسوي والمفهوم السياسي بشكلٍ عام، والتعريف المكثّف لعلم السياسة هو فن صناعة الخير العام، بهذا المعنى فالمجتمع المدني وأحد مرتكزاته المنظمات غير الحكومية وهي بالتعريف منظمات نفع عام ومنظمات غير هادفة للربح، وتشجيع هذه الجمعيات يحتاج لتجديد وعينا السياسي من فهمنا لها كحركة سياسية انقلابية تقوم على مفهوم السلطة البديلة، إلى مفهوم المساومة والتراخي والاختيار، وعلم السياسة اليوم يقوم على قسم التفاحة إلى قسمين بحيث يتفاعل الجميع في إطار سلمي وإطار قيم المواطنة بما يجعلنا لا نعيش من السياسة بل نعيش لها.

المداخلات والتعقيبات

جاد الكريم جباعي: تطرّق المحاضر إلى أننا مازلنا نفتقر حتى الآن إلى تعريفٍ متفق عليه حول المجتمع المدني، والتعريفات الكثيرة مازالت ملتبسة، وأظن أن الفكر في بلادنا يصوغ تعريفاً مشتقاً من حاجة الواقع لنمو العلاقات الاجتماعية وتحويلها إلى اجتماعية وسياسية في أطر اجتماعية حرة ليست متعارضة مع الدولة بل على العكس عاملة على تحسين أداء الدولة وجعلها دولة لجميع المواطنين، إن مشروعية الحديث عن المجتمع المدني تنبع كما قال المحاضر نفسه من عددٍ من المثقفين العرب والسوريين الذين رأوا أن الدولة في العالم العربي قد هيمنت على المجتمع المدني هيمنةً مطلقة، أو يقول بعضهم أن الدولة قد شلّت فاعلية المجتمع المدني الإنتاجية والسياسية، فالمشروعية الأساسية للمجتمع المدني تتلخص في رفع الدولة أو السلطة يدها عن مؤسسات المجتمع المدني.

إن أهم المجتمعات المدنية أساسها النقابة والحزب السياسي، كذلك فإن اختزال المجتمع المدني إلى الجمعيات الأهلية التي تُموّل داخلياً أو خارجياً شيءٌ لا يصح، ثم من قال أن التمويل الداخلي أقلُّ شبهةً من التمويل الخارجي في إطار حكومات مخترقة أنا أدّعي أن السلطات العربية سلطات مخترقة منذ نشأتها وإلى ساعتنا هذه، وسدُّ الثغرات التي تُخترق من خلالها الحكومات والدول، هو في الوقت ذاته سدٌّ للخروقات التي قد تُخترق من خلالها الجمعيات الأهلية. قال المحاضر أنه يتطلع إلى مجتمع مدني نابع عن حس وطني متجذر وأن يكون تعبيراً عن عملية بحث جدية وعميقة للمجتمع، لكن مداخلتي تذهب باتجاه الأصوات الكثيرة التي تحاول وضع المجتمع المدني في مواجهة الدولة.

إن هذا الوضع غير منصف، بل هو وضعٌ ماكر يُريد إبقاء مصادرة الحريات السياسية ولجم حركة المجتمع وكم الأفواه بحجة عدم تهديم الدولة. من يريد تهديم الدولة؟، الحديث عن المجتمع المدني حقيقي وموجود، وهو في الوقت ذاته حديثٌ عن دولة قوية تكون لجميع مواطنيها. إن الفكر النظري عند هيغل قد وضع المجتمع المدني وحدده بأنه منظومة حاجات، أما الفرد الحر الطبيعي فلكي يكون مواطناً عليه أن يكون ركناً من أركان الدولة والمجتمع، كما تحدث عن العلاقات الجدلية بين المجتمع المدني والدولة، وعلى أثره كتب ماركس كثيراً عن المجتمع المدني وأهميته، وهذا ما لا يريد الكثير من الماركسيين أن يعرفوه، لأنهم حطوا من شأن الفكر النظري أن يعمل على وضع تعريف محدد ومنصف لمقولة المجتمع المدني وعلاقته بالدولة انطلاقاً من واقعنا الراهن، وحاضرنا قد يكون جزءاً من ورشة عمل فكرية تكون هذه مهمتها الرئيسية.

مظهر جركش: بالنسبة للجمعيات غير الحكومية التي تمّول من حكومات خارجية وهي مشبوهة، أريد أن أوضح فكرة تحدث عنها قبلي السيد جاد الكريم الجباعي، هناك بعض الأفراد يأتون لسورية كمحاضرين وكمدعوين من عدد من الجمعيات كما حصل مع أحدهم قادماً من بريطانيا وقد حاضر في جامعة دمشق وفي مكتبة الأسد وقال أن اللغة العربية هي عملية تبسيط للأمة العربية، أما العامية فهي الأقوى، وتستطيع أن تقدم كلَّ ما تريده الثقافة الحالية، ولم يرض هذا المحاضر أن يستمع لأيٍّ من الحضور، وذهب إلى جامعة حلب وحماه وحمص وحلب واللاذقية وقال ما قاله عن اللغة العربية.

ومن جملة ما قاله أن اللغة العامية أقدر على استيعاب وترجمة الأقوال وتتناسب والسرعة المطلوبة، سألت عميد كلية الآداب من هذا الذي يروّج إلى اللغة العامية، ويقول أن اللغة العربية الفصحى غير صالحة، وقلت له أيّ لغةٍ يريد، فاللغات العامية تختلف من منطقة لأخرى، ونحن راضون وفرحون بأن اللغة العربية الفصحى قد جمعتنا.

وليد البني: أعتبر أن هذه المحاضرة تمثل الرأي الآخر، ونحن في حوارٍ وطني وديمقراطي فليكن للآخر رأي، من خلال متابعتي للمحاضرة، فالحقيقة أني لم أفهم منها سوى عملية تحذيرية من أخطار قيام مجتمع مدني، ولأن هذا المجتمع المدني إذا ما قام فإنه سيشكل الوسيلة المثلى للأعداء بأن يتغلغلوا من خلاله، ويقضوا على النظام في البداية قال المحاضر أن هناك اختلافاً في تعريف المجتمع المدني، لست فيلسوفاً ولكنني أفهم من المجتمع المدني بأنه عملية تفعيل اجتماعي حقيقي من أجل جعل هذا المجتمع النائم منذ عقود أن يصحوَ كي يقول كلمته فيما يتعلق بمصيره، بخبزه اليومي، بأكله، بكل ما يملك من النواحي الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وكلّنا يعلم أنه عندما كان هناك هامشٌ مقبول من الديمقراطية كان هذا المجتمع مفعّلاً واستطاع أن يكون وطنياً أكثرَ من أيِّ وقتٍ آخر، وقد ذكرتُ سابقاً في مداخلةٍ مختلفة عن ذلك الحماس الوطني الرائع الذي استطاع المجتمع أن يقفه في مواجهة العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، لوجود هامشًٍ من الحرية ولأن المجتمع كان متفاعلاً مع الحدث، والثورة الجزائرية دليل آخر على ذلك، فالتعريف إذاً يجب أن لا نختلف عليه، فما نريده هو حراك اجتماعي كي يستطيع هذا المجتمع أن يُبديَ رأيه بشكلٍ حقيقي في مصيره، في لقمةِ يومه، في تعليمه، في سياسته الوطنية الداخلية والخارجية.

من ناحيةٍ أخرى سبقني الأستاذ جاد الكريم الجباعي إلى النقطة التي كنت أودُّ الحديث فيها، إذ من الأسهل بكثير أن يُخترق حاكم من أن يُخترق مجتمعٌ بكامله، قد يكون هناك من أصل مئات مؤسسات المجتمع المدني في إحدى الدول مؤسسة واحدة أو أكثر مُخترقة، ولكن إذا أردتُ أن أعمم وأحذّر وأجعل هدفي هو التحذير، وكأنني أقول إن هذا المجتمع غير وطني ومُرتشٍ من الخارج، ولا يتناسب مع الوطنية التي يطمح إليها البعض، والتخويف دائماً بأننا نريد مجتمعاً مدنياً وليس وطنياً.

لذلك لا أجد ضرورةً للربط بين الأمرين، فإذا كان المجتمع المدني يعني الحرية، ويعني الديمقراطية فهو بالضرورة وطني، لا يمكن أن تكون الديمقراطية غير وطنية، لا يمكن للسماح بحرية الرأي دون أن يكون وطنياً، لم أسمع في المحاضرة شيئاً عن إيجابيات المجتمع المدني. قد يُخترق ولكن أليس له من إيجابيات، أليس هو اللبنة الأساسية في النمو، في التنمية، في خلق الرفاهية، في خلق المنعة الوطنية، وما هي الحصانات وكيف يمكن تحصين المجتمع من إمكانيات التغلغل المعادي؟ أليس بإتاحة الحرية والرأي الآخر، عندما يكون هناك حرية وأثق بنفس الوقت بوطنية مواطني، بأننا يجب أن نكون مواطنين، فسيظهر عندئذٍ من يتعامل مع مؤسسات المجتمع المدني من الداخل أو من خارجها.

أُثيرت مشكلات العلاقة ما بين الدولة والوطن في إطار العولمة والليبرالية الجديدة، وهنا أتساءل ما هو المعيار حقاً لمحاسبة الأنظمة والسلطات عندما تتعاون مع البنك الدولي، أو مع المنظمات الدولية وتأخذ قروضاً ومساعدات وتستخدمها في برامجَمختلفة ثم تُستنزف في جيوب رجالها، وقد شاهدنا ذلك في بلادنا وأفريقيا والعالم الثالث، عبر تحويل هذه المساعدات إلى الحسابات الخاصة كم كانت هناك فضائح في هذا المجال، لماذا يكون المعيار مطبّقاً فقط على حركة المجتمع المدني ولا يكون مطبّقاً على حركة هذه السلطات وهذه الأنظمة؟، كيف يمكن للمجتمع المدني أن يتكوّن وقد فقد روحه في مجتمعاتٍ تعيش حالة طارئة وطوال عمرها لا تعرف إلا قانون الطوارئ، فأيُّ حركة لمجتمعاتٍ لا تعرف إلا هذه الحالة الطارئة، وأيُّحالةٍ ونحن ندّعي الاستقرار وندّعي الاستمرار ولا نعرف معنى المظاهرة، من أي يأتي المجتمع المدني بهذا الوضع في ظل قوانين الطوارئ التي مازالت سائدة طوال عمرها، من أين يأتي لهذا المجتمع روحه؟.

ما هو المعيار حقاً لمثل هذا الالتباس؟.

رضوان زيادة: هناك نقطتان رئيسيتان، تتعلق الأولى بعلاقة المجتمع المدني مع الدولة، إذ أعتقد أن هناك تمايزاً بين الدولة وجهاز الدولة، بمعنى أن هناك بعض الدول في الوطن العربي ضعيفة لكن جهازها يكون فعالاً وحاضراً بقوة في كلِّالمجالات، أما الدولة بما تعنيه من مؤسسات فدائماً ما تقع في موقعٍ هشّ، وذلك عندما تعتبر بعض الأشخاص الناشطين يهددون أمن الدولة، وبالتالي أرى أن المجتمع المدني يعزز ويقوّي صورة الدولة خارجياً على المستوى العالمي، وحتى على المستوى الداخلي خاصة فيما يتعلق بالمؤسسات

أما النقطة الأخرى، فتتعلق بالتمويل، فكل مؤسسة تمتلك تمويلاً خارجياً يكون لديها برنامجها الخاص، إذ هي لا تُصدر أي مطبوعة أو أي منشور إلا إذا خضع لموافقة مؤسسات التمويل الخارجي، وطرح الأستاذ باروت مثالاً على ذلك في المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، ولكن أعتقد أن هناك تقاطعات إنسانية يجب التدقيق فيها، بمعنى أنه ربما يتقاطع مشروع جمعية أهلية وطنية مع بعض المحددات لمؤسسات التمويل الأجنبية، لذلك لا أرى مبرراً للحساسية في العمل في هذه النقاط الثقافية والوطنية.

منير الخطيب: أعتقد أن المحاضرة بُنيت على مفهومٍ مركزي، وهو ربط مقولة المجتمع المدني بسياق الليبرالية الاقتصادية الجديدة، وهذا بتقديري يتعارض مع التشكّل التاريخي للمفهوم رغم اختلاف وجهات النظر حول هذا المفهوم، إلا أن القاسم المشترك لكلِّ وجهات النظر هذه أن هذا المفهوم مُعارض لمسألة الهيمنة، ففلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر في أوروبا استخدموه لمعارضة الهيمنة الكنسية وهيمنة الحكم المطلق، والبعض اعتبره مجالاً للصراع الاجتماعي والصراع الطبقي، ثم أتى غرامشيوأراد منه مجالاً للهيمنة الأيديولوجية والهيمنة الفكرية، لذا فالمفهوم تكوّن تاريخياً لمواجهة الهيمنة أياً كانت سواءً هيمنة الكنيسة أو هيمنة البرجوازية أو هيمنة الإمبريالية إلخ.. في الفكر السياسي العربي المعاصر طُرِحَ هذا المفهوم من قبل بعض المفكرين العرب، أيضاً في سياق مواجهة الاستبداد السياسي أولاً، وفي سياق مواجهة التأخر التاريخي وفي مواجهة الهيمنة الإمبريالية ثانياً، لكن تراجع بوادر تشكّل المجتمع المدني التي بدأت في عصر النهضة والتي ترافقت مع تراجع جديد لتكّون الأمة أو الدولة القريبة أحدثَ لبساً في هذا الموضوع.

أنا أعتقد أن آليات الهيمنة الإمبريالية بُنيت في مجتمعاتنا على مسألة أساسية، وهي تعشّق آليات هذه الهيمنة مع شرائح تكوّنت في حضن الدولة الثورية، ومراكز الهيمنة الإمبريالية في مجتمعاتنا هي نفسها الشرائح التي تكوّنت في حضن الدولة الاشتراكية، والمجتمع المدني الآن يُطرح من قبل فئات المهمشين الذي همّشتهم العولمة الرأسمالية المتوحشة، والذين همّشتهم الدولة الاشتراكية والدولة الثورية، فكيف يمكن لهذا المفهوم أن يكون مثار اهتمام ومثار شكوك.

لقد استنتجتُ من المحاضرة وأرجو أن يكون استنتاجي غير صحيح، وهو أن ما طرحه المحاضر يلتقي ذاتياً وموضوعياً مع ما كُتِبَ أخيراً على صفحات جريدة المحرر نيوز في التشكيك في صدقية نوايا دعاة المجتمع المدني في سورية.

د. يوسف سلمان: أريد أن أركّز على معيار حواري، أن نبدأ بالإيجابيات لأننا إذا بدأنا بالسلبيات لن نصل إلى الإيجابيات، وسأحاول في مداخلتي أن أركّز على إيجابيات المجتمع المدني، فالمشكلة التي نعاني منها الآن ليست هي التمويل، فنحن لم نعيش حالة المجتمع المدني بعد كي نتحدث عن سلبيات المجتمع المدني المطلوب، أولاً علينا أن نعترف أن الرافعة الأساسية للتطور في مجتمعنا هي في المجتمع المدني الذي يرتكز على جوهر الديمقراطية, بكلمات أخرى فإن المجتمع المدني ليس هو جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان,بل يجب علينا أيضاً أن نأخذً الأحزاب والنقابات والمنتديات فهذه كلها من أساسيات المجتمع المدني.

وأعتقد أننا لن نحصل أبداً على مجتمعنا المطلوب, طالما أن النقابات لا تتمتع باستقلالية نسبية عن سيطرة الدولة، ولن نخشى إطلاقاً من إطار المجتمع المدني إذا كانت التعبيرات الطبقية المتنوعة لها تعبيراتها السياسية المحددة0انني اعتبر أن هذه الأسس هي التي مكنت سورية في الفترات السابقةمن أن تواجه الأحلاف الاستعمارية والمخططات الاستعمارية, وأن تحقق نجاحاً وطنياً حقيقياً, طبعاً, نحن لا ندعو لمجتمع مدني كي يُوظّف لخدمة الليبرالية الجديدة ولخدمة الـ5% فقط التي تمتعت بما تمتعت به,ولكنهاتحتاج إلى قوننة أو شرعنة ما أخذته, لذلك أعتقد أن المستفيد الرئيسي من المجتمع المدني هو النقابات والأحزاب الوطنية والجمعيات بإطارها الوطني الحقيقي.

فواز الحلو: لماذا لا نخرج عن إطار المتلقي ونحاول التأثير في الحكومات الغربية عن طريق الجمعيات الأهلية نفسها أعتقد أن الإمكانات الموضوعية لهذه الفكرة موجودة ويمكن مناقشتها ولو الأمر الواقع يبدو عكس ذلك ظاهرياً.

النقطة الأخرى هي أن المجتمع المدني كما جاء في المحاضرة واقع بين السندان والمطرقة, سندان الدولة الحريصة على استمرارها, وسندان مطرقة النظام العالمي المتمثل بعقبة التمويل.

ما هي الخطوات العملية للخروج من هذا الحصار؟, وكيف يمكننا تطمين الدولة عملياً على مواقعها, وأرى ذلك ضرورياً, وليس نوعاً من التحايل, وما سبل تأمين تمويل دائم بالضرورة لأيّ تحرك طبعاً لا يمكن وضع الحلول بهذه العجالة ولكن أتمنى تنظيم ندوة أو بحث عن ذلك.

محمود قيسانية: هل المحاضرة هي لمناقشة الأيديولوجيات أم ملامسة الواقع الحيّ لهذه الأمة، في القرن التاسع عشر تعرّضت الكنيسة والدولة وظهرت القوميات وبدأ المثقفون في عصر القوميات وفي الحرب الباردة, ثم صارهناك معسكر اشتراكي وآخر رأسمالي، مثقفونا انقسموا وتسائلوا من نحن؟, ما هو دورنا؟، من نحن كعرب؟, نحن مهمشين, سواءً كنا حكومات أم شعوب, حكوماتنا تقوم بتهميشنا. والغرب يهّمش حكوماتنا لذلك أتساءل كيف يجب أن ننطلق من الواقع ونرى حالتنا،علينا أننأخذ شيئاًمن الواقع لننطلق به عمليا,ً وليس مناقشة أيديولوجيات ونظريات غربية …إلخ. نحن لدينا تاريخ وتراث وكان لدينا لمجتمع مدني، عمر بن الخطاب منع إقامة الحد على السارق لأن في تلك الفترة كان جفافاً, لدينا تراث وتاريخ وإمكانيات يمكن أنننطلق منها.

كنت أودُّ سماع مواقف تعيد للمواطن العربي مواطنيته الذي افتقدها منذ زمن بعيد, وكيفية إعادة تفعيل الجهاز المدني والجمعيات المدنيةالتي من سماتها تدعيم تفعيل الشارع السياسي, هل يمكن تفعيل الشارع السياسي؟, يجب الفصل ما بين الدولة والسلطة,الدولة لا تتعارض مع الجمعيات الأهلية, لكن السلطة هي التي تتعارض, فيجب الفصل بين هاتين القضيتين الأساسيتين.

نبيل ملحم: العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والدولة، والخلاف بين وجهات النظر المختلفة، جميعها اعتبرها عادية، فالعلوم الاجتماعية تظهر فيها خلافات. فتعريف الذرّة أو الإلكترون أكثر سهولةً من تعريف المجتمع المدني، لكن هذه الخلافات في وجهات النظر لم تمنع من الاتفاق على أن غياب المجتمع المدني موجودٌ في بلادنا، ومقابل هذا الغياب هناك وجود وحضور لدولة شمولية استبدادية، وهي معادلة صحيحة، فقيام دولة شمولية تعتمد على تغييب المجتمع المدني وتنظيماته، وأكثر من ذلكفظهور الدولة الشمولية في هذا المجتمع تعني حالة قطيع أكثر مما هي حالة مجتمع، لذلك فإن مساعدة الدولة على خلق مثل هذا المجتمع المدني هو مجرد وهم يجب عدم الركون إليه، فما من دولةٍ ساعدت على خلق مجتمع مدني فيها في حالات استثنائية، أما القاعدة هي أن أي دولة وليس فقط الدولة الشمولية بل والديمقراطية التي ظهر فيها المجتمع المدني بشكل موضوعي، تعمد في كثيرٍ من الحالات إلى تفتيت وتحطيم المنظمات. كلنا يعلم أن أمريكا حطمت المنظمة المناهضة للحرب في فيتنام أو منظمات مناهضة التسلح النووي أو منظمات السود التي حاولت الدفاع عن حقوقها، فالدولة منظمة طبقة أو تحالف طبقي، أما منظمات المجتمع المدني فهي منظمات لمجموعة من كافة الشرائح، بالنسبة لهؤلاء يوجد عامل حماية وأمان من الدولة الحديثة،وأنا أرى أن الدول الرأسمالية تحاول من خلال شركات احتكارية أن تستوعب المجتمع، هذا لا يدفعنا للتمييز بين دولة ديمقراطية تسمح بنيتها ببناء المجتمع المدني وبين دولة الشمولية تتناقض بنيتها مع وجود المجتمع المدني، هل يعني هذا إدارة الظهر للدولة والسعي لخلق منظمات مجتمع مدني؟، كلا فمنظمات المجتمع المدني لا تشكل تغييراً حقيقياً في هذا المجتمع إلا إذا مارست نشاطها في ضوء حماية الدستور والقانون ومشاركة علنية واسعة لكافة المواطنين الراغبين بالانضمام لها، وهذا يعني السعي لتغيير بنية الدولة ومؤسساتها، وبالتالي إعادة بناء الدولة على أسس عصرية حديثة كدولة قانون ومؤسسات ديمقراطية تنسجم مع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، لذا فإن من واجبنا السعي لتأمين الشروط التي تسمح بإعادة بناء المجتمع المدني ومنظماته مع مواصلة الحوار مع الدولة والخروج من المأزق الذي نحن فيه، ومن حالة القطيع إلى حالة المجتمع.

حسام جزماتي: المحاضرة قالت كل شيء ولم تقل شيئاً نتيجة طابعها البحثي، في مقولةٍ فهمتها من المحاضر أن النيوليبرالية هي مرتبطة تماماً بالمنظمات الأهلية على الصعيد العالمي، وبالتالي فإن هذا التشابك الذي يحمل صفة العمالة أرجو أن تشرحه لي، فمن المؤكد أن العولمة مرتبطة بتشبيك المنظمات الأهلية والاقتصادية وليس بالنيولبيرالية التي ترافقت مع العولمة، والعولمة مستمرة إلا أن النيولبيرالية تراجعت، ففي 15 دولة أوروبية غربية فيها ديمقراطية غربية يحكمها العمال مثل بريطانيا، أمريكا وفرنسا والدول الاسكندنافية، كلُّ هذه الدول مضطرة لأن تسير مع العولمة ومع التشبيك العالمي، فهي لم تعد مرتبطة مع النيوليبرالية أو الليبرالية المتوحشة حتى نقول أنها تتصف وتشوبها شبهة العمالة. وشبهة العمالة ترتبط بالتمويل الأجنبي لكن أعتقد أن تمويل وحدات المجتمع المدني قضية أخرى، فهناك ماركسيين مصريين وغير مصريين قالوا أن تلك الجمعيات تدفع الأموال من أجل التغلغل، لكن شرودر الألماني مثلاً من يسار الوسط كان من حزب الخضر وغيره من الأحزاب الماركسية الأوروبية كلها تحولت إلى البيئة، وبالتالي فهي منظمات مجتمع مدني، فالقضية غير محسومة وغير ملحّة. أما بالنسبة لمفهوم المجتمع المدني، فنحن عموماً نختزله بالسياسة، ونقول أنه لا يوجد عندنا مجتمع مدني، ولكن نحن بشكل أو بآخر لدينا مجتمع مدني، هل هذا كل ما نريده من المجتمع المدني؟ ماذا نريد من المجتمع المدني؟، علينا أن نحدد، فنحن نريد حريات ولا داعي في ظل الشفافية التي طُرِحَت من قبل أعلى سلطة في البلد أن نقول نريد مجتمع مدني ونقول بنفس الوقت أننا نريد حريات، فإذا أردنا فقط مجتمع مدني فلنقل ذلك، أم إذا أردنا مطالب سياسية أخرى فلنقل ذلك ونكن واضحين وصريحين.

طالب العلي: هناك مسألة أساسية تعد بمثابة صراع على مستوى المفاهيم أكثر مما هي على مستوى الواقع، فالمجتمع المدني كان أول ما طرحه هيغل أو غيره، لكن أنا أريد الواقع هنا، فإعادة المفاهيم النظرية إلى أصولها بشكلٍ صحيح وواضح كما قال الأستاذ جمال باروت شيء مهم. لكن طرح الأستاذ جمال لموضوع الجمعيات الأهلية كان بشكلٍ لاهوتي مختلف عن الوضع الاجتماعي.

محمد جمال باروت:

نحن نناقش مشكلات المجتمع المدني الأهلي ضمن العولمة، وفي هذا الإطار لابد من ربط مفهوم عمل الجمعيات الأهلية بمسألة المجتمع الأهلي، والتوقف عند موضوع المحاضرة ويُعدُّ مسألة علمية وأكاديمية، وليس هناك مانع من أن نحترم العلم في إطار الجلسات النضالية، وأنا أفهم بعض الدوافع وما طرحه البعض وأتعامل معه برحابة، هناك بعض التهكمات التي صدرت على طريقة (الأكشن)، ولا أظن أن مجتمعاً كالمجتمع السوري يمكن أن يكون قابلاً لعمل جمعيات أهلية ومدنية بالمعنى العريض أو المعنى التدريجي، فذلك يتطلب العمل على إصلاح الوعي بالمفاهيم وهو نقيض اللاهوتية التي تحوّل مفهوم المجتمع المدني أحياناً لمفهومٍ موضة، وإن مثل هذا المجتمع الحقيقي الذي تتأسس فيه أسس المواطنة بشكل حقيقي ينطلق حتماً من دولة حديثة.

إذا لم توجد بيئة تشريعية وقانونية تعترف بهذا الاستقلال فلن يكون هناك مجتمع مدني قط، أنا أحسد أخي السيد منير الخطيب كيف وجد أن ما قلته يلتقي مع ما نُشِرَ في جريدة المحرر نيوز، وأعتقد أنك لم تستطع أن تقوم بعملية إعراب لما نُشِرَ في المحرر نيوز، لكن هذا الاستنتاج المُدهش أشكرك عليه وعلى جرأتك، إنني أؤكد أن عملية استحضار الأربعينات والخمسينات ستضرُّ المجتمع المدني وفيها أيضاً الكثير من مجافاة الحقيقية، وهذا الاستحضار لا يعود إلى أن التجربة العربية الليبرالية كانت هشَّة وقصيرة ومحدودة، ولكن عقم التسلطية العربية هو الذي جعلنا نلتفت إلى تلك المرحلة ونستعيدها بشكلٍ أسطوري.

أقول إذا مارسنا السياسة بعقلية الحرب التي قال عنها لينين إنها أسوأ شيء وجُدِ َفي السياسة، فلن نستطيع إلا أن نقوم بجولاتٍ من سوء الفهم ونحوّل المناقشات الجادة إلى تهكم، والتهكم أحياناً إلى حوار ديماغوجي، يكون عند البعض كالنضال في حين يجب أن يكون المناضل أعلى مرتبات المثقف النقدي، والمثقف الفردي هو الذي يقوم بمراجعة المفاهيم ويُعيد استنتاجها واشتقاقها من واقعه الاجتماعي.

هل هناك إمكانية للتحرك بتبعية ذلك؟، نعم، المهم هو أن جمعيات حقوق الإنسان والجمعيات الأهلية شهدت أوج نشاطها حين كانت تقوم على التبرع الذاتي من أفرادها ومحيطها السياسي والاجتماعي.

ثم بدأت المشكلة من التمويل، وهذه مسألة فعلية وعلى بعض الجاهلين أن يعرفوا ذلك.

إن إيديولوجيا العولمة توظّف الآن، وهناك منظمات غير حكومية في العالم تتلقى مساعدات، كما أن الدول العربية تتلقى معونات من المنظمات نفسها لصالح حفنةٍ من الناس، وهذا أحد أسباب السجال الدائر حالياً بين المنظمات الأهلية المصرية والحكومة المصرية.

يوجد هنا في سورية جمعيات تتلقى تمويلاً أجنبياً تحت اسم الإعانة حسب قانون الجمعيات وبموافقة الدولة، وهناك جمعيات أخرى تعمل أيضاً وهي جزءٌ من منظمات دولية كجمعية تنظيم الأسرة وجمعية SOS، وأنا لست ضد هذه الجمعيات ولست ضد وجود شبكات عالمية للمنظمات الغير حكومية، لكنني ضد التنميط، وعلينا أن لا ننسى أنه إذا كانت الدولة العربية المستبدة قد دمرت المجتمع، فعلى هذا المجتمع أن لا ينسى المعركة. هناك أفكار كثيرة لم أتطرق لمناقشتها كي لا يداهمنا الوقت، ولكن اختصر وأقول أننا في مرحلة دقيقة وفكرة إحياء المجتمع المدني يجب أن لا نطرحها بفعل (الأكشن)، ولكن يجب أن نطرحها بعقلٍ يستجيب لصالح الخير العام ولصالح تطوير مجمل البنية السياسية السورية، وهذه البنية يجب أن تعترف بالمثقفين.

محاولات الإصلاح الاقتصادي في سورية

الحقيقة الضائعة ما بين الحلم والوهم*

لا الله لا يغيّرما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم (قرآن كريم)

“الحيوانات كائنات لطيفة، إنها لا تسأل أسئلة ولا توجه نقداً” (من رواية “قصة حب” المشهورة للمؤلف جيجفل)

“البارحة لم يحدث شيءٌ جديد، وقبل البارحة لم يحدث شيءٌ جديد، واليوم أيضاً مرَّ ولم يطرأ أي جديدً” (محمد ديازي، شاعر أفغاني)

الدكتور محمد رياض الأبرش**

أولاً: ما هو الإصلاح؟

العدل أساس الملك أو هكذا تقول القاعدة الفقهية، والملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم، هكذا نادى الإمام روح الله الموسوي الخميني قائد ومرشد الثورة الإيرانية عام 1979 منذ لحظاتها الأولى، ولهذا فالوصول إلى العدالة في التوزيع بين بني البشر هدفٌسعت إليه البشرية في كل مكان دون هوادة، وهذا ما جعل هذا المسعى الأبدي نحو تحقيق العدالة بمفاهيمها الغامضة مرادفاً ومضموناً لكلمة إصلاح في أيِّ مجالٍ من مجالات الحياة، والإصلاح حلمٌ دائم لكل المثاليين وأصحاب الرؤى، كما أنه يمثلرغبة الإنسان المظلوم والمغلوب على أمره والمضيّعة حقوقه في إطار التنظيم السائد للمجتمع، وهذا هو حال معظم شرائح المجتمع السوري ولاسيما الأجيال العربية وتحديداً السورية التي سعت ولا تزال تسعى لأسباب مفهومة من أجل تحقيق عدالة طوباوية مطلقة صعبة التحقيق على أرض الواقع، وتبقى كل رغبةٍ بالإصلاح مجرد حلم بحكم كونها مجرد تطلع إنساني نحو الأفضل لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال التغيير الفعلي للترتيبات المجتمعية ولطرائق وأساليب توزيع الدخل والثروة في المجتمع، وهكذا لم يكن الإصلاح في أيِّ يومٍ من الأيام مطلوباً بحد ذاته أو من أجل المزيد من الحريات. أبداً فقد كان مرغوباً من أجل تحقيق العدالة وإزالة الإجحاف والظلم الاجتماعي النازل بالفقراء والمقهورين والمستغلين وكل ضحايا الترتيبات المجتمعية السائدة بإطلاق إمكاناتهم الفكرية والإبداعية وتوفير الفرص اللازمة لتحقيق الذات، سواءً أكان ذلك بسبب معتقداتهم الفكرية أو الدينية أو الثقافية أو لونهم أو شكلهم أو بسبب ما أوتوا من مواهب وممارسات أُسندت إليهم، وعلى هذا يمكن تعريف الإصلاح بأنه عملية إنسانية ديناميكية مستمرة تهدف إما إلى تصحيح خطأ أو خطيئة ارتكبها الإنسان كفرد بحق آخر وفقاً لمبدأ إصلاح ذات البين، أو ارتكبتها مجموعة بشرية بحق أخرى، أو ارتكبتها الطبيعة بحق البشر بسبب تأويل البشر أنفسهم لإرادات الطبيعة. مما دفع المجتمع البشري لخلق أدوات ووسائل وطرق لإدارة شؤونه أو لتنظيم شكل إدارته ومؤسساته بحيث يعيد طبيعة مسار الأمور إلى أحوالها المعتادة وقواعدها المتعارف عليها، أو تحسين وضعٍ راهن بحيث يصبح أفضل من حيث سرعة التحقق والإنجاز، أو يتم براحةٍأكثر من حيث الأداء، أو يوفر الوقت من أجل تحقيق مزيد من الأعمال أو مزيد من الراحة التي يمكن أن تُستخدم في تعظيم مساحة وحجم المتعة المتاحة للإنسان المقهور والمستباحة حقوقه فوق هذه الأرض، ومن هذا يتضح أن الإصلاح يتضمن بالضرورة إجراءات للتكيف الإنساني مع الظروف المستجدة ليصبح المجتمع أكثر تلاؤماً مع المحيط سواء أتمَّ ذلك بإعادة هيكلة بنيوية أو بتكييف قانوني.

ثانياً: قوى التغيير والإصلاح

لا يمكن أن يتمَّ التغيير المطلوب إنسانياً من تلقاء نفسه وإنما بإرادة الراغبين به، كما أن ليس كل تغيير بالضرورة إصلاحاً، فلابد من حامل للتغيير وصاحب مصلحة فيه من ناحية، كما لابد من رؤية ذاتية لشكل وبنية المجتمع المطلوب الوصول إليه مستقبلاً ليدفع بالإصلاح قدماً، وقد كان هذا الحامل على مدى قرون إما الزمن نفسه الذي كان يتكفّل بالتغيير عندما كان البشر يشعرون بميلٍ إلى الدعة والراحة وقبول الأمر الواقع كمسلمة موضوعية ويرفضون الحركة والتغيير كلما تقدم الزمن بهم بسبب الخوف من المجهول أو بسبب الرغبة بالاحتفاظ بالوضع الراهن والمألوف ولاسيما عندما يتعلق الأمر بحكومات رأسمالية المنتفعين السائدة في عالم الجنوب، ولكن البشر على وجه العموم نادراً ما شعروا ولحسن الحظ بذلك، فشهوتهم إلى التغيير والتمرد كانت على الدوام قوية متأججة بفضل التنافس على الصدارة والبقاء من ناحية، وبفضل تتابع الأجيال البشرية وتبدل الظروف ودرجة سيطرة البشر على محيطهم ومستقبلهم، ولهذا لم يكن البشرـإلا في ظروف موضوعية غير عادية كالتي تعيش فيها البلاد العربيةـأقل من الزمن حماساً للتغيير بهدف تحسين واقعهم فوق الأرض، فقد قَبِل البشر على وجه الإجمال ـ وإن كان على مضض ـ الفكرة الدينية أو الحياة فوق هذا الكوكب على اعتباره مجرد امتحان من حيث الواقع والهدف، وإن أصرّوا على محاولة جعل حظوظهم فوق الأرض مريحة ومرضية طالما كانت حياتهم فوق هذا الكوكب أبدية، وذلك وفقاً لقاعدة “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”، ولحسن حظنا جميعاً أن البشرية سجلت في الخمسين سنة الماضية نجاحاتٍهائلة في هذا الاتجاه لم يستطع البشر تحقيق مثلها في أيِّ يومٍ مضى.

وتقوم عملية التغيير في كل مجتمع على قوى ذات مصلحة بالتغيير، وهي قوىً يجمعها ويشدّها إلى بعضها رفضها للواقع الراهن وللبنية الهيكلية للتركيبة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية بل وحتى للمعتقدات والممارسات للطقوس الدينية السائدة وشعورها المتزايد بالتهميش المتعمد والبعد عن المشاركة السياسية والاقتصادية في منتجات التنمية ومزاياها، وهكذا سعى البشر في كل مجتمع لإعادة توزيع كراسي ومناصب الصدارة والشرف في المجتمع، أولاً أي فيما بينهم بهدف دفع التهميش عنهم، ثم إعادة توزيع منافع المجتمع بسبب الاعتراض المستمر من قبل بعض فئات المجتمع على بنية أو شكل توزيع الدخل الوطني أو القومي، أو على شكل توزيع وأداء الأدوار والوظائف الاجتماعية في داخل المجتمع، أو التمثيل الثقافي أو شكل اقتسام المستقبل.

ثالثاً: التغيير والإصلاح مفهومان غير متطابقان:

كلُّ القوى والمجموعات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية تسعى بطبيعتها للتغيير، وقد يكون الإصلاح تغييراً بالضرورة ولكن ليس كلُّ تغييرٍ بالضرورة يعدُّ إصلاحاً من منظور المتضررين أو ممن جاء التغيير على حسابه أو ضده، لأن الأمر يحتاج إلى توفر العقلانية والمنطق أولاً، وتجنب الفكر الفردي أو الطائفي الذاتي، فالتغيير قد يكون ذو نتائج سلبية أو إيجابية لكل المجتمع ولكن بنسبٍ لابد أن تكون متفاوتة أو متعارضة بالنسبة لكلٍّ فئةٍ أو شريحة اجتماعية، كما أن الإصلاح غير التغيير الجذري، فالإصلاح يتمُّ من خلال قواعد اللعبة الداخلية والخارجية السائدة دون الإخلال بالتوازن الاجتماعي القائم الذي تستند إليه، وهو ما يسمى بالتغيير من خلال الاستمرارية، أما التغيير الجذري أو الثوري فيتم من خلال الانقلاب على النظام المجتمعي القائم بتدميره مع القوى التي تقف وراءه والاستعاضة عنه بنظامٍ جديد يستند إلى قوى جديدة ومشروعيةٍ جديدة.

ولقد أرادت كلُّ مجموعة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية أو ثقافية في هذا العالم، وفي كلِّ دولةٍ من الدول النامية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تقريباً أن يكون “الإصلاح” ليس غايةً بذاته أو حبّاً بجمال الكلمة وتحقيق مدلولاتها ولكن من أجل تحسين موقعها السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي بحيث يتحقق لها عبر هذه الكلمة السحرية تقدم نسبي ولو على حساب الآخرين، أو تقريب مستويات دخلها وثروتها أو أدائها أو المزايا التي تتمتع بها، حتى ولو كان ذلك عارضاًأومؤقتاً وذلك في إطار المسعى الإنساني باتجاه الصدارة بين الأمم على حساب الأمم أو الجماعات الإنسانية الأخرى سواء منها المنافِسَة أو العدوّة، أو باتجاه تلبية المزيد من حاجاتها الفيزيولوجية أو الاجتماعية أو الثقافية أو المذهبية والدينية، ولهذا بقيت كلمة الإصلاح مرادفة لكلمة التغيير، وهي كلمة مطلبية بطبيعتها وتَرِدُ على كلِّ لسان تقريباً منذ أن خلق الله هذا العالم، ومن المحتمل أن تبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فالإصلاح مطلوبٌ باستمرار وعلى الدوام ومن كل الأفراد والجماعات الإنسانية.

وهناك القوى الناقمة اجتماعياً مثل النساء لا على طريقة معاملتها من قبل الرجال والمجتمع، ولكن على قدََرها ودورها أيضاً، وتليها القوى المتبرمة والناقمة اقتصادياً في الريف السوري الفقير ـ رغم كل التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي أُحرِزَ فيه نتيجة إعادة توزيع الاستثمار الوطني والدخل والثروة لحوالي أربعة عقود كاملة من الزمن ـ على ما يُعتبر نظاماً استغلالياً رأسمالياً، وهذه النقمة تشمل بالضرورة رموز الرأسمالية وشبه الرأسمالية من المتكسبين الكبار في مدن خط الأمطار، وهناك أخيراً القوى المدنية الليبرالية في مدن الساحل وخط الأمطار ولاسيما دمشق وحلب الباحثة لنفسها عن مكان ودور في عالم إنساني فسيح يقع خارج الحدود ووراء الأفق حيث تسيطر عليه القوى الغربية منذ خمسة قرون وتدير مولداته التكنولوجية بشكلٍ يزداد إحكاماً في إطار ما يسمى بالعولمة. وهكذا نجد أن الصغير يريد تغيير الوضع القائم لصالح الصغار واليافعين الشباب، والنساء تريد التغيير كذلك ولكن لحسابهن، وممارسو التجارة يريدون حرية التجارة، والصناعيين يريدون العكس وهو الحماية الجمركية واتخاذ إجراءات لتقييد حرية تنقل الرأسمال والسلع باسم الصناعة الوليدة وحماية الصناعة الوطنية، والأصوليين يريدون بالمجتمع العودة إلى الينابيع والمراجع الأولى، وهم يريدون من خلال العودة إلغاء أثر التاريخ وتأثير الزمن عن طريق تخليد النص وتقديسه بشكلٍيمنع تداوله بالنقد أو التجريح، والعلمانيون يريدون المستقبل ولكن بعضهم كالقوميين والليبراليين والماركسيين يريده من خلال رؤية انتقائية للتراث، تجعله صالحاً لكلِّ زمان ومكان، والعقائديين يريدون إعادة صياغة كلَّ ما تقدم وفقاً لعقائدهم وفي إطارها، سواءً أكانت ماركسية أو دينية أو ليبرالية، ولا زلنا نذكر شعارات أنصار الطريق الثالث وأصحاب النظريات الثالثة الذين يتصايحون لا شرقية ولا غربية، وهكذا تفعل أيضاً كلُّ قوى التغيير في المجتمع السوري، فكلٌ يغني على ليلاه، لأن كلاً منهم يتصوّر لنفسه عالماً يتربّع هو على عرض الصدارة فيه ويتمتع بالعيش الرغيد في مستقبل الغد، كما يحاول سوق الأمور باتجاه ذلك.

رابعاً: الإصلاح والتصحيح: مفهومان غير متطابقين:

الإصلاح مسعى إنساني وسياسي حميد يسعى إلى الارتفاع بمستوى سيطرة الإنسان ومجتمعه حيثما كان على محيطه الطبيعي وتأمين درجة أكبر من الأمن والأمان والاستقرار والرفاه له ولأجياله. البيروقراطية ترى نفسها البديل عن الفوضى كما تتصور، أماالتعددية الحزبية وتداول السلطة السائدة في النظام الديمقراطي، ومن هنا تنبع قدرتها على توفير الاستقرار الداخلي والتعاون في النظام الإقليمي للقوى المسيطرة من أجل البقاء، وهكذا نسمع دوماً عبارة التصحيح مُؤكّداً عليها في بعض الدول لكي تنتفي ضرورة قيام القوى المهمشة في المجتمع والمغلوبة على أمرها بحمل إصلاحها على أكتافها وذلك عبر ادعاء البيروقراطية قدرتها على القيام بهذا الدور الحربائي، ولكي تنفي عن نفسها موالاة الخارج وتنفيذ إصلاحات سياسية أو اقتصادية لصالح الأجنبي، وعلى كلٍ، ليس للتصحيح كإصلاحٍ ذاتي معايير موضوعية يمكن القياس عليها، لأن التصحيح ليس له إلا معايير ذاتية تستند إلى سلّم قيمي شخصي وبالتالي لا يخضع للتقييم الموضوعي، كما لا يوجد له حجم ولا نوعية ولا بعد زمني، فالتصحيح عملية ومفتوحة لمسار قائم، ويصبُّ في نهاية الأمر في خانة مصلحة الفئات المسيطرة لا في مصلحة طالبي الإصلاح.

خامساً: المصلحون ورجالات الإصلاح:

لكن طلب الإصلاح وهو في نهاية الأمر سعي نخبوي أو طليعي من أجل التغيير لا يتم التعبير عنه جماعياً إلا في مراحل لاحقة لاكتشاف الغبن والإجحاف من قبل المثقفين الرواد، وهؤلاء هم المثقفون الشهداء الذين قد يدفعون حياتهم ثمناً لأفكارهم ورؤاهم باعتبارهم المتردين على قسوة الواقع والداعين لاقتباس الجديد والأفضل في الحضارات الأخرى وأصحاب الفكر الإنساني والعالمي والرؤى، كما أنهم ينبهون إلى المخاطر والمظالم ويرحبون بالآفاق الأرحب والأكثر ملاءمة للحياة الإنسانية الكريمة لاسيما وهم يكتشفون الغبن والظلم الواقع عليهم، وهم غالباً ما يكونون بمثابة الجنود المجهولين في حياة أممهم الذين يسقطون ضحية معتقداتهم ككلِّ حملة الأعلام الذين يسيرون عادة في الصف الأول لمظاهرات الاحتجاج الكبرى قبل أن يبتدئ بعض السياسيين بلعب دور طالب الإصلاح بتلقّف الفكرة وتولّي الدفاع عنها أمام سدنة النظام القديم، ويتشاطر طالبوا الإصلاح ومنفذوه من السياسيين المتنورين والمطوّرين لقب المصلح عادة، وهو لقب لو تعلمون عظيم في تاريخ الأمم والجماعات البشرية، يُمنح لكلِّ من يظهر متصدراً صفوف نظرائه وأمثاله أو ممن ينتمي إليهم من جماعات وطوائف ومذاهب ومهن يتصورون أو يكتشفون قبل غيرهم مواطن الخطأ نتيجة اطّلاعهم على ثقافات وحضارات أخرى ومقارنتهم إيّاها مع مواقف فكرية قد تكون أفضل وأصح وأرحب مما يتوفر في بيئتهم الإصلاحية عند المنعطفات التاريخية في حياة الأمم، وتعتبر الشفافية العليا ودرجة الإحساس بالعدل والظلم، ومن ثم القناعة بضرورة الإصلاح والإرادة المصممة عليها أهم الشروط اللازم توفرها بالمصلح.

والحقيقة أن المصلحين والراغبين بالإصلاح في كلِّ لحظة وفي أيِّ مجتمع كُثُر، وهم موجودون في كلِّ زمانٍ ومكان، وفي كلِّ مجتمعٍ إنساني، لأن الرغبة بالتحديث والتحسين والتطوير كامنة في كلِّ نفسٍ إنسانية ما دامت حيّة، إلا أن المصلحين غالباً ما يظهرون على شكل جماعات وحشود كالشياطين المردة مرةً كل سبع سنوات على حد قول ماوتسي تونج، أو كل عشرة سنوات على شكل موجات يُطالبون بتحقيق أو إقرار شيء أو أشياء وقيم افتقدتها أغلبية المجتمع خلال مرحلةٍ مضت وقد تكون هذه الأشياء معنوية كالحرية والديمقراطية أو أشياء مادية مثل الخبز ولقمة العيش، ويتمتع المصلحون بمواصفاتٍ شخصية أهمها الميل إلى المثالية وحب التضحية والمغامرة والمستوى الرفيع من الأداء الفكري والأخلاق الشخصية والالتزام الوطني، ويليهم أشخاصٌ يقتدون بهم تقليداً ثم يرفدهم أشخاص يميلون إلى الاستفادة من الزمرتين الأولتين ولو من قبيل الانتهازية وذلك قبل أن تنتشر فكرة الإصلاح وتتعمم منافعها على كلِّ من لم يكافح أو يضحّي من أجلها أساساً، وهم الأغلبية السلبية الصامتة التي تلعب في هذه العملية دور ذكر النحل، الذي يقوم بدوره في الحصول على المنافع دون جهدٍ ظاهر وكأن ما مُنِحَ لهم من مزايا وحقوق نتيجة كفاح الطليعة أو النخبة المفكّرة إنما جاء منحةً من السماء وبدون ثمن، فهي آخر من يتمرد وأوّل من يحصل على المنافع، لأنه باسمها يُكافح من أجل الإصلاح، ولصالحها يتم في نهاية الأمر، في الوقت الذي تكون فيه النخب والطلائع تتعرض بسبب مواقفها وتحديها للوضع القائم لانتقادٍ شديد، وتنتهي عادةً في المنافي الاختيارية والإجبارية، أو في دياجير السجون والمعتقلات، أو حتى على منصات الإعدام، أو في الهرب من مكانٍ لآخر طلباً للسلامة ومتابعة الكفاح عن بعد، فإذا كُلِلَّ لها عملها بالنجاح رَكِبَ أفرادها أو بعضهم السيارات الفاخرة وأصبحوا من زوّار المنتديات السرية والخاصة والمغلقة على (العامة).

كما تصبح لهم لغة مالية خاصة تتناسب مع ما حققوه من منجزات مادية ومواقع اجتماعية حياتية ولاسيما أنهم يتحولون على قاعدة ميلوفان جيلاس إلى طبقة مخملية منتفعة جديدة من الأغنياء الجدد تعيش على قمم مجتمعها ولو إلى حين ريثما تهب رياح الإصلاح التالي والقادم في حينه بالتأكيد.

والتغيير يتم عادةً ـ ولكن ليس بالضرورة في جميع الأحوال ـ تدريجياً وببطء وعفوية مع سير الحياة في كل مجتمع، ويسير على قاعدة التجربة والخطأ عادة، ولكن مثل هذا التغيير قد لا يرقى على المدى الطويل لتطلعات الشرائح المجتمعية التي تشعر بالاضطهاد والتهميش وبالتالي بالظلم الاجتماعي أو قد لا يتلاءم مع الأدوار الجديدة التي تقوم بها في عملية إعادة إنتاج المجتمع، ولهذا تحاول هذه القوى الساعية وراء التغيير والإصلاح إلى تولّي قيادة المجتمع السياسية بشتى الطرق سواءً بالقوة عن طريق الثورة والعنف أو عن طريق الإقناع بصوابية الفكر والمشروع النهضوي الذي تحمله هذه القوى إما للحصول على ما يسمى بالمشروعية وجدارة بالتنفيذ، ومنها تأكيد شمولية هذا المشروع النهضوي لصالح أغلبية المجتمع وهم المستضعفون في الأرض من الفقراء والمنبوذين والمهمشين اجتماعياً وسياسياً، ولجمع الناس من حول المشروع الإصلاحي أو النهضوي سواءً منه الإسلامي أو القومي العربي أوالسوري أو الليبرالي، فقوى التغيير العربية المتنطّحة للسلطة أو المشاركة في الإصلاح تزايد من ناحية وتتلون وتُخادع من ناحية أخرى، من أجل أن تجعل من التغيير بمثابة البوابة لإصلاح شؤونها وتحسين مواقعها ضمن المجتمع، كي لا يتم التغيير على حسابها، لاسيّما وأن الكل يعرف أن الزوايا الحادة والحلول النظرية والعلمية مستحيلة في علم السياسة.

سادساً: أنواع وأشكال الإصلاح:

لابد أولاً من التفريق بين الإصلاح الشامل والجذري الذي يحرق المراحل رغم أنه غير ثوري، لأن الإصلاح الثوري لا يفترض وجود الخطأ الكمي وإنما وجود الخطيئة في أصل النظام وبنيته وحُماتِه وحَمَلته. والذي بين الإصلاح المحدود الانتقائي الطابع الطويل الأمد الذي يتلاءم مع المرحلة التي وصل إليه المجتمع، وعلينا أن نفرّق أيضاً بين الإصلاح العام والإصلاح الذي يتناول قطاعاً واحداً كالاقتصاد أو وضع المرأة والطفولة القانوني أو الأحوال الشخصية والعائلة، أو التربية، أو المواصلات والنقل، وما إلى ذلك، وعلى كلٍ، فإن الإصلاحات مهما كانت جزئية فأنها تبقى مترابطة في نهاية الأمر.

سابعاً: شروط الإصلاح الاقتصادي والإداري في سوريا:

الإصلاح له شروط لابد من توفرها قبل أن يستحقَّ هذا التعبير الرائع، ويمكن تلخيص أهم هذه الشروط بما يلي:

1ـ وجود قوى اجتماعية راغبة وقادرة على التحدي وساعية وراء تحقيق ذاتها من خلال المشاركة في العملية السياسية والاقتصادية في بلدٍ ما.

2ـ توفر النية والقناعة بضرورة الإصلاح لدى ما يعرف بالحاضنة أو حامل الإصلاح السياسي، وهي قوى التغيير الصاعدة التي تشعر بالاحتقان لابتخاس حقوقها أو إهمالها بالمطلق على أيدي قوى أخرى مُسيطرة تهتم بالدفاع عن الوضع الراهن Status Quo.

3ـ وجود الرجال المصلحين المعبرين عن وجهات نظر هذه القوى الاجتماعية والذين يملكون التصور الكافي والرؤى لعالمٍ يريدون رؤيته قائماً في مجتمعهم كجزءٍ من عالمٍ يرون فيه سلّم قيمهم متحققاً وسائداً في العلاقات بين الأفراد والدولة.

4ـ وجود الوسائل التي يمكن أن يتحقق عبرها أو خلالها الإصلاح العتيد المنشود سواءً أتمَّ ذلك من خلال توفّر القناعة الذاتية للحامل السياسي القائم والمطالب بعدالة الساخطين والناقمين والراغبين، أو بإصلاحات الإقناع والمفاوضات بحيث يتم الإصلاح عن طريق ضمِّ الإصلاحيين بالتوافق والتفاهم للمشاركة في حمل مسؤولية الإصلاح وهذا هو الطريق الأرستقراطي، أو عن طريق عرض الموضوع على الشعب وهذا هو الطريق الديمقراطي للحكم، أو باللجوء إلى الطرق الأخرى التي نصّت عليها الجدلية الماركسية في حال عدم التفاهم بين فئات المجتمع الضاغطة من أجل الإصلاح وتلك المستفيدة من الوضع القائم، وهنا تكمن في بعض الدول المتخلّفة اقتصادياً واجتماعياً فرصة أن تقوم بيروقراطيات رأسمالية الدولة باستباق أي عملية إصلاح حقيقية وإجهاضها عن طريق الانقلاب الذاتي إلى رأسمالية المنتفعين التي تقوم بإصلاحات انتقائية واقتصاد سوق تسيطر عليه الأوليجارشية وليبرالية شكلية محدودة بالنخبة الحاكمة تضيّع كلاً من الحرية الفردية وحريات الاختيار والعدالة الاجتماعية سواءً بشكلها الطوباوي الشخصي أو من حيث واقعها، وهذا ما يُسمّى عادةً بالتصحيح الذي تقوم على تنفيذه بيروقراطية حمقاء لا لون لها ولا طعم، ولهذا لا يمكن للإصلاح أن يكون تصحيحاً، أو على الأقل إنه ليس إصلاحاً بالضرورة، فالأوليجارشية أي النخبة البيروقراطية المسيطرة تريد الإصلاح تصحيحاً أي أنها تودُّ القيام ذاتياً بإصلاحٍ لا تؤمن هي بمبادئه ولا بتوجهاته، وبالتالي هي من يحدد حجمه وأبعاده الزمنية والمكانية.

التعقيبات والمداخلات

مظهر مجركش:

تمحورت المحاضرة حول الإصلاح الداخلي والإصلاح الخارجي. الإصلاح الداخلي ضعيف الفاعلية، ضعيف التأثير، أما الخارجي فهو المنوط به الإصلاح الذي يأتي عبر المثقفين الليبراليين، هذا ما جاء على لسان المحاضر وكأن غير هؤلاء غير معنيين بالإصلاح، إن الإصلاح يعني التاجر والعامل والشركات الصغيرة والكبيرة سواءً أكانوا من المثقفين أو لم يكونوا، فهم معنيون بالإصلاح، وليس فقط المثقف الليبرالي هو المعني بعملية الإصلاح.

المصالح العامة تُبنى على المصالح الخاصة، إذاً كل مواطن يعمل على مصلحته الخاصة هو مصلح من خلال هذه المصلحة الخاصة، أما الإصلاح الخارجي فمن أين يأتي، ومن هو الخارج الذي يطلب من الدولة الإصلاح. جاء على لسان المحاضر حرية رأس المال، أي يقوم الإصلاح الخارجي وبعده مباشرة تأتي حرية رأس المال، وهذا يعني وكأننا نبيح شفط الأموال بهذه الحرية، إن الإصلاح بهذا الشكل هو نوع من الانتحار، ولا أدري إذا كان المحاضر يعنيه فقط أن يكون من هؤلاء الليبراليين المسؤولين عن الإصلاح.

رياض الأبرش:

السي مجركش قال إنني قلت بأن المثقفين الليبراليين هم الذين يقودون الإصلاح، أنا لم أقل ذلك، ولكن يبدو أنه قد أسيء فهم الكلام، فأنا قلت أن عملية الإصلاح تتم، الآن يجري ضغط داخلي ما بين المثقفين الليبراليين من جهة وأنصار الحريات لكلٍ من العمل والرأسمال بشكلٍ طبيعي، وضربت مثلاً على ذلك، قانون الإيجارات الذي هو صراع بين الحرية الفردية وبين العقد شريعة المتعاقدين، وبين أنصار العدالة الاجتماعية الذين يُطالبون بحقهم في سكنٍ طالما أنهم موجودون في هذه الدنيا. ثانياً أنا لم أدعو فقط لحرية الرأسمال، أنا قلت أنني أطالب بأن يكون هذا الإصلاح لصالح كلِّ الناس، لصالح أنصار الحريات بقدر ما يكون لصالح أنصار العدالة الاجتماعية، فنحن نريده وطنياً وهذا ما أراده الأستاذ رياض سيف من طرح هذا الموضوع في منتداه، أنا أكرر مرةً أخرى أنني أدعم فكر الحريات ولكني لست ضد العدالة الاجتماعية المنطقية، أنا ضدها في المفاهيم الطوباوية، فلكل إنسان الحق في الحصول على الحد الأدنى اللازم لإنسانيته.

ميشيل حلواني:

الموضوع يمسُّ مختلف شرائح المجتمع ولا يمكن تغطيته بجلسة أو جلستين أو ثلاث، أنا راغب أن نحدد بدقة ماذا يعني الإصلاح، وبالتالي فإن المفاهيم الأخرى ستصبح قيد الدراسة ضمن ميزان خاص، الإصلاح ظاهرة، وكأي ظاهرة في المجتمع هياجتماع ووحدة ما بين طرفين، وإذا قسمّنا الظاهرة إلى محورين أساسيين سنجد أن أهم طرفين للظاهرة هما: الوعي والحواس، الوعي ويعني المرجعية الفكرية والأيديولوجية، والحواس هي القوى التي ستؤثّر وتجعل الظاهرة منتصرة في فترة زمنية محددة. إذاً المرجعية هي مرجعية وعي وأيديولوجيا ومرجعية مادية أيضاً، إذاً المجتمع في مختلف مراحل تطوره عبارة عن ظواهر متناحرة، لكن متناحرة على التوازي، إذاً على الدوام هي متصارعة، وعلى الدوام هناك ظواهر منتصرة وأخرى متنحية، وحتى نحقق في مجتمعنا تكافؤ الفرص لكل الظواهر يجب أن نُطالب بالوعاء الديمقراطي الذي يتسع لكلِّ الظواهر، إذاً يجب تحديد الظاهرة وإعطاء الفرص لكلِّ الظواهر كي يكون الصراع في المجتمع متكافئاً وبالتالي المطلوب الأساسي هو توفر الوعاء الديمقراطي الذي يتسعُّ لكلِّ الظواهر بما في ذلك المسألة الخارجية.

رياض الأبرش:

الجواب بنفس البساطة التي أشار إليها السيد السائل، هناك ظواهر منتصرة فعلاً ويجب على هذه الظواهر أن تستقرأ النتائج المترتبة على انتصارها، وهناك ظواهر متنحية وعلينا استخلاص النتائج المترتبة على تنحيها، أنا معه في قبول مشروط للعولمة، بعض الناس يأخذون من العولمة جوانبها الإيجابية وأُناس أخر يرون فيها سواداً وسلبيةً في كل شيء، وأنا لا أرى الطرف الثاني محقاً بما يراه في العولمة، ولكن أنا أيضاً وبنفس الوقت لست مع قبولها دون قيدٍ أو شرط، أنا مع قبولها والتفاعل معها على أساس أنها حقيقة موضوعية، وفي ضوء مراعاتنا لخصوصيتنا وهويتنا وظروفنا البيئية والعقائدية التي نعيشها.

بالنسبة للوعاء الديمقراطي كنا دائماً نقول فيه، نتمناه ونسعى من أجله ونؤيد السائل وكل من يدعو إلى ذلك. أشرت أنا إشاراتٍ عابرة تقصّدتها طبعاً، فقد قلت أن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن يُأخذ به كمدخل لأشياءٍ أخرى، وتحدثت عن مدخلٍلإصلاح اجتماعي وسكت عن الباقي، والباقي يمكن أن يُفهم من النص.

د. وليد البني:

أطربني ما سمعت، فلأول مرة ألمس جرأةً أو ما يشبه الجرأة لما نفكّر فيه، كان هناك استعراض تاريخي لوضع سوريا منذ عام 46 وحتى الآن، ولا أدري لماذا كان مختصراً، قصداً أم لعامل الوقت، نحن في منتدى ديمقراطي وطني لذلك نريد أن نقول كلَّ ما نعتقد بكلِّ حريةٍ وديمقراطية وانتماءٍ للوطن، كنتُ أرغبُ بشرحٍ أكبر، هل كان هناك إصلاح كما تشير الأرقام، هل الليبرالية مفيدة كما سادت رغم الظلم الاجتماعي الذي كان. وهل كان من الأفضل أن يُزال هذا الظلم الاجتماعي بطريقةٍ ديمقراطية وليبرالية أفضل من الثورات التي أسماها الدكتور رومانسية وقومية واشتراكية، لم ألمس شرحاً لماذا فشل الليبراليون هل كان بسبب داخلي أم خارجي، ثم لم أفهم لماذا فشل القوميون والرومانسيون والاشتراكيون، وهل كانوا يعنون ما يقولون فعلاً أم أنها شعارات فقط لاستحداث التغيير في المراكز. المطلب الإصلاحي الآن في سورية عُرضة لضغوطٍ داخلية وأخرى خارجية، فبعد سقوط فكرة الدكتاتورية بكلِّ أنواعها سواءً دكتاتورية البروليتاريا أو ديكتاتورية الوحدة العربية وبدأت الناس تتجه فعلاً نحو ليبرالية حقيقية، والتي تعني الحرية ولا أعتقد أن هناك شخصاً لا يريدها أو لا يريد أن يكون حراً، وبرأي أنا أن الظروف الداخلية لها دورها، هناك فقر حقيقي، يمكن أن يكون هناك ملك مع ظلم أما مع فقر صعب، ليس هناك ظلمٌ وفقر،فالعامل الداخلي مهم وهو ما جعل الناس تسعى فعلاً لأن تقول ما تريد، كما أن للخارج دورٌ أيضاً، ولكن للداخل دورٌ أكثر من الخارج، الليبراليون من يمثلّهم؟ وهل هناك تناقض بين الحرية الفردية والعدالة الاجتماعية، الحرية تؤدي لعدالة اجتماعية،محاربة الفساد كجزء من عملية الإصلاح وهذا لا يمكن أن يتم بدون نفحة ديمقراطية بحيث يكون الإصلاح مراقباً من مؤسسات المجتمع المدني وحتى من معارضين يتمنون أن يحلّو محلهم بشكلٍ أو بآخر سلمياً وديمقراطياً.

رياض الأبرش:

أولاً: عند جيلي والأجيال التي ستأتي بعدنا ستُذكر الخمسينات باعتبارها حقيقة، وأنا أعتزُّ كثيراً بفترة الخمسينات لأنها كانت ذهبية حقيقة، ولا أستطيع أن أُنكر أنه كان هناك ظلم اجتماعي، لكنه ظلمٌ غير مقصود، كما كان هناك بعض الحالات الفردية، أنا لم أدافع ولن أدافع عن ظلمٍ في يوم من الأيام سواءً لأفراد أو مجموعات، وظلم الخمسينات وقع لأسبابٍ تاريخية، والظلم التاريخي لا يمكن أن يُحمل إلى حقبةٍ من الزمن فقط.

لماذا فشل الليبراليون؟، سؤال طرحته على نفسي باستمرار عندما كنت أدرس الدكتوراه في ألمانيا وقد قابلت العديد من المستشرقين والصحفيين المهتمين بهذه المنطقة. أنا أعتقد أن الليبراليين لم يقدّر لهم البقاء لأنهم لم يشكّلوا في وقتٍ من الأوقات طبقة سياسية متجانسة ولهذا فشل المشروع الليبرالي طويل الأمد.

أما بالنسبة للفساد، فقصته معروفة وعلاجه معروف، الفساد الصغير مشكلة موضوعية، فنحن نعطي الشرطي 2500 ل.س ونعرف أنه يحتاج 5000 ل.س بدون نفقات صحة وتعليم ونفقات خاصة وبدون أن تكون له سيارة، فهذا الوضع يعني وكأننا نقول له اذهب ودبّر أمرك.

كثيراً ما يُقال لي هل يمكن إصلاح القطاع العام؟ وأُتهم بأنني من دعاة الخصخصة وأنا لست كذلك، ولكن أقول لكل محبيّ القطاع العام ومدّعي هذا الحب لماذا أُخذت مال هذا القطاع وجُرِدَ تماماً من كلِّ أدواته، لماذا تديرون الاقتصاد الوطني إدارةً اجتماعية بحتة؟، عندما كنت معاوناً لوزير التخطيط قلت في جلسةِ خاصة لابدَّ من فصل الاقتصادي عن الاجتماعي، فجاء من يقول لا يوجد فصل ما بين الاقتصاد والسياسة وقلت لهم بل يوجد، لأنه لا يمكن أن أوظف أيَّ إنسان لا أحتاج إليه ليبقى في بيته ثم أعطيه 1000 ل.س.

حسام ميرو:

ما تمَّ طرحه يشكو من نقصٍ أكاديمي واضح، عندما كنت في المدرسة أذكر أنه كان يقال لنا “الماركسيون يدعون إلى مجتمع كذا والليبراليون إلى مجتمع كذا”.. هناك شيءٌ تاريخي لا نريد أن نقفز عنه، هل هناك تطابق ما بين المجتمع والدولة، أم لا زلنا في مجتمعات ما قبل الدولة، هناك أيديولوجيا شعبية عامة هل تساعد هذه الأيديولوجيا على التنمية؟، ما هي حصة سورية من العمل الدولي؟، في الخمسينات كانت دباباتان كانتا تقومان بانقلاب، أما اليوم فنحن في دولة مؤسسات، إذاً نحن في مرحلة مهمة جداً، هل تتعارض الحرية مع المؤسسة؟، أم علينا نسعى لنطابق ما بين الحرية والمؤسسة، في أوربا أعتقد أن هذا التناقض موجود ولكن في حدوده الدنيا لأن مؤسسات المجتمع المدني تقوم بتأدية خدمات كبيرة للناس، نحن مجتمعات مشروعها النهضوي عمره مئة عام، والمئة عام ليست زمناً كبيراً. المدخل للاقتصاد في العالم الثالث هو السياسة وفي الغرب الاقتصاد يبني السياسة ويبني الديمقراطية.

مجلس الشعب، الإعلام، القضاء المستقل، فصل السلطات والتعددية السياسية أعتقد أنها اليوم مطالب طوباوية، فهل هذه المطالب واقعية، لماذا نستعجل التاريخ؟، يبدو أننا مغرقون في الأيديولوجيا، هل لدينا ثقافة وطنية حتى في الأحزاب العلمانية؟

رياض الأبرش:

أنا قلت أن مجتمعنا تغلب عليه الأميّة، كثيرون يقولون لي أن “الإسلام هو الحل” وأنا أقول لهم أيَّ إسلام تريدون، وكثيرون يقولون الديمقراطية وأنا أحب الديمقراطية ولا أستطيع أن أنكر ذلك، وأنا من محبّي الحريات. السيد حسام ميرو سأل هل المجتمع جدير بالديمقراطية؟ وهل نضمن إذا تُرِكت الحرية لهذا المجتمع أن لا يعيد قواه التقليدية مرة أخرى وهل القوى التقليدية قادرة أو لديها مشروع إصلاحي؟، أنا أشعر بالإحراج فهذه القوى وغيرها لا تملك القدرة على القيام بذلك، لا أستطيع إلا أن أصمت وأقول أننا بحاجة إلى بعض الوقت، ولكن لا أقول أن لا نبتدأ أبداً، إما أن نبدأ لنكون ديمقراطيين ونتفهّم بعضنا بعضاً أو أننا لن نصبح أبداً، حيث سيأتي بعد عشر سنوات أُناس ويجلسون في نفس المكان ويقولون ما زلتم غير مؤهلين، أعتقد أن هذا هو الجواب، وأعتقد معه أن للثقافة دور ولكن لا أحبُّ التعريج عليها كثيراً لأنني أعرف حساسيات الموقف.

حسيبة عبد الرحمن:

عنوان المحاضرة هو الإصلاح الاقتصادي، والحقيقة أن الإصلاح الاقتصادي غاب عن كلِّ المحاضرة، حاول المحاضر تقديم بعض المفاهيم والتعاريف الخاصة ببعض القوى الاجتماعية التي تقوم بالإصلاحات، لكن في الحقيقة لم يقدّم شيئاً من حيثالإجراءات المطلوب إنجازها ليتم الإصلاح وليتمَّ تحسين الأداء والوضع الاقتصادي في سورية.

في ما يتعلق باستعراض المرحلة التاريخية منذ الاستقلال حتى عام 1958، فمثلما فشل القوميون فشل البرجوازيون، والاثنان وصلا إلى أزمةٍ خانقة أَدّت إلى انقلاباتٍ عسكرية بسبب الأزمة الاقتصادية والسياسية التي كانت تعيشها سورية، والآن نحن نشهد أزمة تحاول السلطة تجاوزها بالإصلاح الاقتصادي والسياسي. لا أدري لماذا خجل الدكتور من الانتماء إلى الليبرالية، الليبرالية ليست تهمة. في طرحك الأخير تريد المزاوجة ما بين الليبرالية والعدالة  الاجتماعية، هذا يعني أننا عدنا إلى الدائرةالاقتصادية المغلقة نفسها مرةً أخرى.

متطلبات الإصلاح التي يطرحها واقع ومشكلات قطاع التجارة الخارجية*

الدكتور عارف دليلة**

تعتبر التجارة الخارجية من أهم ميادين السياسة الاقتصادية نظراً لتأثيرها الكبير على التطور الاقتصادي سلباً أو إيجاباً. وأهداف سياسة التجارة الخارجية ليست مستقلة بل هي أدوات لتحقيق استراتيجية التنمية الاقتصاديةوالاجتماعية الشاملة. وهناك أدوات لخدمة سياسة التجارة الخارجية مثل سياسة سعر الصرف، والسياسة الجمركية والسياسة الضريبية وغيرها.

ويعتبر الميزان التجاري لدولة ما المرآة التي تعكس مستوى وخصائص تطور اقتصاد هذا البلد واتجاهات تخصص وتميز هذا الاقتصاد، معبّراً عن ذلك بحجوم ونوعيات الصادرات والواردات من السلع ومن الخدمات، وبرصيد الميزان التجاري. ويعبر تطور العلاقة النسبية بين قيمة وحدة الصادرات وقيمة وحدة الواردات، وما يسمى بشروط التجارة عن تطور فعالية اقتصاد هذه الدولة مقارنة بتطور فعالية الاقتصادات الأخرى، أي هل يتقدم هذا الاقتصاد أو يتأخر.

لو تتبعنا التغيرات التي طرأت على الميزان التجاري السوري لتبّين لنا، أولا:ً يتميزبحدّة التقلبات صعوداً وهبوطاً، بل مع اتجاه عام نحو الهبوط على مدى العقدين الأخيرين، وثانياً:أن هذه التقلبات كانت انعكاساً للتقلبات الاقتصادية التي اتصف بها تطور الاقتصاد السوري خلال العقدين الماضيين.

ولكي نتتبع مسار تطور الصادرات والواردات يجب أن نعيد تقويم الأرقام الإحصائية على أساس سعر صرف واحد، إذ أن الأرقام حتى عام 1986 كانت محسوبة على أساس سعر صرف 390 ـ 405 ق.س للدولار, ومنذ عام 1987 أصبحت محسوبةعلى أساس سعر صرف 1120 ـ 1125 ق.س للدولار، وهناك الآن أسعار صرف جديدة مختلفة.

– بالنسبة للواردات: بلغ رقم قيمة الواردات الذروة الأولى عام 1981 وهو 19781 مليون ل.س (حوالي 5 مليار دولار) وانخفض عام 1986 إلى 10709 مليون ل.س أي بحوالي 45% عن مستواه عام 1981.

بينما وصل في عام 1989 إلى أدنى مستوى وهو 23544 مليون ل.س (حوالي 2.1 مليار دولار) ليعود بعد ذلك إلى ذروة أخرى (أكثر بقليل من مستوى عام 1981) وهو 61374 مليون ل.س عام 1994 (أي حوالي 5.5 مليار دولار) وليهبط مرة أخرى عام 1999 إلى 43000 مليون ل.س (أي حوالي 3.9 مليار دولار).

بالنسبة للصادرات: بلغت قيمة الصادرات عام 1981 مبلغاً قدره 8254 مليون ل.س (حوالي 2.050 مليار دولار) وانخفضت عام 1986 إلى 5199 مليون ل.س أي بنسبة حوالي 30% عن مستواها عام 1981. وارتفعت عام 1989 إلى 33740 مليون ل.س (أي حوالي 3 مليار دولار) وذلك مع بدء تطبيق اتفاق المدفوعات مع الاتحاد السوفيتي الذي كان فرصة استثنائية لتضخيم أرقام الصادرات الكاذبة, وفي عام 1990 بلغت الصادرات الذروة بسبب اتفاق المدفوعات، فوصل إلى 47282 مليون ل.س أي حوالي( 4.3 مليار دولار) ثم انخفضت عام 1991 إلى 38504 مليون ل.س وذلك رغم بروز الصادرات النفطية ولتعود مرة أخرى إلى ذروة جديدة عام 1996 حيث بلغات 44887 مليون ل.س (أي حوالي 4.1 مليار دولار) ولتنخفض عام 1998 إلى 32443 مليون ل.س بسبب انخفاض أسعار النفط ولترتفع عام 1999 بسبب ارتفاع أسعار النفط إلى 38880 مليون ل.س.

رصيد الميزان التجاري: من مقارنة أرقام الصادرات والواردات نلاحظ أنه خلال الفترة 1981ـ1988 كانت الصادرات لا تزيد بالمتوسط عن نصف الواردات، بينما حقق الميزان التجاري فائضاً كبيراً خلال سنوات 1989،1990،1991 بلغ حوالي 38 مليار ل.س، أي حوالي 3.4 مليار دولار، وهو فائض حسابي وهمي في قسم كبير منه, إذ أن جزءاً منه يعود إلى القيم الحسابية المضخمة بشكل مصطنع بسبب اتفاق المدفوعات، بينما يعود الجزء الآخر إلى ظهور الصادرات النفطية. ومنذ عام 1994 حتى 1999 يعود العجز إلى نسبة تتراوح بين ثلث قيمة المستوردات وربع قيمة المستوردات، ويتضمن رقم الصادرات أيضاً صادرات كاذبة بسبب ربط الاستيراد بقطع التصدير.

ما بين الرصيد الرسمي والرصيد الفعلي للتجارة الخارجية: تتأثر قيم الواردات والصادرات المبينة في الإحصاءات الرسمية بعدد من العوامل التي تجعلها بعيدة عن القيم الحقيقية للمستوردات والصادرات الفعلية. ويرجع هذا الاختلاف بالأساس إلى السياسات الاقتصادية, ومن هذه العوامل والسياسات:

1ـ سياسة تقييد الواردات: لم تكن هذه السياسة قائمة على سياسة حمائية معللّة، بل كانت تحكمها القرارات الاعتباطية المرتجلة والجامدة فاقدة الصلة بأوضاع السوق الداخلية ومتطلبات الإنتاج والاستهلاك، كما أنها لم تحقق أي ترشيد للاستيراد وتوجيه له في خدمة التنمية، بل أدّت لاختلالات ضخمة ذات كلف عالية على الإنتاج والاستهلاك، كانت من نتيجتها تحويل جزء كبير من الدخل القومي، وبالأخص من حصة ذوي الدخل المحدود، إلى جيوب فئات طفيلية للاستهلاك ألتبذيري أو للتهريب إلى الخارج مع تغذية السوق بشكل غير نظامي بسلع سيئة المواصفات ذات آثار ضارة على المنتجين والمستهلكين، وعلى مستوى المعيشة العام، وبالأخص للطبقات التي تعيش على دخل العمل والعاطلين عن العمل.

أما بالنسبة للصادرات، فبالإضافة إلى الأسباب المحفّزة على تضخيم القيم الاسمية للصادرات إلى الاتحاد السوفيتي في الفترة 1988 ـ 1991 أي فترة اتفاق المدفوعات، فقد كان لربط الاستيراد بالتصدير أثرمماثل على تضخيم قيم الصادرات وظهور صادرات كاذبة ضخمة حيث حقق المتاجرون بالقطع في الأسواق السوداء ثروات ضخمة على حساب المنتجين والمستهلكين، وعلى حساب خزينة الدولة، إذ إن تزايد الاستيراد بقطع التصدير جرى في وقت كانت فيه نسب متزايدة من الواردات تعفى من الجمارك وتدخل البلاد عن طريق الاستثناءات.

وهكذا فإن أرقام الميزان التجاري الرسمي لا تصلح أساساً لاتخاذ قرارات وسياسات اقتصادية لأنها بعيدة عن الوقائع الفعلية. ولكي تصلح ذلك لابد من معالجة أسباب الانحرافات والتشوهات التي تعاينها وذلك بتعديل السياسات الكامنة وراء هذه الانحرافات والتشوهات، مثل إتباع السياسة الجمركية بدلاً من المنع أو التقييد كأداة لترشيد الاستيراد، وإعادة دور المصرف التجاري السوري في خدمة كامل عمليات الاستيراد والتصدير وإلغاء القرارات التي تلغي دور المصرف هذا وتحوله إلى المصارف في الدول الأخرى، مثل قرارات منعه من شراء القطع بأسعار السوق وتغطية قيم الواردات, وبهذا الشكل يجب إلغاء الاستيراد بتسهيلات ائتمانية أو بقطع تصدير، والتي تحول مهام المصرف التجاري السوري إلى الأسواق السوداء.

أمابالنسبة لطبيعة ولاستخدامات المواد المستوردة والمصدرة:فان معرفة التغيرات في نسب مكونات الصادرات والواردات المصنفة حسب طبيعة المواد واستخداماتهاتساعد في الاستدلال على اتجاهات تطور الاقتصاد الوطني وعلى اختيار السياسات المناسبة لتفعيل التنمية وتحقيق أهدافها الاقتصادية والاجتماعية. ومن المهم تطوير قانون الجمارك والاهتمام بوضع تصنيف جديد لأنواع المستوردات والصادرات يجعل المعاملة التمايزية الجمركية مرتبطة بأهداف واضحة وسليمة وليست تفصيلاً على مصالح شخصية أو فئوية معينة.

من الأرقام المتوفرة حالياً نلاحظ أن انخفاض المستوردات عام 1999 عنها عام 1995 تتركز بالدرجة الأولى في المواد المصنوعة (من 24.3 إلى 17.5 مليار ل.س), وبالدرجة الثانية في المواد نصف المصنوعة (من 23.9 إلى 20.6 مليار) بينما ارتفعت المواد المستوردة الخام بنسبة طفيفة (من 4.6 إلى 4.9 مليار). أما بالنسبة لاستخدامات المواد فقد انخفضت قليلاً قيمة المستوردات الاستهلاكية ( من 7.8 إلى 7.2 مليار ل.س) وكذلك المواد الوسيطة (من 27.4 إلى 25.4 مليار), ولكن الانخفاض كان كبيراً جداً في المواد الرأسمالية أي الإنتاجية (من 17.6 إلى 10.4 مليار ل.س), ويعتبر ذلك مؤشراً على اتجاه سلبي يعبر عن حالة الركود وبالأخص في ميدان الاستثمار، والذي تزامن مع انخفاض معدل النمو الاقتصادي.

وبالنسبة للصادرات: فقد بقيت قيمة الصادرات الخام دون تغيير تقريباً ما بين عامي 1995 ـ 1999 (32.8 و 32.5 مليار) بينما انخفضت قيمة الصادرات المصنوعة بنسبة كبيرة (من 9.7 إلى 4.7 مليار) وهو مؤشر يدل على اتجاه تطوري سلبي، وانخفضت قيمة الصادرات نصف المصنوعة (من 2 إلى 1.7 مليار)، وبالإجمالي انخفضت الصادرات من 44.6 مليار إلى 38.9 مليار ل.س ما بين عام 1995 ـ 1999. وبالنسبة لاستخدام المواد، فقد انخفضت الصادرات من المواد الاستهلاكية من 9.5 إلى 7.6 مليار ل.س، كما وانخفضت الصادرات من المواد الوسيطة من 34.7 إلى 31.2 مليار، والصادرات من السلع الرأسمالية من 350 مليون إلى 90 مليون ل.س، وهي دلالات أخرى على اتجاه سلبي في تطور الاقتصاد الوطني.

وبالأرقام نلاحظ أن سورية وهي بلد زراعي يعاني من عجزا كبيرا حتى في ميزان تجارة السلع الغذائية والحيوانات الحيّة، إذ صدّرت عام 1999 منها القيمة 6148 مليون ل.س واستوردت 9333 مليون ل.س, وهناك عجز كبير آخر في استيراد  والتبغ (صادرات 60 مليون وإيرادات 118 مليون ل.س، ولكن الواردات لا يشكل إلا نسبة لا تذكر من الواردات الفعلية وهي في معظمها غير نظامية وتقدّر قيمتها بعشرات مليارات الليرات السورية.

وأما العجز في تجارة الزيوت والشحوم الحيوانية فهي بين 181 مليون صادرات و116 مليون ل.س واردات، والعجز في المواد الكيماوية ومنتجاتها ما بين 339.5 مليون صادرات و5393 مليون ل.س واردات، وبالنسبة للعجز في البضائع المصنوعة ما بين 1511.2 مليون ل0س واردات و13665 مليون ل.س صادرات ومن معدات النقل ما بين 91 مليون صادرات و 947 مليون واردات.

وتعتبر العجوزات الثلاثة الضخمة في البنود الثلاثة الأخيرة (المواد الكيماوية والبضائع المصنوعة، ومعدات النقل) عن قصور نمو وعن تخلف القاعدة العلمية التكنولوجية للاقتصاد الوطني، إذ إن هذه النوعية من الصادرات هي التي تحمل أكبر نسب من القيمة المضافة بينما المواد الخام، باستثناء النفط، تتصف بأقل نسبة من القيمة المضافة، وميزاننا التجاري يشهد عجزاً كبيراً فيها أيضاً.

إن الفائض الوحيد في ميزاننا التجاري يظهر في ميزان الوقود المعدني حيث صدرت سورية عام 1999 وقوداً معدنياً بقيمة 26113 مليار ل.س مقابل استيراد ما قيمته 1212 مليار ل.س، وتحقق فائض بسيط أيضاَ في ميزان المواد الخام عدا الوقود حيث بلغت الصادرات 2471 مليون ل.س مقابل واردات 2016 مليون ل.س.

وبالنتيجة فإن الريع النفطي هو وسيلتنا لتغطية عجز ميزاننا التجاري الناتج عن التخلف الاقتصادي، بالإضافة إلى عجز ميزان الأغذية والحيوانات الحية.

هذه الصورة الراهنة لميزاننا التجاري تؤكد على عمق التخلف البنيوي في الاقتصاد السوري وعلى العلاقة السلبية بينه وبين الاقتصاد العالمي، حيث يصدر الريع غير الناجم عن العمل سواء العمل الفيزيولوجي أو العمل الذهني، ويكاد لا يصدر نسبة تذكر من السلع التي تحمل قيمة مضافة ملموسة، بينما بالمقابل يستورد جميع السلع الغنية بمحتواها من القيمة المضافة أي من نتاج العمل الإنساني، وبالأخص العمل الذهني، وسيلة الإنتاج الرئيسية في اقتصاد المعرفة المعاصر. فلو وضعنا الصادرات النفطية جانباً، كأي بلد غير مصدر للنفط، فإننا سنكتشف عمق الأزمة التنموية، حيث سيبدو اقتصادنا مكشوفاً عارياً بدون أي غطاء, إن الاستمرار باستخدام النفط كتغطية للفجوات والعجوزات المتزايدة الإتساع سيكون عامل تعمية وتضليل عن ضخامة التحديات والمخاطر الماثلة في الوقت الراهن، وبالأحرى في المستقبل المنظور، والتي تتطلب تغييراً جذرياً خاصة إذا ما نظرنا في ميزاننا التجاري مع الدول الصناعية باستثناء النفط من الصادرات.

بالنسبة لمواقع القطاعين العام والخاص في التجارة الخارجية:

المستوردات: تغّيرت نسبة مساهمة القطاعين العام والخاص في المستوردات تغيّراً جذرياً ما بين عامي 1980 و 1999. ففي عام 1980 كان القطاع الخاص يستورد ربع المستوردات والقطاع العام ثلاثة أرباع المستوردات، وانخفض نصيب القطاع الخاص إلى أقل من خمس المستوردات عام , 1985 وأصبح القطاع العام يستورد أربعة أخماس الواردات (وللحقيقة كان القطاع الخاص يستورد أضعاف وارداته الرسمية بطرق غير نظامية). واعتباراً من عام 1991 ارتفعت حصة القطاع الخاص من الواردات عن حصة القطاع العام (16.6 مقابل 14.5 مليار ل.س) حتى اقتربت حصة القطاع الخاص عام 1995 من ثلثي الواردات مقابل الثلث للقطع العام (34.5 مليار مقابل 18.3 مليار ل.س) وفي عام 1998 أصبحت حصة القطاع الخاص ثلاثة أرباع الوردات مقابل الربع للقطاع العام، أي عكس ما كان التناسب بينهما في مطلع الثمانينات وكان التناسب بين القطاعين مماثلاً لما كان عليه عام 1998 وذلك في الربع الأول من عام 2000.

الصادرات: في عام 1980 كانت صادرات القطاع العام أكبر بـ 12.5 مرة من صادرات القطاع الخاص (7.7 مليار مقابل 0.6 مليار ل.س) وفي عام 1986 انخفضت صادرات القطاع العام إلى 3.6 مليار مقابل ارتفاع صادرات القطاع الخاص إلى 1.6 مليار,, واستمرت صادرات القطاع العام تفوق بحوالي الضعف صادرات القطاع الخاص (1991، 1994، 1999) وبحوالي ثلاث مرات (1992،1993،1994،1995،1997) وبحوالي أربعة مرات في الربع الأول عام 2000.

يلاحظ أن جميع قوانين تشجيع الاستثمار التي أوقعت اختلالات كبيرة في ميزانية الدولة وتشوهات استثمارية لغير صالح القطاعات الإنتاجية لم ترافقها أي تغيرات إيجابية لا كمية ولا نوعية في الميزان التجاري، بل رافقتها تغيرات سلبية في السنوات الأخيرة حيث تمثل صادرات القطاع الخاص إلى الانخفاض بالحجم المطلق ولم تظهر أي تحسن في بنيتها يشير إلى ظهور صادرات نوعية جديدة تحمل قيمة مضافة عالية. والأمر نفسه ينطبق على القطاع العام الذي تقتصر صادراته على المواد الخام تقريباً وعلى رأسها النفط والقطن والفوسفات.

الإيرادات الجمركية: رغم أن المستوردات تتركز في المواد المصنوعة والمواد الكيماوية ووسائل النقل، أكثر منها في المواد الخام أو الوسيطة, مع ذلك فإن الحصيلة الجمركية في الموازنة السورية لا تزيد في موازنة عام 1992 التقديرية عن 10170 مليون ل.س وفي موازنة عام 2000 التقديرية عن 12500 مليون ل.س، أي 200ـ250 مليون دولار، بينما تبلغ الحصيلة الجمركية في لبنان 1.5 مليار دولار، أي ستة أضعاف الحصيلة السورية، علماً بأن الواردات السورية النظامية وغير النظامية تعادل الواردات اللبنانية، أي 6 مليار دولار، وعلماً بأن لبنان يتقاضى رسوماً جمركية مخفضة بعكس سورية التي تتقاضى رسوماً جمركية بمعدلات عالية0

إن ضياع أكثر من مليار دولار أي 50 مليار ل.س أو أربعة أخماس الرسوم الجمركية في سورية أمر بالغ الخطورة ويشير إلى كثير من العيوب التشريعية والإدارية والتنظيمية التي يجب أن تكون على رأس مهمات الإصلاح.

الإصلاحات المطلوبة في إدارة وتنظيم التجارة الخارجية:

1ـ وضع قانون عام جديد للجمارك يحل محل جميع القوانين والتعليمات المعمول بها ويزيل الالتباسات والتعقيدات الحالية ويأخذ بالاعتبار المستجدات والتغيرات الجذرية في التجارة الدولية والإقليمية ويشتمل على تصنيف جديد للسلع والرسوم الجمركية إلى زمر رئيسية بما يخدم التنمية الاقتصادية ويلغي أسباب التهرب والتهريب والفساد ويبسط ويسرع التخليص الجمركي ويضمن حقوق الدولة الكاملة.

2ـ وضع مبادئ سياسة جديدة للحماية تتركز على الرسوم الجمركية ولكنها مانعة للاحتكار في الوقت نفسه، ومؤشر الاحتكار هنا ليس عدد المنتجين وإنما سعر البيع في الأسواق الداخلية لنفس النوعية الذي يجب أن يكون متقارباً مع الأسعار الدولية، وأي اختلال كبير بينه وبين الأسعار الدولية يجب أن يدفع لتعديل سياسة الحماية. فسياسة الحماية يجب أن تكون مرنة ومتغيرة لتحقيق القدرة التنافسية للإنتاج الوطني، وأن لا تميز في ذلك بين قطاع عام أو قطاع خاص.

3ـ التخلي عن سياسة الإعفاءات والاستثناءات من الرسوم الجمركية أو سياسة الحماية الموصوفة أعلاه والتأكيد على التطبيق الشامل للقانون في حال الإعفاء أو الاستثناء.

4ـ إعادة الوظائف المصرفية في خدمة التجارة الخارجية كاملة وبما يتفق مع ما هو سائد عالمياً، وذلك بالسماح الفوري للمصارف بشراء القطع الأجنبي بأسعار السوق المتغيرة يومياً، وتطبيق قانون النقد والتسليف، واستخدام القطع في فتح الاعتمادات المستندية وإلزام المصدرين بإعادة قيمة الصادرات وشرائها بالسعر الجاري وإلغاء ما يسمى بالتسهيلات الائتمانية وربط الاستيراد بالتصدير وغيرها من القرارات التي عطلت المصارف لكي يقوم بها نشطاء الأسواق السوداء, وأخّلت بقواعد السوق وحملت المنتجين والمستهلكين غرامات كبيرة أضرت بالاقتصاد الوطني عموماً.

5ـ التخلي عن التقسيم الإداري ألأوامري للعمل في التجارة الخارجية بين القطاعين العام والخاص والسماح لهما بالعمل على أساس تنافسي دون احتكار وفي مجالي الاستيراد والتصدير والخدمات كالتوكيلات الملاحية 0

6ـ إعفاء الصادرات من الرسوم الجمركية والضرائب باستثناء الصادرات التي تتضمن عنصراً ريعياً طبيعياً، يتمثل بالفرق الكبير بين أسعارها الدولية وسعرها المحلي، حيث يجب أن يذهب جزء كبير من الريع إلى الميزانية.

7ـ اعتبار النشاط الترويجي للصادرات، وكذلك المهام الاقتصادية الأخرى، من أهم الوظائف التي تقوم بها ممثلياتنا الدبلوماسية في الخارج ويجب اختيار موظفين مختصين ومؤهلين عبر دورات متخصصة وتزويد السفارات بهم وربط استمرارهم بنجاحهم في مهماتهم المحددة مع قيام الجهات المختصة بتزويدهم بجميع المعلومات الضرورية وإدارة عملهم ومتابعته بانتظام.

8ـ وضع نظام مراقبة للصادرات يحول دون وقوع إساءات تنعكس سلباً على الصادرات السورية وتحميل المسئولين عنها المسؤولية.

9ـ إحلال إبطال التصدير محل إبطال الاستيراد كمرجعية مساعدة استشارية وعند وضع السياسات واتخاذ القرارات الاقتصادية، وتحويل دور وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية ومديرياتها ووزارة المالية وإدارة الجمارك العامة من خدمة المستوردين بشكل أساسي كما هو جار حالياً إلى خدمة المصدرين والمستوردين، وإلغاء الانحياز إلى المستوردين والذي أضر كثيراً بالاقتصاد الوطني وبالتنمية الاقتصادية.

10ـ الحذر والحرص عند توقيع اتفاقيات دولية على عدم النص على قيود تحد من حرية سورية في التجارة الدولية، مثل قواعد المنشأ والمنشأ التكاملي.

11 ـ هناك شرط من الضروري إدخاله في اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوربي وهو ميزة ممنوحة لتركيا وإسرائيل ويسمى Preference وهو السماح للمستورد الأوروبي للبضائع السورية أن يعيد تصديرها إلى بلد خارج الإتحاد الأوربي لإعادة تصنيعها واستيرادها من جديد دون رسوم جمركية. ويفيد ذلك بشكل خاص المنسوجات التي يمكن تصديرها إلى بلد آخر كبولونيا، مثلاً، لصناعة الملابس منها وإعادتها، ويشجع هذا الشرط المستوردين الأوروبيين على استيراد المنتجات السورية.

12ـ الحذر والحرص على عدم الوقوع في أسر جهات منظمة تنفذ خططاً محكمة لمنع نفاذنا إلى الأسواق الدولية في السلع والخدمات إلا عبر قنواتها لتلغي حريتنا الاقتصادية وتملي علينا شروطها مستقبلاً.

13ـ تنظيم عملية الرقابة على المستوردات بما يحمي الاقتصاد الوطني والمنتج والمستهلك من المخالفات الضارة بالاقتصاد وبالبيئة أو بالصحة وغيرها.

14ـ الحرص في الاتفاقيات على أن لا تقتصر التبادلية على النصوص فقط, وإنماعلى أن تبنى على الأرقام الفعلية ما أمكن ذلك.

15 ـ إنشاء بنك معلومات والاستعانة بالإنترنت وتشكيل أرشيف وثائقي لجميع العروض التي تقدم إلى المناقصات الحكومية لدى جهة مركزية, وإصلاح قواعد المناقصات وإلغاء الأسباب التي تحد من النوعية والقيمة وغير ذلك.

المداخلات والتعقيبات:

زينب نطفجي: لدي رغبة في تعريفكم على وجوه نسائية، ومن خلالها يمكن أن نتعرف على بعض المشاكل التي تعانيها المرأة، واخترت لكم اليوم الحديث عن شخصية السيدة إكرام أنطاكي. قبل أسبوعين كتبت وكالة رويترز عن وفاة الأديبة والكاتبة إكرام أنطاكي، هذه السيدة ولدت في دمشق وتعلمت فيها ودرست في جامعتها. تفتحت حياتها في هذا البلد وحاولت أن تتآلف معه، لكنها لم تستطع ذلك كثيراً، فقد كانت متمردة ورافضة للكثير من ما هو قائم، وقد حاولت إيجاد مكان لها في ما هو مطروح، فعملت في الصحافة لكنها وبكل أسف لم تجد مكانها المناسب، فغادرت إلى باريس لهدف الدراسة، وبعدها عادت إلى دمشق لكنها لم تجد مكان العمل المناسب لها، لهذا، قررت الابتعاد فهاجرت إلى المكسيك، هذا البلد الرأسمالي المتوحش وقررت أن تحارب كي تجد لنفسها المكان الذي يليق بها كامرأة أولاً، وغير مكسيكية ثانياً، ولأنها عربية ثالثاً. في المكسيك درست الفلسفة، عملت وتزوجت وأنجبت، وبانتمائها العربي الأصيل، ورغم زواجها من مكسيكي، إلا أنها قررت تسمية ولدها مروان لتؤكد انتماءه إلى دمشق.

لها العديد من الكتب وقد حازت على جائزة عن كتابها الثالث عشر، وبعد عقدين من الزمن قررت العودة إلى الوطن إذ كانت تقول لنفسها: “ما ذهبت للبحث عنه في الغربية، لم يكن أكبر بكثير مما تركته في وطني”، فهناك تركت حضارة وأهل وانتماء، ولو أنني حاربت كما في الخارج لنلت ما حصلت عليه هناك. يجب أن نحب أوطاننا أكثر كي نتعلم العيش معاً، أرادت لابنها أن يحمل جنسيتها، لكن القانون يمنع ذلك، توفيت في الخارج، وآمل من وزارة الثقافة ؟أو من اتحاد الكتاب العرب الانتباه إلى النتاج الأدبي للسيدة إكرام، فالأدب المهجري لطالما أغنى حضارتنا.

محمود قيسانية: لي ملاحظة واحدة وهي، أننا نقوم بتشخيص المرض لكننا لا نعطي الوصفة، وجميع الأحزاب السورية، بما فيها حزب البعث والحزب الشيوعي وحركة الإخوان المسلمين والناصريين، وبسبب الحياة السرية فقد سادت لديهم العقلية الفردية، مما أدى إلى طغيان مفهوم الشللية وتقزيم الآخرين، وأيٍّ من هذه الأحزاب لو استلم السلطة فسيبقي الأوضاع على ما هي عليه بسبب الشللية وعدم الشفافية، وإذا كنا نريد بناء مجتمع مدني، فلنبنيه على أساس الشفافية والتخلص من الخوف الذي غزى دواخلنا.

مداخلة: ما سمعناه يدعو إلى الحسرة على حاضرنا ومستقبلنا، فالاقتصاد سيء ولا شيء يدعو للتفاؤل، خاصة وأن من خرّب لا زال هو نفسه في السلطة ويحاول أن يوهمنا بأنه سيصلح الأوضاع. كنت أتمنى وجود شخص يتبنى ويدافع ليقنعنا ولو وهماً بأن من خرّب يمكنه أن يُصلح، وبأن الإصلاح ممكن بدون وجود حرية للرأي الآخر، لماذا يُحرم الرأي الآخر من المشاركة؟، ألا يُدرك أصحاب القرار أن هناك كارثة؟، وأن هذا الاقتصاد سيسبب المجاعة لأجيالنا القادمة؟، ما هي طبيعة التحالف بين التجار والبيروقراطية، غدق ونماء وسلسبيل..الخ؟، من يملك هذه الشركات، ألا يملكها تجار متحالفون مع البيروقراطية، لا بل البيروقراطية هي نفسها المالك الحقيقية لهذه الشركات، وعلى هذا كيف يمكن لهذه البيروقراطية اتخاذ قرار لا ينمّي اقتصادها وجيوبها وجيوب أبناءها.

ما هو الحل؟، هل يريدون شراء القطاع العام الذي نهبوه وحطموه، أليس للشعوب ذاكرة؟، هل نستطيع كشعب أن نستمر كبقرة حلوب رغم جفاف حليبها؟.

حديثة مراد: هل يمكن بناء اقتصاد وطني ضمن خط عام هابط؟، سؤال مشابه تماماً لسؤال آخر، هل يُبنى مجتمع مدني في غياب التأسيس للمجتمع الحر وفي ظل سلطات الغاز المضغوط نهايات العقد الأول من السلطة بدأت نويّات طبقية في التشكل، فتسارع مال البترول بالانصباب على هذا الملحق كي تندمج في الخط العام الهابط ولتندمج بالخط الذي بدأ بالانحناء اشتراكياً عشر ملايين دينار كويتي عام 1971، مليار دولار عام 1974 بموجب قرارات قمة الرباط، 1850 مليون دولار بموجب قرارات قمة بغداد عام 1978، هذا الشيء تزاوج مع شيء آخر لتنمو الطبقة نهب المال العام، والسطو على الممتلكات العامة، الرشاوى، السرقات، العمولات، تهريب الآثار وتهريب الذهب وتهريب المخدرات وتهريب العملة، فتشكلت الطبقة التي أصبحت جزءً من مسار عام هابط عربياً، هذا المسار له مصالح أساسها الاستبداد السياسي، الاستغلال الطبقي، التبعية للرأسمالية العالمية، وعلاقات التخلف.

كيف نبني اقتصاداً وطنياً”*

رياض سيف**

لن أقدم محاضرة مكتوبة وإنما سأتناول عدة عناوين, يمكن أن يستدعي بعضها التوقف أكثر من غيره0

لطالما قُدِّمَ الاقتصاد السوري بأرقام مضلّلة، على شكل إنجازات تصوّر الوضع على أنه بخير، وحين تُثار مشكلة ما يأتي الرد بأنها مشكلة عادية وأن كل اقتصاد في العالم له مشاكله. لذلك بقي الحل مؤجلاً، نتيجة لهذه التعمية وعدم تقديم الأرقام والوقائع الحقيقية. ودائماً كان يُقال بأن الركود ليس عندنا فقط، فحتى الدول الأوروبية تعاني من الركود.. الخ.

في تصوري هناك ثلاث أنواع للركود الاقتصادي. على سبيل المثال، الاقتصاد الأوروبي المتطور،  من الممكن له أن يمر في مرحلة استرخاء وأن يشهد بعض الهبوط في نسب زيادات الناتج القومي.

وهناك دول أخرى في جنوب شرق آسيا في فترة الخمسينات كان اقتصادها ضعيفاً, ولكنها امتلكت مقومات النمو الطبيعي، ووصلت إلى اقتصاديات قوية ومتقدمة. نفس الشيء بالنسبة للاقتصاد التركي، وكثير من دول أوروبا الشرقية، حيث امتلكت الخطة والبرنامج لبناء اقتصاد طبيعي ينمو بنسب معقولة سنوياً ويكون بمثابة خطوة للأمام، مما ينعكس إيجاباً على مستوى دخل الفرد.

أما عندما يصبح الاقتصاد مشوهاً، ولا يملك المقومات الطبيعية للنمو، عندها يصبح الأمر كمن لديه ابن – منغولي – فرغم كل ما يقدمه له من عمليات تجميل يبقى – منغوليا – لأنه لا يملك الشروط الطبيعية الضرورية للنمو الطبيعي. كذلك الأمر في اقتصاديات سوريا وكوريا الشمالية وروسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والعديد من الدول الأفريقية، فهي لا تملك الشروط الطبيعية للنمو الطبيعي. إن التشوهات في الاقتصاد السوري جاءت بفعل الاحتكار. فالقرار يصدر من مجموعة توظّف كل الاقتصاد في خدمة مصالحها الشخصية، وذلك بغض النظر عن ما يحدث من أضرار على جسم وكيان هذا الاقتصاد.

والاحتكار يولد نقصاً شديداً في الكفاءات، وهذا ما حصل في الاقتصاد السوري وأدى إلى إحباط عند المواطنين القادرين على تقديم شيء، وكذلك أدّى إلى هجرة الكفاءات والعقول، وهذا الأمر نلمسه جميعاً هنا في سورية. وأحد أسباب التشوه، إهمال التنمية البشرية, وأصبح الأساس عندنا هو الكم على حساب إهمال النوع بشكل كبير, والذي هو ضرورة من ضرورات بناء المجتمعات.

كذلك الأمر هناك ظاهرة تجذّر الفساد والتعايش معها كقدر محتوم. في طفولتنا أذكر انه كان يوجد في الحي إنسان تحوم حوله شبهة أنه مرتشي، ونتيجة لذلك لم يكن أحداً من جميع أهل الحي يتواصل معه اجتماعياً، لاعتقادهم أنه يعيش ويطعم أولادهمن المال الحرام. إذا قسنا ذلك على اليوم، نجد أن الفساد أصبح جزءً من حياتنا، لا نستنكره بل على العكس نساهم فيه ونمارس الرشوة في سبيل مصالحنا. وذلك يتم في غياب آلية المراقبة والمحاسبة التي تجعل الإنسان يتداعى للكسل والإهمال، وبالنتيجة فإن ذلك كله يكون على حساب المال العام. وطالما أن الطاسة ضائعة، كما يقول المثل، تصبح الفرص مواتية للتطاول على المال العام.

إن غياب آلية المراقبة والمحاسبة نتج عنها الكثير من الأمور، مثلاً ألسكن العشوائي الذي هو هدرٌ كبير للمال الوطني وتخريبٌ للبيئة كما أنه ضد كرامة الإنسان من حيث تقديم الخدمات الضرورية, هذا السكن العشوائي نراه يومياً ينمو باستمرار، ولا أحد يستنكر، أين الدولة؟ أين المحافظ؟ أين الشرطة؟ أين البلدية؟ أحياءٌ بكاملها وُلدت مخالفة وتفتقد لكل الشروط الضرورية لسكن الإنسان. كذلك الأمروفي غياب آلية للمراقبة وللمحاسبة، تحول القطاع العام إلى نزيف كبير لخزينة الدولة والمال الوطني والتمادي اللامعقول في نهب هذا القطاع. أماالقطاع الخاص ونتيجة لهذه التشوهات وهذه الفوضى تردت بنيته كثيراً وأصبح يستقوي على المستهلك المحلي عندما نمنع عنه الاستيراد، كما أنه غير قادر على المنافسة الحقيقية وذلك بفعل التربية على مدى عشرات السنين، فعلمناه البهلوانية واللف والدوران ووضعنا له قوانين لا يمكن تطبيقها ودربناه على القفز فوق القوانين، فولد هو أيضاًَ في بنية مشوهة غير قادر على التطور الطبيعي. وأما أخطائنا في المجال الزراعي، فإن المتعمق فيها يصل إلى نتيجة مفادها أنها كارثة وطنية فعلاً، رغم كل ما يقال عن الإنجازات، فالمحاصيل الأساسية، الحبوب، القطن، الشوندر السكري والذرة، كلها خاسرة، فكيلو السكر يكلف الدولة (38) ل.س وفي بعض المعامل وصلت الكلفة إلى (42) ل.س دون حسبان قيمة الكميات الكبيرة من المياه المستخدمة في هذا المجال.

  أما بالنسبة إلى القطن،وقد تعمقت في دراسته، نجده أنه عدوٌ لسورية بكل معنى الكلمة، وحين نفاخر بأننا أنتجنا مليون طن من القطن، فهذا يعني أن نسبة الخراب والأضرار أكبر، إن كل كيلو غرام من القطن يستهلك (11) متر مكعب من  المياه بالحد الأدنى، وفي السنوات الحارة يصل إلى (13) متر مكعب، أي صهريج كبير. وهناك طُرق لو أننا تنبهنا إليها لجعلنا كل هذه الزراعات رابحة.

لقد تبيّن في إحدى الدراسات بأن سورية قد استنزفت في إحدى السنوات ما يزيد عن (5) مليار متر مكعب من المياه الجوفية الغير قابلة للتجدد، وهذا الأمر استمر على مدى سنوات بنسبة أقل وممكن أكثر، إلى أن أصبح لدينا كارثة في المياه الجوفية. ومن جهة أخرى نجد تملّح الأراضي نتيجة طرق الري الجائرة فهناك قسم كبير من أراضي دير الزور ومنطقة الفرات قد خرجت عن الخدمة وثمة تقارير مخيفة في هذا المجال. في نفس الوقت نجد أن موازنة الري والزراعة هي أضعاف موازنة التعليم العالي، ومع ذلك نستمر في دعم هذه المنتجات ونزيد في خسائر الخزينة، عدا عن خسارة المياه والأراضي التي خرجت عن الاستعمال الزراعي. وبعد نقاشات مطولة أصبح موثقاً أن سياستنا الزراعية هي حمقاء بكل ما تعني هذه الكلمة. وحالياً هناك دراسات لإعادة الأمور إلى نصابها. وفي حديث مع معاون وزير الزراعة قال: إن كلامكم صحيح، وقد قدمت سنة 1983 دراسة عن هذا الموضوع وكيفية الانتقال لأساليب الري الحديثة وضرورتها، وقد حصلت على مكافئة بقيمة (10) آلاف ل.س نتيجة هذه الدراسة،ولكن هذه الدراسة لم توضع في حيز التطبيق وإنما وُضعت على الرف. وأنا أجريت دراسة منذ عام 1985 ولو أنهم بدؤوا بتنفيذها منذ 1983 لاستطعنا أن ننتقل إلى الري الحديث عام 1985 ولتبين لنا عندها مدى الفروقات الكبيرة.

وعلى سبيل المثال أنتجنا (2.8) مليار كغ قطن باستخدام (30) مليار متر مكعب من المياه، بينما كان من الممكن أن نستخدم (10) مليار ونوفر (20) مليار متر مكعب فيما لو استخدمنا طرق الري الحديثة. ومن التكاليف الإجمالية للمحصول كان يمكن أن نوفر إلى حدود الثلث كحدٍ أدنى. ونحن نقول أننا ندعم الفلاح فنشتري منه الكيلو غرام بـ(28.5) ل.س ونعطيه المازوت بسعر مدعوم ونعطيه القروض من المصرف الزراعي ولكنه يظل خاسراً ولا يستطيع تسديد القروض، ومؤسسة حلج الأقطان تُراكم الخسائر التي لا تُحصى. وحسب دراسة عام 1983 فإن تكلفة الكيلو غرام (17.5) ل.س بينما تكلفته الآن (28.5) وبالنسبة لتوفير الأراضي فالكمية التي زُرِعَ فيها مليون طن بدلاً من أن تكون (285) ألف هكتار يمكن اقتصارها على (200) ألف هكتار. ولو أننا أخذنا بتلك الدراسة لكان الفلاح حصل على حقه ولكنا وفرنا للخزينة بدلاً من الخسائر أرباحاً كبيرة. ولكننا وإمعاناً في التخريب نأتي ونقدم القطن للمؤسسة النسيجية بأقل من نصف السعر العالمي وذلك بفعل تعدد أسعار القطع وهو الأمر الذي سبّب الكوارث للاقتصاد السوري.

أما المؤسسة العامة النسيجية، فلم تكن تعاني من كساد، لكنها كانت تنهّب الغزل للتجار وللمقربين ومجموع ما نهبته منذ عام 1985 حتى 1996 وصل إلى (42) مليار ل.س، فالنسيجية للغزول كانت عام 1986 تبيع في السوق المحلية بسعر (92) سنت بينما سعره الحقيقي (2.65) دولار، كذلك الأمر عام 1987 أي بربع السعر الحقيقي. فلماذا تُدعم مادة الغزول وهي ليست خبزاً أو زيتاً أو طاقة كهربائية وهل تحول هذا الدعم إلى المستهلك. أبداً، لم يستفد المستهلك شيئاً. الكثير من المنتجات النسيجية مثل الجينز يدفع المواطن (250%) من السعر العالمي بينما صاحب المعمل يشتري الخيط بسعر الثلث أو النصف من السعر العالمي فسعر المتر عالمياً (100) ل.س وعندنا بـ (250) ل.س، وكيلو الغزل عالمياً بنفس الفترة (75) ل.س ونحن نبيعه له بـ (47) ل.س فتصل أرباحه إلى من 500% أو إلى 700% وذلك على حساب الخزينة والمستهلك وذلك باسم وتحت شعار حماية الصناعة الوطنية، بينما هي في الواقع عملية نهب منظم.

كذلك الأمر بالنسبة للمناطق السكنية المخالفة، والسؤال هنا من أين تمَّ شراء الإسمنت وما فرق سعره عن السعر الرسمي؟، وكذلك الحديد والبورسلان والحنفيات .. الخ كلُّ هذه المواد مهربة وبأضعاف السعر الرسمي. هذه الفروقات بالأسعار أين ذهبت؟ آلاف مليارات الليرات السورية على مدى فترة زمنية معينة شكّلت نزيفاً للاقتصاد على حساب جيوب الناس.  

إن هذه التشوهات التي أصابت الاقتصاد السوري لا ينفع معها إجراء إصلاح اقتصادي أو إصدار قانون أو القول بأننا سننشئ مصارف وكذا. إن ذلك لا يمكن أن يقدم حلاً، فالتشوهات عميقة وغير قابلة للإصلاح. نحن بحاجة إلى بناء اقتصاد جديد بكل معنى الكلمة.

للأسف ما زالت النداءات أو كل الاتجاهات تسير نحو الترقيع، وما زلنا نخشى الاقتراب من ملامسة النقاط الجوهرية ونسعى دائماً وراء عمليات التجميل، ومنذ ثلاثة أيام طُرح قانون جديد على مجلس الشعب، العقوبات التموينية حول التسعير، فنحن نصدر قانوناً سنة (2000) يتنافى مع كل البديهيات في الكرة الأرضية، فتدخل الدولة في التسعير يعني أن موظف الدولة هو الذي سيضع سعر الحمص في المطعم وكذلك سعر الملابس والحلويات وغيرها، والقانون يقول برفع المخالفة من حوالي (500) ل.س إلى (3000) حتى (10000) ل.س لكل من لا يتقيد بالتسعيرة المحددة، وهذا يضع كل من يتعامل بهذه الأصناف تحت رحمة موظف التموين فقط ولا يؤدي أي خدمة للمستهلك. ومن ناحية ثانية فإن كل من يمتنع عن تقديم فاتورة نظامية للبضائع المستوردة أو المصنعة محلياً، فهناك غرامات من (10) آلاف إلى (30) ألف ل.س، وأنا أقول أنه يستحيل في سورية أن يقدم أي إنسان فواتير حقيقية نظامية عن أعماله السنوية،  ومنبع الاستحالة ليست من كون شعبنا فوضوي أي ليس العيب عندنا وإنما في الأنظمة والقوانين. فعندما كانت تصل الضريبة إلى (92-93%) أما حالياً نسبة الضرائب (63-65%) للشريحة العليا بالإضافة للمصاريف التي لا تسجل كالرشوة والخوّة بالإضافة لمصاريف السفر ومصادر جلب الدولار والقانون رقم (24) وقانون العقوبات الاقتصادية، كلُّ هذه الأمور تجعل من المستحيل على أي منشأة اقتصادية في القطاع الخاص أن تكون نظامية ورغم معرفة هذه الاستحالة تتم المطالبة بالفواتير النظامية، وهنا تأتي الخوة، أي وضع سيف مسلط على رقاب كل المنتجين والتجار والمستوردين، وها نحن الآن نعيد تجديده بأرقام أعلى.

وحين يستمر ذلك يصبح من غير المعقول أن نتحدث عن تشجيع الاستثمار، فالمستثمرين الأجانب الذين لديهم خبرائهم ودراساتهم يبحثون عن المكان الذي يحقق لهم الربح النظامي ونحن تعودنا على الالتفاف حول القوانين، وأصبح هناك تعايش مع المخالفات، تماماً كالتعايش مع الفساد، فنحن نعيش في مناخ من المخالفات الجماعية للقوانين، لذلك فالمستثمر الأجنبي لا يدخل في هذه المتاهات كأن يتعرض بفعل تحويل القطع إلى مخالفة وسجن وفق المرسوم رقم/6/ وأن توجه له تهمة معاداة النظام الاشتراكي وفق القانون /37/ الرهيب الذي عدنا وجددناه.

إن إزالة التشوهات شرط أساسي وذلك وفق استراتيجيات معينة كي لا نظل نبكي على الماضي، نتساءل ما هو الحل؟ وهو السؤال المتعلق بعنوان بناء الاقتصاد الوطني.

يجب التركيز على إعادة بناء الإنسان، فهناك تخريب لكل علاقاتنا وطرائق تفكيرنا، إعادة بناء الإنسان من خلال نشر الثقافة الديمقراطية والحياة المجتمعية ورفع مستوى المعرفة العلمية وتطوير أساليب التدريب والتأهيل والعودة إلى توظيف كل الإيجابيات الموجودة في ثقافتنا ضمن علاقاتنا اليومية الإنسانية. بينما حالياً يوجد فراغ، إذ لم يعد الكذب مستهجناً بعد أن كان يعتبر من أكبر الكبائر بل بالعكس لم يعد الكذاب مُحتقراً.

نعم إن قيم الشهامة والكرم ما زالت موجودة لدينا وهي حين يتوفر لها المناخ المناسب تظهر وبقوة، ولكن التشوهات التي حدثت تجعل الأمر يبدو وكأن هذه القيم لم يعد هناك مجالٌ لاستعمالها، نحن نقول أننا نستطيع إعادة توظيف هذه القيم لأن كل الشعوب التي حققت معجزات لم تعتمد فقط على الاقتصاد السليم وإنما بتوظيف ثقافتها في اقتصادها. ولنا أمثلة على ذلك شعوب اليابان وألمانيا وغيرها. ونحن لدينا ثقافتنا الغنية، وبدلاً من أن نصدر قانون يقطع رقبة من يغش ينبغي بالأحرى أن ننشر ثقافة “من غشنا فليس منا” أي أن يرفض الإنسان الغش تبعاً لضمير حي. بينما نحن الآن نحارب كل ما هو إيجابي في ثقافتنا وننمي العادات السيئة التي ينبغي التخلص منها وهذا شيء أساسي في استراتيجيتنا إذا أردنا النهوض.

هناك أيضاً موضوع كيف نستثمر المواد الطبيعية، فسوريا دولة غير فقيرة، لديها ثروات باطنية وأراضي زراعية، كل سوري عنده (4) دونمات وواحد منها على الأقل مسقي، ولدينا من المياه أضعاف ما يملكه جيراننا، ولدينا المناخ المناسب والموقع لجهة قربنا من أوروبا مثلاً، ولدينا الحضارات القديمة والأوابد الأثرية. كل هذا وغيره مما لا نستثمره نهائياً أو أننا نخربه فعلاً. يجب أن نضع خطة للاستثمار بشكل صحيح. كما يجب أن نعي قضية الدين الخارجي، فنحن نأخذ قروض ونضعها في مشاريع غير إنتاجية فتهدر وتنهب، وبالنهاية أولادنا هم الذين سيسددوا هذه الديون. يجب أن نكون واعين جداً لذلك كي لا نقع تحت أي ابتزاز خارجي كما يحدث لدى بعض الدول. ونحن السوريين لنا ميزات تصديرية بعيداً عن التعصب، حيث أسسنا سمعتنا على مدى تاريخنا القديم والحديث، وذلك في مختلف الأعمال الصناعية والتجارية. وقد كانت الأسواق العربية أسواقنا، فأغلب من غادر إلى المهجر أثبت جدارته.

ففي استراليا وكندا وأوروبا وأميركا وحتى في الدول العربية تفرض الجاليات السورية احترامها وتحقق نجاحات دائمة فوق المتوسط مما يستدعي وجود خطة لبناء علاقات مع الدول العربية التي لن نكون خاسرين فيما لو أقمنا سوق موحدة معها، ولكن شريطة أن نزيل كافة المعيقات التي ما تزال تكبلنا.

وينبغي الإشارة إلى دور المستثمرين السوريين العاملين في مجال النسيج والملابس في مصر، حيث هناك تقديرات تقول بأن المستثمرين السوريين في مدينة العاشر من رمضان هم أكثر من المستثمرين المصريين.

كما يجب أن نستثمر وضع تركيا وإيران وأن لا نستورد من اليابان إذا لم نكن نصدر إليها، بل أن نركز على علاقات التبادل التجاري مع الدول التي توفر لنا شروط أفضل تكون بمثابة ميزة هي موجودة في الأساس: ميزة القرب أو الثقافة المشتركة. 

بالنسبة لشفافية القوانين، فنحن كصناعيين نقول لأي صناعي يريد أن يكون نظامياً أغلق معملك وسرّح عمالك واذهب إلى بيتك هكذا تصبح نظامياً، أما أن نقول بأنك تريد العمل وبنفس الوقت تكون نظامياً فهذا هو المستحيل. مثلاً: التخليص الجمركي، غرفة صناعة دمشق توقّع على إذن يحدد سعر تصدير 1 كغ بلوزات بـ(15) دولار ولكن هناك بلوز حرير بلدي وهناك بلوز جنفيص … الخ. هل هناك بلوز بالكيلو؟

لقد وصلنا إلى مرحلة-وهنا الخطورة- أنني لا أستطيع أن أعمل إلا في الظل، ونسبة اقتصاد الظل –الغير معلن- في اقتصاد سورية هي النسبة العظمى في القطاع الخاص، وهذا يؤثر على مردود الخزينة بينما المفروض أن يكون ذلك كله تحت الضوء بحيث يعرف الإنسان ما له وما عليه.

وحول الإحصائيات، نحن لا نثق بأية إحصائية في القطاع الخاص الصناعي والتجاري، ولا يمكن أن نصل لأي حقيقة لأي رقم لأي دراسة في القطاع الخاص الصناعي والتجاري لأن أرقامه المعلنة لا علاقة لها بالواقع. فالقطاع الخاص، لقد تُرِكَللفوضى وبالتالي أفسح المجال ليختلط الصالح بالطالح وانعدم مقياس الصحيح والخاطئ وهذا لا يعفي أصحاب القطاع الخاص، أي ليسوا منزهين هم أيضاً عن الخطأ.

كان المستهلك بتاريخ 1/5/94 يذهب ومعه (100) ل.س للجمعية الاستهلاكية ويأخذ كل ما يحتاجه (مواد غذائية-سمنة-زيت نباتي-شاي-سردين …الخ) بمبالغ زهيدة، وبدأت الأزمة منذ هذا التاريخ.

وُضِعَ (40) مليار ل.س دعم غذائي سنوياً وزدنا الأجور (14) مليار ل.س الفرق بينهما كل سنة (26) مليار.

 التضخم من عام 1994 إلى عام 1999 هو تضخم عالي، وصلنا لمرحلة أن القسم الأعظم من المستهلكين لم يعد لديهم استطاعة أو فائض ليشتري شيء ما عدا الغذاء الأساسي والدواء، والمعامل الجديدة خاصة بعد قانون الاستثمار بدأت تنتج أكثر بينما الاستهلاك في انخفاض وهذا يترتب عليه أن الإنتاج يأخذ بالتناقص والكلفة في المعامل تزداد فيزداد السعر وكذلك تتناقص أكثر مشتريات المستهلك مرة أخرى، هذه الدورة أوصلتنا إلى مرحلة الجفاف فنحن ننتج ولا يوجد مستهلك. بينما المنطق السليم هو أننا عندما ننتج أكثر بنسبة 10% يجب أن يزداد الاستهلاك كذلك 10% ولكن ذلك يتطلب توفير السعر المناسب للمستهلك.

واليوم يمكن أن يحدث احتلال جديد باسم الاستثمار، بالتالي يجب على أي استراتيجية أن تكون حريصة على أن لا تدع الاستثمار المضارب يسيطر على اقتصادنا تحت اسم الاستثمار وهذا يستدعي انتقاء المشاريع الاستثمارية. ولا يمكن القبول باسم قانون الاستثمار، إعطاء إعفاءات لشخص باستيراد (500) سيارة بدون جمرك والجمرك عندنا (280%) أي إعطائه عبر ورقة لا تتضمن حتى طابع (1.800) مليار ل.س وذلك على حساب الشعب السوري، هذا الكلام سخيف ولكن هذا ما حصل حقيقة، وغير ذلك نضع لهم قانون كمخرج من أي مشكلة يتعرضون لها وقبل أن يصدر القانون كان أحدهم يتهرب مني خوفاً من الفضيحة ولكن بعد أن صدر القانون أصبح كالطاووس، إذ حلّت مشكلته وأصبح قانونياً.

وتحت شعارات مثل القطاع العام الرائد والتعددية الاقتصادية نقول أن القطاع العام والخاص والمشترك والتعاوني يقع تحت مسمى واحد – الاقتصاد الوطني – وأنظر له من منظار أن أي منشأة أياً كان مالكها ماذا تعود على هذا الاقتصاد الوطني فوائد وتوفير فرص عمل وزيادة ناتج قومي. مثلاً لدي معمل خاص يوظف 1000 إنسان ويصدر كذا مليون دولار في السنة ويوفّر الشروط الإنسانية لعماله ويزيد من الناتج القومي فهذا قطاع وطني.

وإذا كان لدينا معمل أو شركة في القطاع العام يعيش عمالها بمستوى أجور متدنية وتكلّف الدولة خسائر مليارات في السنة ويوجد فيها سرقات وهكذا أصبحت هذه الشركة عبئ، لا أستطيع أن أسمي ذلك القطاع بأنه قطاع عام رائد، إلى متى المكابرة؟! هذا لا يعني أنني ضد القطاع العام فأنا أول من ساعد القطاع العام من مالي الشخصي بهدف تخفيف النزيف قليلاً وتحسين هذا القطاع، ولأن القطاع العام ملك الشعب، إذاً تعالوا لنحاسبكم! ماذا تفعلون في القطاع العام؟

هناك (111.700) ألف إنسان يعملون على ما أعتقد في تسع شركات ضمن الإنشاءات وهم عاطلين عن العمل نسبياً والمشاريع التي ينفذونها غالباً ما يأخذون قيمتها أكثر بكثير من قيمتها الحقيقة، أسعار غير مدروسة، ونوعية سيئة، آليات ومعدات مهملة، والذي ندفعه للتصليح أكثر من ثمن آلة جديدة، فوضى بفوضى، ومع ذلك نستمر بالقول أنه قطاع عام رائد، ويقف أحدهم ويقول: “نسيت يا أستاذ رياض أن هذا كان يوماً ما قد فضّل على سورية وبنى كذا وكذا، ويجب أن لا ننسى فضل هذه المؤسسات على البلاد” ولكنني لا أفهم هذا المنطق والأمر ليس عبارة عن رجل تقدم في العمر وكان قد خدمنا في شبابه والآن هو رجل متقاعد وينبغي حفظ كرامته، بل الأمر أن هذه منشأة اقتصادية تربح أم تخسر، هل تقدم خدمة لمصلحة الوطن أم لا؟ أما الذي يقول باستمرارها من هذا المنطلق فهو بالأساس من المستفيدين من هذا القطاع.

لقد بلغت الخسارة في 1/1/2000 على مؤسسة الإسكان العسكري (10) مليارات ل.س، معمل الورق، منذ تأسيسه ليس قطاعاً عاماً وطنياً، وإنما هو عملية ضد الوطن جملةً وتفصيلاً.

وعندما نحافظ على معمل الجرارات، معمل الإطارات، النسيجية، الكيميائية، الغذائية، باسم القطاع العام الوطني وكلُّ ذلك يذهب من جيوب الناس، فيجب على الأقل أن يكون هناك كشف حسابات لتطمئن الناس بأن أموالها في أمان، لأن هذا القطاع العام بتصوري أصبح بمثابة أنبوب لنهب الخزينة ومغلّف بغلاف جميل اسمه قطاع عام وطني، وآن الأوان أن نفضح هذه الشعارات المكابرة، فمنشآت القطاع العام ليست كلها، كما جرى تصويرها، تدخل تحت اسم الدفاع عن القطاع الوطني، وإنما أنا أدافع عن المؤسسة التي تحقق فائدة للوطن، وأي مؤسسة تضر في اقتصاد الوطن فهي غير وطنية سواء كانت قطاعاً عاماً أو خاصاً.

يجب إعادة النظر بكل القوانين القاصرة والتي نرى مخالفتها بشكل جماعي، فالقوانين الموجودة حالياً وُجِدت لكي لا تطبق، ونريد وضع قوانين بحيث يربح من يطبقها ويخسر من يخالفها. مثلاً منطقة يعفور فيها (780) فيلا وكل فيلا سعرها (100) مليون وما فوق، والى الآن لم يرخّص لأيٍّ منها وأي فيلا لا تدفع قرشاً واحداً ضريبة وكانوا قد أخذوا موافقة بيت زراعي (120) متر بالإضافة لإسطبل للحيوانات وباحة مياه لسقي الحيوانات وقد تحولت البحرة إلى مسبح وقامت فيلا ضخمة، فإذا قيّمنا كل فيلا بـ 100 مليون ولدينا (780) فيلا يترتب عليه (78) مليار ل.س لا يدفعون ضريبة ولا نظافة ويستهلكون الماء والمسابح تُملأ وتُفرغ كيفما شاءوا، والدراويش يشترون برميل الماء بـ 25 ل.س بينما أصحاب هذه المزارع يُطالبون يومياً بالتنظيم وفيما لو تم الترخيص يترتب عليه (5) مليون ل.س و ضربت بـ 780 لنتج عن ذلك عائد للخزينة حوالي (4) مليارات ل.س، بينما الأمر غير ذلك منذ عشرات السنين.

هناك أيضاً موضوع تبسيط الإجراءات، كلُّ دول العالم تسعى دائماً للتبسيط بينما عندنا نجد أن كل مواطن مشكوك بأمره حتى يثبت العكس، ولدى أي موظف فأنت متهم والصادق متهم بالكذب وتستمر العرقلة تلو العرقلة إلى أن تدفع الثمن بالتي هي أحسن، لذلك فتبسيط الإجراءات ورفع الابتزاز عن الناس شيءٌ أساسيٌ جداً في الإصلاح الاقتصادي.

وحول إعادة هيكلة الموازنة، فحتى موازنة عام 2001 تسير على نسق الموازنات القديمة، فوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل واعتبرها أهم الوزارات، فهي مسئولة عن العمالة في سورية ومسئولة عن الحياة الاجتماعية والمعاقين، وكل ميزانيتها  تعادل كومسيون لصفقة واحدة، فالوزارة وسيلة لنهب العمال فهي تحوّل عشرات المليارات لخزينة الدولة وإذا حسبناهم بالقيمة الحقيقية وفوائدها وعائداتها منذ وضعناها تساوي المليارات وهي حقوق العمال نضعها في الخزينة، ونأتي إلى العامل ولنفترض معاشه (15) ألف ل.س في القطاع الخاص ولا زال ساري المفعول (3450) ل.س وكل فوائض التأمينات الاجتماعية تذهب إلى الخزينة، بينما كل دول العالم لديها مشكلة بأن العائدات من التأمينات لا تفي بالخدمات التي تقدم للعاملين الصحية والبطالة وغيرها. أما نحن فنحوّل للخزينة من عرق العمال باسم الكادحين.

وبالنسبة للصحة، فمنذ سنة 1983 وباعتراف وزير الصحة، نتباهى بوجود (18) مشفى ومنهم مستشفى الصنمين-وما وزال على الهيكل- لقد تم بناء هذه المشافي في 1983-1984 ولم يتم إكساء أيٍ منهم لتاريخ اليوم. من غير المعقول، دولة تبني 18 مشفى وتنساهم سبعة عشر عاماً! أين وزارة الصحة؟ أين المسئولين؟ قس على ذلك المنسيات في اقتصادنا والمشاريع المهملة.

*كيف نوزع موازنتنا، ماذا نعطي التنمية البشرية والتي هي في تراجع منذ سنوات! فالتربية والتعليم مثلاً، في الخمسينات كانت تزيد نسبتها عن 26% بينما الآن تشكل 8-9% من مجمل الموازنة. بينما يوجد في الموازنة مشاريع استثمارية لوزارة الصناعة، معامل جديدة واستبدال وتجديد مثلاً بقيمة (18) مليار ل.س أي أكثر من موازنة التعليم. أريد أن أُنشئ معمل غزل جديد بينما الغزل الذي لدي لا أستطيع بيعه، وأريد أن أجدد في معامل سيئة تُعاني من الأعطال….

يجب إعادة هيكلة كل الموازنة، فالدولة ليست تاجراً وأهم هدف لها هو أن ترعى وتنمي الثروة البشرية، فهي المسئولة عن كرامة الإنسان واحتياجاته وتعليمه وتدريبه وصحته وهي التي تنظم عمل المواطنين فيما بينهم.

وأهم شيء في إعادة هيكلة الموازنة هو السلطة القضائية، فمن غير الصحيح القول بأنه لا نملك المقدرة على الإصلاح بل القدرة متوفرة، فالقضاة لدينا يفصلون في مليون قضية على الأقل سنوياً، فإذا أردت أن أعطيه على كل قضية مثلما أعطي حاجبه (500) ل.س ضرب مليون قضية مفصولة في السنة فالناتج (500) مليون ل.س يجب توزيعهم على القضاة الذين يبلغ عددهم (1300) قاضي وليس عشرات الألوف. وسوريا غير عاجزة على أن تدفع للقاضي (50) ألف و (100) ألف أفضل لنا وأربح كشعب. وأنا لا أريد قاضياً براتب سبعة آلاف ولكن دون أن أعرف حقي أو أحصل عليه.

المداخلات والتعقيبات

*المحامي هيثم المالح

لا يوجد قضاء في سورية حتى لو زدنا رواتب القضاة، كما تحدث رياض سيف لا يوجد قانون أنا محامي منذ 45 سنة، فقد دمّر القضاء واغتيل. إن الاقتصاد مرتبط بالسياسة، والأجهزة كلها تتدخل في القضاء وشؤون الناس، تأتيني وكالة من خارج البلاد لا أستطيع أن أمارس العمل فيها إلا بعد المرور على الأجهزة، وإذا أتتني وكالة من شركة عربية لابد أن أحصل على موافقة وزارة الداخلية، وهذا عمل يتناقض مع حرية الإنسان، فلابد من العودة إلى إصلاح الجهاز القضائي وإصلاح السياسة وإطلاق حرية الناس، وقبل هذا لا يوجد اقتصاد ولا يوجد عمل.

*الباحث عبد الله حنا

لدي جملة أسئلة تتعلق بالتصنيع والاقتصاد السوري:

1-هل يمكن بناء صناعة وطنية منتجة سواء في القطاع العام أو الخاص في ظل هيمنة الشركات العابرة للقارات وبعد غياب الاتحاد السوفييتي.

2-ما هي القوى الاجتماعية التي يمكن أن تقوم بإعادة البناء، هل هي القوى البيروقراطية والطفيلية المهيمنة السائدة أم القوى المهمشة الضعيفة والتي تشكل أكثرية المجتمع، وهل يوجد قوى اجتماعية كما كان في الخمسينات حيث كان هناك قوى اجتماعية تتمثل بالطبقة الوسطى الصاعدة إلى الأعلى يمكن أن تقوم بمهمة إعادة البناء أو ما نسميه بالنهضة؟.

3-كيف يمكن بناء قطاع عام، وجريدتي هذا القطاع وهما (كفاح العمال الاشتراكي للاتحاد العام للعمال وجريدة الفلاحين) وهما تطبلان وتزمران في كل شيء فارغ، ويُلاحظ أن جريدة كفاح العمال كانت تنقد المجتمع والشركات وتُسهم في عملية التطوير حتى سنة 1974، أما جريدة نضال الفلاحين فبقيت على هذا الخط حتى سنة 1977-1978 ثم تحولتا إلى جريدتين لا يوجد لهما أي أثر في المجتمع، فهل يمكن تطوير الاقتصاد بدون ثقافة حرة تشير إلى السارقين؟.

4-تحدث الأخ رياض سيف عن الخّوة وأنا كمشتغل في التاريخ أعرف أن الخّوة تعود إلى زمان القبائل والعشائر القديمة التي كانت تفرض الخوة على البشر وأتى عهد الاستعمار الفرنسي وألغى الخوة وفرض الأمن، الآن أسمع أن هناك خوة، فبدأت أربط تلك الخوة التي قامت بها العشائر بما قرأته منذ أسبوعين في جريدة الثورة حيث تصدّرت في الصفحة الأولى اسم عشيرة مع شيوخ العشائر كانت تنهب وتفرض الخّوة على الفلاحين في الجزيرة والفرات، هل هناك ربط بين هذه الخّوة وإعادة العشائر إلى الوجود، علماً أن من يعود إلى مكتبة الأسد يجد أن هنالك 12 كتاباً صدرت منذ أربع سنوات تمجّد بالعشائر السورية، فهنالك عودة إلى العشائرية والقبلية، فما أسباب ذلك؟

*رياض سيف

ما طرحه عبد الله حنا هل يمكن بناء صناعة وطنية في ظل الشركات العابرة للقارات؟ يجب أن لا ننسى أن كل الدول حالياً تركز على الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تملك مرونة وأن نبني حاضنات ببناء خلايا سليمة من ورشات ومعامل صغيرة لأناس لديهم الخبرة والجرأة من أبنائنا وأن نقدم لهم قروض ميسّرة وأن نبدأ بهذه البذور في كل أنحاء سورية، وأعتقد أن مجالات النجاح كبيرة جداً وتستطيع أن تنافس وتصدّر. والشركات العابرة للقارات لها حصتها ونحن لا ننافسها فنحن لنا حصتنا في المجال الآخر، في الصناعات الخفيفة وحتى الصناعات الالكترونية، فممكن أن نأخذها ونستفيد من ميزتنا البشرية لأن الميزة الأساسية لدينا هي الثروة البشرية. وحول القوى التي يمكن أن تقوم بإعادة البناء، في تصوري، أن الذي قام بإعادة البناء في سورية في الخمسينات ليس عُشر الأشخاص وإنما شريحة كبيرة، وتبدأ العملية بوجود برنامج الادخار الوطني الذي أهملناه إهمالاً كبيراً. إن أساس النهضة اليابانية بُنِيَ على الادخار في المؤسسات الإنتاجية وفي مشاريع الدولة، حالياً نحن نستهلك أكثر مما ننتج بكثير.المفترض أن نبدأ بالتحول وأن نحسن إنتاجيتنا ونبدأ بالادخار، ففي سورية في الخمسينات حين كان يأتي مولود، غالباً ما تكون هديته شراء عشرة أسهم في شركة الاسمنت مثلاً. في كتاب تاريخ الحضارات نجد أن اليابانيين كانوا أكثر شعوب العالم تخلفاً قبل 175 سنة، ولكن بعد زيارة الإمبراطور الشاب لأمريكا وأوروبا ومعايشته لفترة طويلة ما يجري ضمن تلك الدول عاد ونقل هذه الأفكار ضمن برنامج وطني، وقال لشعبه إنه من الممكن أن نصنع شيء شريطة أن نتعلم بسرعة من أولئك الذين ممكن أن نعمل لديهم ونتعلّم على أيديهم وبقدر ما نستطيع أن نتعلم بسرعة بقدر ما نتحرر من العبودية، وفعلاً تعلموا وتحرروا وأصبحوا من الأمم المتقدمة. أما فيما يتعلق بالطبقة الوسطى-رحمة الله عليها- طبعاً المشكلة عميقة ولكن هل نستسلم، أم يجب أن نبدأ ونستعد لشد الحزام ضمن برنامج وطني على ألا ينتفخ أحد على حساب أحد. وبالنسبة للقطاع العام لا أعتقد أن رئيس اتحاد الفلاحين يعيش هم الفلاحين ولا رئيس اتحاد العمال، وكلٌّ يعيش هم نفسه وهي عبارة عن مصالح على حساب شعارات أفرغناها من كل مضامينها، فلا إصلاح إلا بالرجوع إلى الحقيقة والصدق. وبالنسبة للخوّة، فهي الآن منتشرة أكثر بكثير من السابق بوسائل متطورة وحديثة.

*سميرة أحمد

الحديث عن الفساد يجري وكأن المسألة مسألة أشخاص بينما هو ظاهرة ذات أرضية اجتماعية واقتصادية وثقافية خاطئة. وحول موضوع السكن العشوائي فهذا الأمر ليس باختيار الناس بل هم اضطروا إلى ذلك السكن في بيوت ومناطق تفتقر لأدنى الشروط الإنسانية.

*رياض سيف:

تعقيباً على موضوع الفساد، هو بالتأكيد أصبح ظاهرة اجتماعية وجزء من حياتنا اليومية ولابد من تجفيف منابعه ضمن استراتيجية شاملة. وبالنسبة للسكن العشوائي فحين أركّز على الأمر مع كل الاحترام للساكنين فإنه كان ممكناً أن يسكنوا بشروطٍأفضل بكثير وبتكاليف أقل لو أن هناك نظام وتوسع سكاني منظم.

*د. وليد البني

   حول إحياء المجموعة القيمية بتراثنا أختلف مع الأستاذ رياض سيف، فهذه القيم لم تعد موجودة كون القيم نتاج ممارسة البشر وبعض القيم التي جرى الحديث عنها إن وجدت فهي قد تمَّ تدميرها خصوصاً أن الحفاظ على حياتي لا يتم إلا على حساب التنازل عن هذه القيم وأنا لن اختار القيم على حساب الحياة ولا على حساب الطعام بل سأختار الحياة. ينبغي تحسين الشروط اللازمة للحياة وذلك بالإمكانيات والوسائل المتاحة حتى نستطيع إحياء تلك القيم. والحياة قبل القيمة.

*رياض سيف

بالنسبة لما طرحه وليد البني أخالفه الرأي حول المجموعة القيمية وتوظيفها في حياتنا العملية، وهناك تجربة جرت في دمشق (1050) شاب وفتاة من مختلف الطوائف والمشارب أصبحوا مضرب مثل في أمريكا وأوروبا، كيف يستطيع هذا الشعب أن يعمل بشكل جماعي وينتج منتجات تصدّر لجميع أنحاء العالم، وعندما مرت الشركة بأزمة في حرب الخليج إثر أزمة الكويت كانت العاملات في الشركة مستعدات لبيع مصاغهم ليقدموه للشركة إذا اقتضى الأمر كي لا تتوقف الشركة عن العمل!، هذا هو شعبنا وما زالت القيم المغروسة جزء من خلايانا ولا يمكن أن تنفصل، ولكن هناك كمون لأنه لا يوجد مناخ تظهر فيه هذه القيم. وهناك تجربة أيضاً في عام 1984 لـ (320) عامل تؤكد نفس المعنى، وهذا يعني أننا شعب يهمل ثروة كبيرة ولم يوظفها وهي الثرة القيمية التي تحتاج لظروف أفضل لتنمو وتترعرع.

*يوسف مريش

ما أكثر التنظير عندنا وما أقل التنفيذ، في كل النقاشات والمداخلات ضمن هذا المنتدى أو غيره تمنيت أن يقدّم أحدٌ حلاً لهذا الوضع الاقتصادي السيئ.

*رياض سيف

وحول ما قاله يوسف مريش بأننا شعبٌ كثير الكلام قليل الفعل وأننا لا نقدّم الحل، هناك أربعة جمل لم أقدمها في المحاضرة، تحت عنوان “من أين نبدأ” وأقول:1-نبدأ من تولد القناعة بضرورة الإصلاح الشامل عند القيادة السياسية. 2-كسر كل الاحتكارات بدءً من الاحتكار السياسي وإعادة بناء مبدأ المنافسة واحترام تكافؤ الفرص. 3-إجراء مصالحة مع كل فئات المهمشين والتعويض المعنوي وما تسمح به الإمكانيات للتعويض المادي بعيداً عن تقبيل الذقون و”السلام عليكم سرقناكم..سامحونا”. 4-اعتماد مبدأ الشفافية الكاملة وإيجاد الآلية الفاعلة للمراقبة والمحاسبة.

هذه الشروط تشكل الأرض الصلبة الضرورية التي يمكن أن نبني عليها اقتصادنا الوطني الجديد وليس المعدّل. وبعدها ليس أسهل من القول ما نوع النظام المصرفي والمالي، ما نسبة الفوائد، كيف نبني المناطق الصناعية وأين؟ إذا كنا بعد الاستقلال لم نفكر ببناء مدينة صناعية واحدة ونتكلم في الصناعة.

فالأمور التي لم نتحدث عنها أصبحت مسلمات علمية والخبراء يستطيعون إعطاء البرنامج كيف نبني منطقة صناعية أو مشروع للتصدير أو كيف نبني معاهد للتكنولوجيا؟ نحن لا نستطيع في 45 دقيقة أن نضع البرنامج الشامل مع التفاصيل ولكن أنا أولاً أتحدث عن الأساس، الأرضية التي أستطيع أن أبني عليها أي نهضة اقتصادية، ونحن لا نستطيع أن نبدأ لأن الشروط التي تحدثنا عنها غير متوفرة.

*محمد قيسانه

المسألة الزراعية لدينا فشلت والفلاح يقع ما دون خط الفقر، والاتحاد العام للفلاحين بدأ كنقابات فلاحية سياسية ولكنه تحول إلى اتحادات سياسية سلطوية أي تخدم السلطة ولا تخدم الفلاح. والخطة الزراعية تُوضع من المجلس الزراعي الأعلى وما على الفلاح إلا الالتزام بهذه الخطة ولقد قلنا مراراً عبر السنوات الماضية أن الخطة يجب أن توضع من قبل الجمعية لأنها تعرف ماذا لديها من أراضي ومياه وآليات…الخ، بحيث تستطيع تنفيذ الخطة التي هي وضعتها. وهناك موضوع المصرف الزراعي فما تأخذه جمعية فلاحية عدد أعضائها (500) عضو من قروض عينية ونقدية كلُّ ذلك يأخذه شخص واحد من المصرف الزراعي وتوضع العراقيل أمام الفلاحين بالنسبة للقروض السنوية ومتوسطة وطويلة الأجل.

*أصلان عبد الكريم

نرغب أن نسمع حلاً، كيف يمكن أن نبدأ الإقلاع؟ سمعنا عن عوائق وعن مؤشرات وإخفاق وعجز وضيق، سمعنا أشياء كثيرة ونرغب أن نعرف هذه المشكلات أيّها الحاسم وأيّها الثانوي وأيّ الزراعات يجب أن نزرع طبقاً للتربة والمناخ..الخ،  وأي الصناعات ينبغي أن نشجع وما العلاقة بين القطاعات التي يمكن أن نشجعها، هل نترك الموضوع للسوق هل نريد اقتصاد سوق؟، هم قالوا لا، إذن نريد اقتصاد للدولة فيه حق التدخل. في هذه الحالة ينبغي وضع استراتيجية تنطلق من أولويات.

مثلاً لماذا لا يكون لدينا في سورية أرقى مصانع نسيج في العالم، ولماذا لا يكون قميصنا كالقميص الألماني أو كما في هونغ كونغ أو سنغافورة… الخ. هل المشكلة بنقص التمويل أم نقص الكوادر أم نقص التقنية الرفيعة، هل المشكلة بضيق السوق على التصريف أم أن صناعاتنا بائسة وليس من المستطاع تصريفها خارجياً، وفي حال أردنا أن نبدأ هل يمكن أن نضع خطة ثم بعدها نبحث عن تمويلها وعن التقنيات الرفيعة؟ نريد أن نسمع شيئاً ومن يقول أن اقتصاد القطن خاسر فليقول أيّ الزراعة هي الأفضل. مثلاً نحن ننتج الزيت ولا نستطيع استهلاكه وهل نستطيع أن ننافس الزيت اليوناني والأسباني والتونسي مثلاً. جئنا لمعرفة ذلك. أموالنا كشعب ينبغي أن تذهب لمن يرغب في أن ينجز صناعة إنتاجية إذاً من خلال التمييز والمفاضلة لدى الدولة بصفتها المدير العام عن الخير العام والهم المشترك بإمكانها أن تحدد القطاعات التي من الممكن أن تتقدم أو تتراجع من خلال اقتصاد راشد. نحن حتى الآن لم نعرف ما هو الاقتصاد الوطني.

*رياض سيف

تعقيباً على سؤال أصلان عبد الكريم من أين نبدأ، فأنا وضعت نفس العنوان لحديثي عن تلك الشروط الأربعة والحلول تحتاج لقاعدة أولاً كما أسلفت، وممكن أن أنشىء اليوم خليةً صناعية وغداً ممكن أن أتوصل إلى شيء أفضل مما هو موجود في دول أخرى ولكن أريد أولاً حقوقي كمواطن، ونظام مصرفي يشجعني، ومنطقة صناعية بربع التكاليف. ففي ألمانيا شاهدنا عندهم حاضنات لتوليد شركات جديدة بوضع سليم تأتي الدولة وتدفع ثلثي التكاليف لمشروع كبير تأخذه مؤسسة لها مصداقية والحضانة لمدة خمس سنوات فتعطي هذا الإنسان الذي يريد تأسيس شركة ثلث الاجار وتقدم له مختلف التجهيزات العامة، وبعد فترة الحضانة إما أن يفشل فيذهب، وإما أن ينجح ويتوسع ويكبر. فالمطلوب من الدولة أن تنشىء حاضنة تنمّي المواهب والقدرات وتوفّر لها الآلية المناسبة، بينما نحن على العكس تماماً فصاحب الورشة عندنا يعيش في حالة رعب لأنه من جهة يخشى موظف التموين ومن جهة أخرى هناك مشاكل المواد الأولية والمعدات والتأمينات… الخ. إن أول ما ينبغي فعله هو جعل سورية مكاناً محبباً للعمل والإنتاج وليس مكاناً كلُّ منتجٍ فيه ملاحق.

*علي وراد

ماذا نريد من المنتدى هل الحوار فقط؟، على أهميته أعتقد أن هناك إمكانية واقعية لطرح عدد من الشؤون الوطنية والديمقراطية بالمعنى الإجرائي كتشكيل لجنة فعلية لتطوير أشكال الدعم ولاسيما الشعبي للانتفاضة الفلسطينية المتصاعدة بمواجهة العدوان الأمريكي الصهيوني.

*رياض سيف

نحن نطمح دائماً للمزيد من النشاط الفاعل، وأن لا نظل فقط نتحدث، ولكن أعتقد أنه حتى الكلمة لها تأثير وسوف تُعطي مردودها ونحن قلنا إن هذا حوار وطني علني سلمي وأكثر من ذلك فهناك قوانين وأحكام عرفية، ورئيس مجلس الشعب بالذات يحذرني كعضو في المجلس بأنه: يا رياض سيف لا تنسى بأن قوانين الطوارىء لازالت سارية المفعول وأن اجتماع أكثر من خمسة أشخاص يُعاقب عليه القانون ويحتاج إلى موافقة أمنية.

*فاتح جاموس

هناك إمكانية جدية لانتزاع الكثير من الأشياء لمواجهة الأزمة الاقتصادية الخانقة، وهذا يطرح أمر مساهمة عدد من البرجوازيين الباحثين عن الخامات الأساسية في الوطن ولاشك أن العمل الاقتصادي الإنتاجي الوطني يحتاج إلى شرط ديمقراطي. إن النظام السياسي الصرف لا يُنقذ الأمر لوحده.

هناك سؤال: هل تستطيع السلطة الاستمرار بالإصلاح الاقتصادي؟ إذا كانت تستطيع فهناك قسم ليس صغيراً داخل الدولة والسلطة له مصلحة حقيقية في هذا الأمر, كيف يمكن جذبه إلى عمل وطني واسع لنضال سياسي واقتصادي، فنحن الآن نحتاج لانتزاع كلا الخطوتين في كلا المجالين.

*رياض سيف

حول ما طرحه فاتح جاموس عن دور البرجوازية الوطنية أقول بأن أكثريتهم يغارون على البلد ويرغبون بالمساهمة، ولكن البرجوازي هو الأكثر جُبناً لأن بيته من زجاج، فهم قد يأتون إليه ويتهمونه بأنه مهرّب أو من الممكن أن ينبشوا له مئة مسألة، لذلك فإن الذي يملك منشأة صناعية همّه الأول هو أن لا تتوقف المنشأة وبالتالي يُفلس وينتهي الأمر. فهو يحاول دائماً أن يبعد عن الشر ويغني له كما يقول المثل الشائع، لذلك لا تتوقع منه أن يكون نصيراً. هو قلباً معك ولكن بما أن بيته من زجاج فإنه لا يرغب أن يرمي حتى ولو ببحصة. وأما ما يمكن أن ننتزعه من أناس مخلصين في السلطة. فنحن لا نتهم السلطة ككل أبداً، هناك مخلصين ونحاول إيصال كلمة الحق لمن يريد أن يسمعها. وأتصور أنه بمجرد فتح مجال التعبير عن آراء الآخرين ومصالحهم وبقليل من الصوت العالي نشعر أن هناك تجاوباً. مثلاً طالبت وبعض الأعضاء في مجلس الشعب بأن تُذاع الجلسات كاملة، وبعد أربعة أيام صدر قرار بإذاعتها كاملة في التلفزيون، نعم ليس مباشرة ولكن كاملة. وقد سمعنا مؤخراً عن تعليمات من وزارة الداخلية بوقف سحب الاعترافات تحت التعذيب وكذلك بمنع الضرب.

*حديثة مراد

اسمحوا لي بهذه الملاحظات:

التركيز على وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والاهتمام بالمعاقين، يوجد في سورية نحو (90) ألف معاق جسدياً، فهناك ضرورة لإيجاد وسائل كي يتواصلوا مع المجتمع مثل الكرسي المتحرك وغيره، وهذه الوسائل إن وجدت في الأسواق فهي غالية الثمن. هناك أيضاً أساليب التعليم، فالمعلم لدينا مهمل بما لا يقاس مع الدول الأخرى. وبالنسبة للتعليم العالي جميعنا نعرف أين وصلنا فهو شرط من شروط تطورنا التكنولوجي، فهؤلاء يُعتبرون النخبة، فإذا كانوا يدفعون ليشتروا العلامات وفلان مظلّي نعطيه عشر علامات إضافية .. الخ. إن هذه الأمور لا تبني نخبة قادرة على إدارة البلاد والمجتمع، ومفروض أن سورية لها توأمة مع مراكز البحوث العالمية والجامعات العالمية، فهنا يجب أن توضع الأموال وليس على المشاريع المفتعلة، فمثلاً بدلاً من أن أنشىء معمل الورق أضع الأموال في تلك المجالات بحيث ينتفع الوطن. المطلوب إعادة بناء وإعادة هيكلة وأن نبني القاعدة من جديد لنبني عليها بناءً سليماً ونتجاوز التشوهات وأن نبدأ من جديد بشكل صحيح، وعفا الله عن ما مضى.

*رياض سيف

لقد قرأت مذكرات خالد العظم، فتبين لي أننا لا نعطي تلك الفترة حقها من التقدير والوقوف عند إيجابياتها وطبعاً، فيجب أن لا نحذفها من تاريخنا، لأنها فترة تنطوي على الكثير مما يمكن أن نتعلمه لأنها نبعت من شعبنا وثقافتنا وممكن أن تكون الأفيد من كل التجارب الأخرى حيث نشأت نهضة صناعية رغم ما أعقب الاستقلال من حرب فلسطين، واستقبال سورية لمئات الألوف من اللاجئين وتكاليف احتضانهم وبناء الجيش والانقلابات العسكرية، ورغم كلِّ ذلك أنشأنا معملاً للزجاج على أحدث طراز ومعامل للسكر والنسيج بكل أنواعه وبنينا مرفأ اللاذقية بدل أن نتقيد بمرفأ بيروت ومعامل الاسمنت وكلها كانت ناجحة وشركات مساهمة وكان يوجد بورصة، آنذاك كان الاقتصاد فتي وينمو بشكل طبيعي وصحي وحققنا نتائج وبلغت صادراتنا عام 1956 (110%) من وارداتها، ومجموع الصادرات ضعف ميزانية الدولة، وإذا قست ذلك اليوم، بعد أن أُخرج البترول الذي يشكّل 80% من صادراتنا ولدينا عجز في الميزان التجاري فيتبين أن صادراتنا من وارداتنا اليوم لا تشكل سوى 9%، وإذا حسبناها على الموازنة فلا تشكل حتى 5% أي أن الميزان التجاري في عام 1956 كان رابحاً بنسبة 10%، وكان يوجد في دمشق 23 صحيفة، 30 مجلة أسبوعية من كل المشارب السياسية، 44 جريدة يومية وكانت الأمور مختلفة جداً في أعوام 1956-1957 . يجب أن ندرس تلك المرحلة بعناية ونختار ما نستطيع الإفادة منه في عملية إعادة البناء.

حق القول*

الدكتور شــبلي الشــامي**

1-لا حرية بدون حرية التعبير عن الرأي وحرية النشر (1)

يقاس نضج المجتمعات الديمقراطية بمقدار احترام رأي الآخرين. فلا يمكن فصل الحرية في العالم عن حرية الأفراد بالتعبير عن رأيهم.

وقعت 185 دولة في الأمم المتحدة على إعلان حقوق الإنسان والذي ينص على الحق بحرية النشر والتعبير عن الرأي. كما لا يزال في الوقت الراهن 1/10/2000 الكثير من الصحفيين والكتاب والناشرين في السجون لأنهم يصرون على ممارسة حقهم بكتابة آرائهم. لذلك نرى التذكير بعدد من المفاهيم المتعلقة بحرية النشر والتعبير عن الرأي على كافة المستويات حيث نبدأ بحق الأفراد بالحرية والتعبير عن الرأي ولا ينتهي بالانتقال الحر للمعلومات عبر شبكة الإنترنت فقط. إنها الحق الذي يميز الإنسان عن الحيوان.

2-قدرة النقد وحرية القول (2)

يتم اغتيال الأحرف التي تشكل المكونات الأساسية لحرية النشر والمبررات الرئيسة للاضطهاد والقمع واهية، ومع ذلك تبقى الكلمة أكثر الأفعال نبلاً في قضية الحرية والتي تنقل الحرية عبر الكلمات للعالم أجمع، فازدهار الصحافة والأدبيات المختلفة ناتج عن حرية القول كما يحتاج الكتاب لاعتراف الآخرين كالسلطة وغيرها بحقوق الإنسان لكي يكتبوا الحقيقة التي شاهدوها أو  سمعوها. إذاً خلق الشعر واكتشاف الحقيقة هو نتيجة الحق الإنساني بحرية القول وهو مركز فهمنا للديمقراطية.

الآراء والتقييمات والحجج والتحاليل في مختلف المشاكل وإبداء الرغبات وردود الفعل والاحتياجات والأحلام، كلها معاً تبني الإطار العام للمجتمع والذي يدعى بالرأي العام غالباً، وبدون حرية القول لا يتغير شيء في العالم. وبدون حرية التعبير لا يحدث التغير الاجتماعي وبالتالي لا يمكن التفكير بالتنمية والتطور. فالنقد للحالة الراهنة كالسفينة التي تنقلنا لمسافة محددة بين أنفسنا وأرضية الحالة الراهنة، وحرية التعبير عن النقد تمثل صيغة الرأي العام، وممارسة حرية النقد هي أعلى درجات المشاركة في مجتمع حر. لهذا فاضطهاد أقلام الرجال (والنساء) هو العنصر المركزي دوماً للقمع. وحيثما يعتقد رجال السلطة بالحاجة للدفاع عن أنفسهم ضد التغيير والنقد فإنهم يتسببون بآلام مضاعفة للكتاب والمؤلفين الذين يعيشون ويعملون تحت سلطتهم، أولئك المفكرون الأحرار الذين يسمعون جحيم معاناة الكلمة كنتيجة لعيشهم تحت سلطة الاستبداد فالمعاناة الداخلية للكتاب خلال معاركهم بالكلمات ومحاولتهم الاقتراب من الحقيقة حيث يسلب رجال المستبد منهم أوهامهم ومصداقيتهم ويشيعوا عنهم الأكاذيب لقاء هتك الكتاب لمصداقية وأقنعة المستبد… وتصبح الكتابة سبباً للعزلة وتميل حياة الكتاب إلى فوضى مع تشويش إشعاعهم الفكري والتعصب لآرائهم مع الزمن مما يؤدي لمعاناة حقيقية من الاضطهاد… حيث يتعرضون للاضطهاد المضاعف كنتيجة مباشرة لكتاباتهم الفكرية، أحدها من رجال السلطة، والأخرى من سوء المحيطين بهم، وقد يهددون بالنفي أو  السجن أو  التعذيب وحتى الموت أحياناً…. لذلك فالكتابة هي أكثر أعمال الحرية نبلاً وتبقى الكلمة حاملاً للحرية (لذلك يقال كانت الكلمة في البدء) ولتصبح الكلمة غالباً هدفاً لعدوانية الحكام حيث تحرق الكتب والصحف واللافتات ويراقب أو يمنع تداول الفهارس، وأحياناً يفضل من يشعر بتهديد حرية القول لاستبداده أن يأخذ فعلاً مباشراً لأن سلطته قد بنيت على العبودية والظلم والاستبداد وهم لا يغتالون الكلمة فقط ولكنهم يغتالون حامل الكلمة أيضاً (كالمؤلفين والصحفيين والناشرين والكتاب والناس المتعاملين مع الشؤون العامة والصحف) ولذلك هرب أحدهم رسالة سرية من السجن قال فيها (الرجال الذين يأمرون ويشرفون على هذا الدور المخجل في هذه المسرحية الهزلية الغادرة، يخافون من الكلمة الحرة ويخافون من طاقة الفكر، طاقة القلم، ويخافون من متطلبات العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وهكذا يخافون من طاقة الكلمات ولذلك لا يراجعون أنفسهم مطلقاً ولا يقرءون أبداً وعدم القراءة تجعلهم أغبياء وتجعلهم غالباً قساة القلوب ومتوحشين. وهذا لا يعني طبعاً أن أية كلمة أو كل ما يكتب سيطلق طاقة التحرر بين الناس، وبغض النظر عن محتوى الكلمة، فالكلمة لها جانب شيطاني قد يستغله المستبد أيضاً، فهم قد يستغلون الكلمة للإقناع بالخطأ وأحياناً يقودون الناس للضلال من خلال الكلمة كالكلام المليء بالمخادعة (بدلاً من كلام التنوير) والمتداول في دول الاستبداد … ومع ذلك فالحس السليم بالكلمة من مميزات الحرية بينما توظيف الكلمات والحقائق للانحراف بالناس عن الحرية إلى جانب المستبد هو الجانب الشيطاني للكلمة ولذلك لا تدعم اللجان المطالبة بحرية الكتاب في السجون لمن كانوا قد بعثوا الكراهية العرقية أو شجعوا على الإرهاب أو زينوا للناس محبة الاستبداد (وهنا لابد من تحديد معنى الإرهاب والكراهية والعرقية لأنها أسلحة بمعايير مزدوجة لدى الغرب حالياً). لكن تبقى قضية الحرية التي تتسلح بالحجج والاحتياجات الاجتماعية ولا تؤدي إلى تفكيك وحدة المجتمع أو مناصرة أعداءه. تبقى بطاقة كافية لتخيف حتى حراس المستبدين الذين يمسكون ويصطادون ويعذبون الأحرار، وهذا الخوف من أثر الكلمات هو خوف حقيقي إن حملت الكلمات حقائق بدلاً من ترهات المستبد … عندما نتداول الكلمات بحقائقها وباحترام كبير للمسؤولية أمام الكلمة والناس، عندئذ نرى ضوء التقدم المشع والتنوير المثالي، التي تبدو باتجاهها وبساطتها غالباً في نهاية القرن العشرين كأنها قضية ساذجة، فهل علمنا القرن العشرين مع كل هشاشته أن للتنوير حدوداً؟ وهل ما زال ممكناً وضع الثقة بطاقة الحرية والتحرير للكلمات في نهاية القرن العشرين المليء بالشعبوي المسعور والدعاية المركزة والإغراء السياسي والكذب؟

نعمل حسناً إن حللنا قواعد الأدبيات والصحف والوسط الفكري تحليلاً نقدياً، وذلك لا يعطي الحق لأحد أن يردد الحجج والجدل حسب فكره ليستنتج الاستنتاجات الساخرة من تجارب الماضي حيث كانت الكلمات والكتابة تعود إلى تغيرات إيجابية وبالعكس يجب أن نتساءل لماذا تتفاعل الأمم غالباً بهشاشة مع التحدي القائم لدعم اللجان المساندة لسجناء الضمير؟

تحتاج الكتابة لحرية القول ويحتاج المؤلفون لحقوق الإنسان ليتمكنوا من كتابة الحقائق لذلك يعتبر الكتاب السجناء كممثلي مساجين ومع ذلك لا يوجد اقتراح بأن كل اضطهاد مفرد أو تعذيب أو سجن لفرد بشكل عشوائي يستحق منا المساندة والدعم بالتساوي لأن المساجين وضحايا الاضطهاد الفكري ذو رابطة داخلية  بشكل ما بين حرية القول وحرية الإنسان.

يمثل الاضطهاد الكتاب ظلماً واضطهاداً مهيمناً في المجتمعات التي تضطهدهم لأنه يرمز لاضطهاد الحرية وبالتالي يظهر أن النظام العصبي المركزي (العقل) للمجتمع الحر والرأي العام قد منع من التطور.

وللذكرى فمنذ 1/1/1999 وحتى 1/7/1999 (أي خلال نصف سنة) فقد تم اغتيال 34 صحفياً ومؤلفاً واختفى 22 كاتباً واختطف 5 مفكراً و19 قد تم إعدامهم وهوجم 60 من الباقي بالضرب والاعتداء عليهم وسجن 164 ممن تبقى…

هذا الإرهاب الذي شمل 304 من النخبة خلال نصف سنة بسبب حرية القول يستدعي تأليف لجان للدفاع عن الكتاب في السجن ولجان أخرى لدعم الكتاب في المهجر. وهنا أذكر قصة أحد مساجين الضمير حيث طلب ورقة وقلم ليكتب قصيدة فأجيب (لا حاجة لك بالكتابة فنحن نعرف عملنا، فكل شيء قد كتب، وكل ما تحتاج عمله هو الغناء) وذلك يؤكد بأن الأنظمة الشمولية لا تقدر على مواجهة تحدي حرية التعبير وهم يعتقدون أن كل شيء قد قيل وكتب ورفعت الأقلام… وكل شيء في أيد أمينة ولذلك فما حاجتنا للكلام والتحاور؟ ولماذا نفكر عن أنفسنا؟ فغيرنا قد فكر عنا؟ ولماذا يجب متابعة المسائل طالما أن كل شيء حالياً قد وضع بعناية بيد أمينة؟ وكل ما يجب عمله هو الغناء؟ بينما يشير الكتاب ولآخر شرارة من طاقتهم ولآخر لحظة من حياتهم بأن الحالة ليست كذلك؟ ولم تكن بأحسن الأحوال وعلى مدى التاريخ مقبولة؟ بأن ما يجب قوله قد كتب وقيل؟ ولذلك مازال هناك أمل طالما بقي كتاب ومفكرين في أنحاء العالم لأنهم يذكرون الناس بالبند “19” من الإعلان العام لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة لتشرين الثاني من سنة 1948 والذي ينص على ما يلي “حق حرية الرأي والتعبير مضمون لكل إنسان، ويشمل هذا الحق حرية الالتزام بالرأي بدون أن يترتب على ذلك أي تدخل من السلطة مع صاحب الرأي، وكما يشمل السعي لاستلام واستيراد معلومات وأفكار بأية وسيلة وبغض النظر عن مصدرها”

3- حرية النشر حق إنساني كما هوحرية القول حق إنساني: (3)

 حق النشر مطلب أو لي لحكم عادل ولتنمية اجتماعية فعالة، فحق المعرفة الناتج عن حق النشر تعتمد على الانتقال الحر للمعلومات واستقلالها عن السلطة مع طموح أخلاقي خلاق ومهنية عالية المناقبية…

الحق بالتفكير وحرية امتلاك الآراء والتعبير عنها هو حق وراثي منذ الولادة لكافة الناس وجزء لا يتجزأ من الكرامة والشخصية الإنسانية، وحرية النشر هو الجزء المكمل لهذه الحقوق الأساسية التي تميز الرجال والنساء من بني البشر.

تسمية هذه الحريات بالاختراع الغربي أو الحيل الغربية أو الضرائب الغربية على البلدان الأخرى وثقافاتها تضلل وتوحي بكثير من عدم المساواة بين بني البشر لأنها توحي بأن هناك بشر (أو أناس) بطبيعتهم أو ثقافتهم لا يتلاءمون ولا يتناسبون مع الحريات وبأنهم غير قادرين على التفكير والكلام نيابة عن أنفسهم وذلك يتناقض كلياً مع الاعتقاد بعالمية الكرمة والشخصية الإنسانية التي أسس عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ووثائق الأمم المتحدة وكافة البرامج المضادة للعرقية والأشكال الأخرى للاضطهاد والتمييز العالمي … إضافة لوجهة نظر تعكس تشويه الاكتشافات العظمى للجنس البشري، فهل على الأوروبيين أن يرفضوا الدولاب أو حروف الأبجدية لأنها اخترعت في سورية الآسيوية؟ آسيا السومريين والكنعانيين وقدماء المصريين والعرب؟ وهل على الآسيويين والعرب رفض وكره موسيقى موزرت وشوبان لأنهم أوروبيين؟ وهل على الأفارقة عرباً أو غير عرب … مسلمين أو مسيحيين … رفض التلقيح ضد الأمراض السرية لأنها اكتشفت من قبل أناس غير أفارقة؟ أو لأن الإشكال الدولي لحكومات التمثيل الحديث (الحكومات الديمقراطية) التي طورت في أو روبا الغربية ثم شمال أمريكا يجب أن ترفض!! فالقيم الديمقراطية التي أسست لا ترجع لجنس دون آخر لأنها ملك لكافة البشر مهما كانت أجناسهم ولغاتهم…

حرية النشر أساس البنية الأخلاقية والسياسية والحقوق المدنية تبعاً لشرعة الأمم المتحدة والتي تشرح أنه يفترض بحكومات العالم أن تدافع وترفع من المستوى الإنساني على كافة مستويات الأمم في العالم وأن لا تدافع فقط عن طبقة أو مجموعة عرقية أو طائفية أو إقليمية … وهذه الافتراضات المسبقة لعمل الحكومات يجب أن يعلمه المواطنون في كافة الأمم. وما يجب على الحكومات قوله وعمله نيابة عن الشعوب وبذلك تنتقل المعلومات باتجاهين، من الحكومة للشعب ومن الشعب للحكومة وبذلك تتمكن كافة الفئات من الانتعاش تبعاً لما سمعته من حكوماتها…

الافتراض المسبق بحق المعرفة يسمح بانتقال حر للمعلومات والآراء على المستوى الوطني والعالمي من خلال حرية النشر والوسط المحيط الحر بشكل مهني نشيط و…

حرية النشر كشرط أساسي للتنمية والتطور: ظنت التحالفات بين الأنظمة الشيوعية وكذلك الأنظمة المستبدة اليمينية وأنظمة الغرب المتقدمة وخلال فترة السبعينات والثمانينات من القرن العشرين (وعلى مر العصور) بأن حرية انتقال المعلومات ذو أثر سيئ على استقرار الأنظمة في بعض الأمم وبالتالي أصبحت الحرية عائقاً للتقدم وعائقاً ضد تطور ورفاه الأمم ولذلك تمت صياغة ما يدعى بالديمقراطية الاجتماعية كشرط مسبق للديمقراطية السياسية … وذلك استدعى نقاشاً مثيراً للخلاف في منظمة اليونسكو عند مناقشة قوانين المعلومات والاتصالات في العالم الجديد، فمنذ بدأت دورته الأولى سنة 1987 كانت رئاسة المدير العام لليونسكو(فيدريك مايور) إعادة توجيه اليونسكو بشكل معاكس لما تم في عهد سلفه (مختار أمبو) وذلك بالابتعاد عن تقييد وسط الأخبار وانتقال المعلومات بحرية وهكذا انتصر الغرب الأمريكي ومناصريه في صياغة حق حرية النشر وبغض النظر عن وجهات نظر دول عدم الانحياز التي كان يمثلها مختار أمبو… وهذا ما عبر عنه كوفي عنان عندئذ (السكرتير العام للأمم المتحدة حالياً) بقوله (1): ] حرية القول حق يجب أن نكافح لأجله وليس نعمة نرغب بها. وأكثر من ذلك فحرية القول جسر للفهم والمعرفة والناقل الأساسي لتبادل الأفكار بين الأمم والثقافات وشرط لفهم الحقيقة والتعاون الدائم …[

إذا كان التحكم القاسي بالمعلومات (ومع غياب النقد الذي كان صيغة وإجراءً للتناغم والتوافق والتقدم) سبباً رئيساً لانهيار الأنظمة الشيوعية في شرق أو روبا فإنه سيؤدي إلى عجز الأنظمة الشمولية المتبقية في الأمم الأخرى عن الاستمرار في نموذجها المعتمد على التنمية المتوازنة لأن التحكم بالمعلومات يسبب فوضى وتشويشاً للأنظمة الشمولية نفسها ( كما يبدو تاريخياً) أكثر مما تسبب حرية انتقال المعلومات من إشكاليات … فحرية النشر ليس عائقاً ولكنه شرطاً لحكومة جيدة (راشدة) ولتنمية مستدامة … وهذا ما يعبر عنه بقوة بإعلان 3 أيار سنة 1991 (1) من قبل الناشرين والمحررين والصحفيين الأفارقة في اليونسكو حيث أو قعوا مشكلة الفساد والهدر وعدم المحاسبة وانهيار الديمقراطية في إفريقيا على عاتق غياب حرية النشر … وذلك مصداقاً لدراسات البنك الدولي (1) التي أكدت أيضاً وجهة نظر الأفارقة بأنه كلما ارتفع مستوى النشر في الأمم النامية كلما ازداد التحكم بالفساد، كما تبين أن التوافق الإيجابي القوي بين صوت الناس ومحاسبة الحكومة من جهة، ومن جهة أخرى فإنه مؤشر على دخل الفرد ومعدل وفيات الأطفال والنضج الثقافي لأمة من الأمم. كما تشير دراسات البنك الدولي ن خلال دراسة 60 ألف فقير، خلال 60 وطناً بأن ما يميز الناس الفقراء عن الناس الأغنياء هو قلة القول وعدم القدرة على تمثيل أنفسهم وقلة الحديث عما يعانون وعدم القدرة على نقل ما يعانون إلى الناس المتمسكين بالسلطة ولا عما يفكرون به وعدم الاستطاعة على التنوير ولكن ذلك يجعلهم بشروط من عدم المساواة في مجتمع منقسم حيث يعيث فيه الأغنياء فساداً وتسلطاً وحيث يعيش فيه الفقراء كالأنعام بل أضل سبيلا … وهذه حقيقة تمثل الوجه الآخر لجدلية التنمية … فحرية النشر ليست قولاً شاعرياً وليست قضية هامشية وإضافية للحياة. فهي في نواة التنمية العادلة بل جوهرها بشكل مطلق لأنه لم نحرر ونعتق الفقراء وإذا لم ينالوا حقهم بالتعبير عن الرأي وإذا لم يكن هناك ضوء أمل بالحياة الحرة الكريمة!! وإذا لم نبحث عن الفساد وقلة العدالة بشكلها الواقعي فإنه لا يمكن بناء الحس العام الذي يؤدي إلى التغيير للأحسن…

حرية النشر واستراتيجية اليونسكو والتي تتلخص بإعطاء صوتاً لمن ليس له صوت (1) ودعم الحوار بين الناس في الدول النامية وزيادة المشاركة الشعبية من الأعماق (أو القلوب) وليس من الأفواه فقط، ولرفع سوية حقوق الإنسان ونشر ثقافة السلام؟ ونشر المهارات بين الناس في الأرياف وعلى أطراف المدن الكبرى (العشوائيات) وذلك ليسمعوا أصواتهم وآرائهم وطموحاتهم… وذلك ما يفسر دعم اليونسكو لخلق بيئة ثقافية محلية من خلال البث بالراديو(المذياع) لكل مجموعة سكانية وخلق التدريب المهني للأفراد…

من الأهداف الأعظم أهمية لليونسكو رفع مستوى ثقافة السلام لدى المثقفين المحليين لينشروها في مجتمعهم وبذلك تدعم اليونسكوعملياً الاستقلال للطبقة المثقفة غير المحاربة في مناطق الصراع المسلح مثل روانده وبوروندي بين الهوتو والتوتسي، أو البوسنة وكوسوفوبين الصرب والمسلمين… كما تساهم ثقافة السلام بمد جسور بين النخبة المهنية التابعة لمجموعات النزاع حيث افتتحت دور نشر في روانده وبوروندي لاستقبال الصحفيين من التوتسي والهوتو، وكذلك خلق طبقة من المحاورين في القدس من الفلسطينيين والاسرائليين (والتي انتهى دورها بعد مذبحة الاقصى وبدء الهبة أو الانتفاضة الشعبية الحالية منذ 23/9/2000). تلك الامثلة وغيرها لرفع مستوى ثقافة السلام بالمثقفين المحليين وبواسطتهم…

أقرت اليونسكو يوم 3 أيار كعيد لحرية النشر العالمي لرفع مستوى حرية النشر المثالي عبر العالم ولتعبيد الطريق لخلق ودعم طبقة مثقفة مزدهرة ومستقلة. كما أحدثت جائزة سنوية لحرية النشر لتشجيع الصحافة حيث منحت من قبل هيئة للصحفي الصيني السجين جاو يو سنة 1997 وتدعى هذه الجائزة باسم جائزة غويلرموكانولحرية النشر العالمية لليونسكو]غويلرموكانواغتيل كصحفي في 17/11/1986 على يد كارتل المخدرات الكولومبي أمام مكاتب صحيفته التي تدعى المشاهد في عاصمة كولومبيا (بوغوثا)[.

تشجع اليونسكو على وضع هيكل مؤسساتي وقانوني لحرية النشر ولكن ذلك لا يحقق حرية النشر حقاً لأن بعض الأمم حديثة الديمقراطية قد خاب ظنها عندما عم طوفان في الشوارع من الصحف الجديدة التي تتميز بقلة التحقيقات الجادة وقصص مشكوك بأصلها تتكلم عن تآمر الحكومة وتثير الحساسيات وتهاجم القادة الجدد وعائلاتهم وتتدخل في المصالح الشخصية لتزيد الوضع سوء ومع قلة الشفافية الديمقراطية والسوق الحرة… عندئذ تصبح النخبة المثقفة والصحف أدوات سياسية واقتصادية لنخب الحكم الجديد… وهذا الخطأ لا يرجع لحرية النشر ولكنه يرجع لقلة الخبرة العملية لدى الصحفيين وبمشاركة واسعة من المجتمع حول مفاهيم الحرية والديمقراطية. فلا تتواجد حرية نشر بدون صحفيين ذوي تدريب خلقي ومهني عالي ليتمكنوا من إنتاج أخبار محققة ومتوازنة وجدية وآراء ثابتة (غير مهزوزة) ومع ذلك فحرية النشر حق لا يمكن التنازع فيه.

يستدعي إساءة حق النشر والتأمل بالتدريب المهني للصحفيين جزئياً حيث يحتاج الصحفيون لاستقلال مالي كاف عن ملاكي الصحف ليتمكنوا من خدمة عامة الناس وليس لخدمة المصالح السياسية والتجارية لملاكي الصحف. لذلك تطالب اليونسكو بدعم التدريب المهني والاستقلال المادي للصحفيين بينما تبالغ الحكومة حديثة الديمقراطية في إساءة حرية النشر كعذر لإعادة الرقابة والتحكم بالصحف ويتذرعون بأن الصحافة السيئة تهدد مصالح الأمة أو استقرار الوطن!!

يشير قادة الأمم الأقل تطوراً في الشمال والجنوب لعدم التوازن في النقل الدولي للمعلومات حيث تهيمن الدول الغربية الغنية عليها وهم لا يملون من ترديد عدم قبولهم بنقل المعلومات والأفكار بحرية بسبب عدم مشاركتهم المنصفة في المعلومات، وعدم التوازن هذا حقيقة لذلك تعترف اليونسكو بالتحدي لردم الفجوة بين البلدان الغنية بالمعلومات وبين البلدان الفقيرة بها (1).

ولكم مهما كانت المشاكل الحقيقية فلا يقع الحل بقمع المعلومات أو حجبها أو إلغاء الحوار والحرية ومهما كانت الأسباب المثيرة فالهدف الحقيقي لأولئك المعادين لحرية القول هو حماية السلطة وهدر كرامة المواطنين وذلك مصداقاً لقول كوفي عنان (1): (رفض حرية النشر لم يكن إطلاقاً من الناس خارج السلطة ولكنه كان دوماً من رجال السلطة).

قمع المعلومات لم يكن حلاً على الاطلاق وبالعكس فأهمية حرية النشر شرطاً للحكم الصالح ورفع مستوى التطور ولاسماع صوت من ليس لهم صوت وهو ما تدعو له الامم المتحدة على لسان ماري ربنسون (مفوضية حقوق الانسان) (1): ] حرية النشر هو حجر الزأو ية لحقوق الانسان وضمانة لبقية أنواع الحريات المعروفة لأنها تشجع الشفافية والحكم الصالح وتؤمن قوة القانون على الجميع “فالكل متساوي أمام القانون ولا أحد فوق القانون” ويتمتع المجتمع بحكم العدالة الحقيقية، وتبقى المسألة عن قيمة حرية القول لمجتمعاتهم، نقول أن الجدل بأن حرية القول تهدد الاستقرار وتعرض التقدم للخطر وأن حرية القول تدخل خارجي… قول مردود لأن حرية القول تعبير عن كرامة الناس وجزء من حرية الانسان [أو كما قال كوفي عنان (1): (بأن القمع لحرية النشر من رجال السلطة دوماً وأن الناس الذين ليس لهم صوت يطالبون بحرية النشر بينما الذين ترتفع أصواتهم فقط والذين يسمح لهم أن يُسمعوا ولا يسمعوا يقمعون حرية النشر، والخلاصة لندع الجدل ونختار بين أن يعرف كل الناس أكثر أو أن يعرفوا أقل؟ أن يُسمعوا أو أن يبقوا صامتين؟ أن يقفوا على أقدامهم أم يركعوا على ركبهم؟)، ومع أننا لا نستطيع الاضافة على قول كوفي عنان ولكننا نتذكر قول ريجوبيرت منشو(1) والحائزة على جائزة نوبل للسلام. (حرية التعبير أساس الديمقراطية وضرورة لرفع بنية العلاقات بين الحكومة والمجتمع ونحن نتطلع ليوم نرى ونسمع فيه بحرية تعبير بإحساس عميق أن يكون ذلك اليوم قريباً حيث يمكن أن نصبح عندئذ بوضع أحسن لبناء أمم جديدة وحيث تتداخل الثقافات بين الأمم كحقيقة نرغب بها)

4- حرية النشر أساس للتعددية والاستقرار: (4)

تكثر التفسيرات لهذا الحق الأساسي وتختلف العقائد كثيراً في فهم هذا الحق الإنساني، فهناك طيف واسع من القناعات السياسية حوله ولكنها تشترك في عمومية واحدة وهي حق الصحفيين بنشر آرائهم ورؤياهم بدون إعاقة ولكن أين؟ هذا ما ينص عليه ميثاق منظمة الأمن والتعاون الأوروبي؟ والتي تشمل 55 قطراً من غربي أوروبا (فان كوفر) إلى شرقها (فلاديفوستك). وينص الميثاق على أن تطور الديمقراطيات الحديثة غير ممكن تخيله بدون تلازم تطور الافراد والحقوق المدنية، فالثورتين الأعظم في القرن الثامن عشر في فرنسا وفي أمريكا وكذلك الأوامر الناظمة لحرية النشر العلني (وليس السري) لبعض الأنظمة الملكية المستنيرة قد استبانت بأن حرية النشر لآراء الأفراد هو جزء من حزمة الحقوق المدنية والفردية وأن التضامن مع الكتاب العصاة تحت حكم المستبدين الطغاة هو مقدمة الحقوق المدنية والفردية وحرية التعبير عن آراء الآخرين. وهذا ما أكده ميثاق الأمن والتعاون الأوروبي بعد سقوط الأنظمة الشيوعية الشمولية حيث أصبح الاقتصاد الحديث المعاصر في كافة أنحاء أو روبا مهيمناً على السياسة، ولكن لا يدوم اقتصاد معاصر بدون التأثير المصحح للمساجلات العامة بين كافة الاتجاهات وهذا تحدي عالمي يواجهنا حالياً وذلك يقتضي أن يقوم الصحفيون بعملهم بدون إعاقة أو رقابة إلا رقابة ضمائرهم… وهذا التحدي العالمي بالغ التعقيد لأنه حوار عالمي بين حضارات مختلفة وهو حوار مسؤول وإلا فهو غير مجدي وبلا جدوى…

ما هي المهام التي تواجهنا وما هي الخبرات التي يجب ادخارها طالما يجب ان ننشر التحدي العالمي لحوار الحضارات في أو روبا وعبر الاطلسي لامريكا وكندا وحتى لوسط آسيا وعبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا؟ حتى يشمل الحوار كافة أنحاء العالم شرقاً وغرباً…

الاختلافات الأساسية للتفاسير تنبع من تاريخ كل أمة، فتاريخ الحرية في الولايات المتحدة الامريكية هو تاريخ من النوع العدائي (العدواني) إضافة لقيود المؤسسات التي سادت أو روبا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، والحرية التي يتمتع بها الأمريكيون بدون ازعاجات الآن هي نتيجة لتلك. لأن استقلال النخبة المثقفة في أو روبا أو أمريكا هي نتيجة للصراع الناجح لخلق مؤسسات الدولة الديمقراطية في القرنين التاسع عشر والعشرين وذلك باستعمال الوسائل الناجحة ضد الاستبداد والتي حولت عمليات التحرر إلى أخطاء سياسية في سبيل تحطيم التحرر والعودة إلى الاستبداد، والآن فقد انتصرت الحرية بالتعبير عن الآراء على كامل الأراضي الأوروبية وهي في طريقها للانتشار في كافة الاتجاهات. ولكن لا تزال الكثير من الأنظمة في مختلف أنحاء العالم تختلف في تفسير حرية التعبير والنشر معلنين أن حرية الصحافة في أو روبا الغربية قد تجاوزت المعقول والمقبول ولذلك يجب تقييد هذه الحرية لصالح الوطن؟ أي لصالح المستبد وبدرجات مختلفة؟ ويعرف الأوروبيون من تجاربهم التي سبقت الآخرين أن حرية التعبير تعني حماية الصحفيين والكتاب و… كأفراد من الاعتقال والتعذيب والتشريد وحماية شركات الصحافة والصحف والمذياع والتلفزة من الإغلاق تحت تأثير شروط الاستبداد…

محطة البث البريطانية B.B.C كنموذج أو روبي للصحافة الحرة والمستقلة عن سلطة الدولة والتي يجب أن تبقى المثال المحتذى والتي لم تستنسخ بعد عبر الصحافة الأمريكية لتدون في سجلات التاريخ بأن القدوة قد استنسخ. ولذلك تختلف الآراء في منظمة الأمن والتعاون الأوروبي إن كان عدد محطات البث الخاصة المستقلة ذات دلالة كافية عن استقلال النخبة المثقفة في بلد ما وان كانت المقارنة العددية إثبات لوجود الحرية أو تقييدها، والجدل الأوروبي المحكوم بعدد كبير من محطات البث ينتقد بريطانيا العظمى والنمسا ويمتدح بعض الدول التي كانت تحت الحكم السوفيتي السابق؟ وذلك لأن وجود محطة واحدة مستقلة للبث كمؤشر وحيد عن عدم وجود صحافة في الدولة كبريطانيا مثلاً لأن وحدانية محطة البث كالمحطة البريطانية للبث B.B.C ضد التعددية والتي تعني الحرية؟ كما أن كثرة محطات البث لا تعني الحرية أيضاً؟ وعموماً تعتمد حياة الديمقراطية على المحاورات العامة وتعدد وجهات النظر وتباين الآراء السياسية حول مسألة ما، والتي تعكسها النخبة المثقفة من خلال المقالات المنشورة بحرية أو الخطب المذاعة بحرية تعبير بناء… في محطات البث واحدة أو أكثر؟ بينما قد تتواجد رقابة السلطة من خلال تمركز دور النشر والتوزيع حول السلطة ومن خلال وقف بيع وتداول بعض الصحف فجأة‍! أو منع نشر الإعلانات أو منع الدعم المالي لبعض الصحف المعينة… ومن جهة أخرى وبالتساوي والتوازي فعلى الصحافة أن تمارس مسؤولياتها من خلال الصراع الطويل لتحقيق حرية النشر. بينما يتذرع عادة رجال السلطة بحجة مسؤولية الصحافة لتفادي نقد أنفسهم واستبدادهم؟ وفي كافة الأحوال فمسألة المسؤولية ككلمة يساء فهمها واستعمالها لمنع الصحفيين من ممارسة عملهم؟ فهل فقدت الديمقراطية كافة المعاني السامية بسهولة لأن الشيوعيين في عهد الاحتلال السوفيتي لألمانيا قد دعوا دولتهم بجمهورية ألمانيا الديمقراطية؟ (في سنة 1949)؟ وهل سيلغى استعمال كلمة حرية لأن هتلر قد حصرها بالعرق الألماني؟ أو لأن ستالين قد حصرها لطبقة الشغيلة السوفيتية؟ وهل تخلت النخبة المثقفة الحديثة عن ممارسة المسؤولية؟ فيجب أن تضمن ممارسة الحرية لمن يرغب من المواطنين والمؤسسات وذلك طبقاً لروح شرائع العصر!!

يجب أن لا تقيد أو تحدد المسؤولية من قبل الدولة لأنها مسألة تخص مهنة الصحافة، وسيعم مفهوم المسؤولية مستقبلاً على النخب التي تنموفي مجالات الصناعة والمجالات المستقلة اقتصادياً والشرائح التي ستمارس السلطة السياسية!! والسؤال هو ماذا سيحدث لقطاع النخبة التي تنموفي أو ضاع تشبه أيام صناعة الحديد والفولاذ وتلك الايام الغابرة الاخرى؟ سيطرق هذا السؤال مراراً عند الحديث عن النخبة الواسعة للقطاع الخاص والمتواجدة في بعض الدول التي كانت شيوعية أو اشتراكية أو شمولية أو استبدادية سابقاً؟ لأن النخبة عندئذ جزء من الصناعات المعينة أو جزء من الروابط المتينة مع حكومة ذلك البلد؟!

تنطلق التجمعات الدولية كالسوق الأوروبية وغيرها من افتراض أن السلام هو الحالة النظامية لكافة الشؤون بين الأمم ولهذا السبب تحافظ الشرائع على حرية النشر في وقت السلم كهدف أو لي… مع أنه لحرية النشر معناً خاصاً جذاباً في حالات الصراع وخاصة في زمن الحرب أو في أزمنة التحضير التي تسبق الحرب. كما تتضمن الشرائع حق التدخل في الحالات التي يساء فيها استعمال حرية النشر كسوء استعمال النخبة لحقها الطبيعي بحرية القول (بالتحريض على الكراهية) فكافة الخطوات للوصول للسلام بعد توقف الحرب في أو روبا مثلاً هي مسؤولية النخبة المثقفة. وحالياً يقوم المجتمع الدولي تنظيمات مسؤولة في البوسنة والهرسك من البلقان (وأخيراً في كوسوفو) لضمان استقلالية النخبة المثقفة والسلام معاً ورفض التهديدات المباشرة لحياة المواطنين من اتباع الديانات الاخرى (الاسلام) … ففي كوسوفو وبعد الجرائم المخجلة المقترفة ضد المسلمين والتي مازالت تمارس ضد مسلمي ومسيحي فلسطين. فإن المجتمع الدولي سيدين ويتدخل لحماية الاقلية المسيحية أيضاً في كوسوفو والتي تمارس التطهير العرقي والديني سابقاً مع أن العديد من المثقفين كأفراد قد كانوا من الصرب المسؤولين عن بدء الصراع وتنشيطه في البلقان وكذلك سيحمي المجتمع الدولي لليهود الذين مارسوا التطهير العنصري والصهيوني ضد سكان فلسطين في فلسطين الغد “الديمقراطية”… فالحرية السياسية بدون حرية التحاور بين أفراد النخب المثقفة حرية سياسية لا يمكن تصديقها أو تخيلها…

ويجب أن لا ننسى أخيراً أن الكثير من اللجان الدولية بدون سلطة حالياً ولكن لها سلطة في شرائعنا المعاصرة فمثلاً كانت تطلق تهمة الخيانة العظمى على من لا يمتثل للأنظمة الشمولية، أو الاستبدادية ويطلق عيهم حالياً من قبل لجان مراقبة حقوق الإنسان بسجناء الضمير دلالة على ادانة السجان والمستبد وذلك لأن الأنظمة الشمولية تستعمل دوماً تهمة موجهة غير انسانية كالخيانة لمن يعارض النظام وهذا سلاح لاسكات الصحفيين. وحالياً فقد نمى الوعي بالحرية وضاق المثقفون ذرعاً بالنفاق السياسي والطبقة الطفيلية السياسية؟ كما رفضوا معايير أن يقول المستبد ما يعنيه ويرى أغلبهم أن على المستبد في النهاية أن يسمع ويسكت! لأن المجتمع الدولي سيدعم ويتدخل في (ما كان يدعى) بالشؤون الداخلية للدول والأنظمة المستبدة (4) وحالياً تمر بعض الدول الشمولية بمرحلة انتقالية بين الاستبداد والديمقراطية تدعى أن للشعب الحق بقول ما يراه مناسباً وللمستبد الحق بفعل ما يراه مناسباً؟؟

ولكن في مرحلة الفعل للانتقال الحقيقي للديمقراطية ستعقد الندوات ويدعى الصحفيون كما دعوا إلى كوسوفوبتمويل من مؤسسات ألمانية مثل Deutshe Welle  وZDF وغيرها كما دعمت تقنيات البث الاذاعي والتلفزيوني للمسلمين وحتى للصرب في كوسوفو كوكالة أخبار BETA  وFO NET وغيرها (5) وسنرى ذلك قريباً في كافة الدول الشمولية أو المتلكأة على طريق الديمقراطية!!

5- حرية القول والحضارة (حوار بين الثقافات) (6)

  يعصف الخوف والأذى بالنخبة المثقفة فما زالت آثار العلاقات بين العرب والأوروبيين مثالاً على عدم الثقة المتبادلة. تهدف النخبة العربية الألمانية لتصحيح هذه الحالة فالصحفيون في محاوراتهم العامة من الجانبين سيتبادلون الأفكار والنقد في مؤسسة العلاقات الثقافية الخارجية ifa  وبدعم حكومة ألمانيا الاتحادية (دائرة النشر والمعلومات) والتي بادرت لجمع النخب العربية والألمانية لمبادرة الحوار. وفي هذه الأيام حيث تتناقل الصحف والمجلات والراديو والتلفزيون ويزداد نقل الانترنت بأقصر وقت للمعلومات بثواني للأفكار بين الأطراف المتعددة …

لكن مازالت الأفكار المقولبة المسبقة المتداولة على علاتها والخوف والتقوقع (قلة التحرر) وسوء التفسيرات والمبالغات – بوعي أو بدون وعي – تؤدي إلى تأثير حاسم على الآراء المقبولة والمتداولة بين النخب (وقراء النخب)، كما أن انتقال هذه الآراء عبر مختلف الأقنية الفكرية والشرائح الانسانية بما فيها من تشوهات تؤثر بشكل خاص على آراء أفراد ثقافة استحوذوا على الثقافة الاخرى والتي تبدو لهم الثقافة الاخرى غريبة ومخالفة وأحياناً معادية فالاسلام أكثر خصوبة بالتنوع العربي أو المشرقي حسب رأي الغرب بينما المسيحية المشرقية قد دجنت وتغربت؟ والاسلام كثقافة بموقعه الاقرب لأو روبا والذي يعتبر لبعض الأوروبيون مخالفاً أو مهدداً وبالعكس فبعض الناس في العالم الاسلامي (ان لم يكن أكثرهم) قد اعتبروا (ومازالوا) أن الغرب هو الأكثر تهديداً لأمنهم وبقائهم؟

تأكد منذ ثلاث سنوات أن هذه القولبة السلبية للأفكار قد تقدم الذخيرة الحربية للمستقبل “صراع الثقافات” ولهذا السبب وخاصة تحت تأثير تزايد العولمة والتي تقاوم بعناد وصلابة في المشرق فقد دعمت stuttgart تأسيس ifa والتي عقدت حتى الآن ثلاثة مؤتمرات وكل منها استغرق عدة أيام في مواقع مختلفة، منها: مؤتمر Heidelberg بألمانيا سنة 1997 ومؤتمر عمان بالأردن سنة 1998 ومؤتمر الرباط بالمغرب سنة 1999 وتضمن كل مؤتمر مشاركة فعالة من المفكرين والصحفيين العرب والألمان من خمسة عشر قطراً عربياً (الجزائر – البحرين – مصر – الأردن – الكويت – لبنان – المغرب – عُمان – السلطة الفلسطينية – قطر – السعودية – سورية – تونس – الامارات العربية المتحدة – اليمن) مع اثنين أو ثلاثة مختصين ألمان بالدراسات المشرقية والشرق الأوسط. تركز البحث في كل مؤتمر على الوسط الفكري في جانب من جوانبه- حيث ركز مؤتمر هيدلبرغ على التعريف والقولبة السلبية حتى اليوم والتي تحكم التفكير بكل جانب في الجانب الآخر،واكتشاف الطرق والوسائل للصحفيين لقهر هذه القولبة، وفي كلمة الافتتاح ركز فيكتور كوشر (مراسل الشرق الأوسط لوكالة Neue Zuricher Zeitung) رئيس جلسات المؤتمر على أن يلاحظ المشاركون لقواعد سقراط الثلاثة – اعرف نفسك، واحترم الآخرين، وأن تكون مخلصاً!! وهذا ما تقيد به المشاركون؟

تعرية القولبة السلبية فمثلاً يبقى هدف النقد الواعي لو كان محقاً داعماً لاستمرار التعصب فلقد وصم العرب بآرائهم للنخبة الألمانية بانحيازهم لاسرائيل خلال صراع الشرق الأو سط، أو أنهم قد ربطوا الأصوليين الاسلاميين بالاسلام نفسه وبالتالي فقد ادعوا أن الاسلام والمسلمين ارهابيون… ولذلك أقر المجتمعون من خلال الحوار بأن التعتيم غير منصف لأنه يدعم التعصب المؤذي. لتقليل التوتر النفسي والفكري عبر التاريخ بين الجانبين فقد ركز الجانبين في مؤتمر عمان على حقوق الإنسان والمساواة بالحقوق بين الذكر والانثى وكان الموضوع الرئيسي للنقاش هو أثر العولمة على جوهر الثقافة وقد قام عدد من الصحفيين الالمان بالنقد الذاتي والاعتراف بأن العولمة الاقتصادية ترافقت مع عجز هائل وتهميش اهتمامات جزء من النخبة الالمانية بالعولمة الثقافية نفسها. ولوحظ تزايد هبوط النشر الالماني من قبل صحافيين ألمان يحبون الاثارة ويتميزون بضيق الافق في معالجة المواضيع خارج ألمانيا. ومع انعدام النقد الذاتي من بعض الصحفيين العرب لعدم حصارهم لوم الغرب على ما حل بهم من الظلم ولعدم مساهمة النشر العربي بتعرية نظرية المؤامرة لتفسير كل ما حصل!!

تداول الحقائق الكريهة: وأخيراً أخضع مؤتمر الرباط لما يدعى بالشراكة المتوسطية الأو روبية لتقويم نقدي وفحص حالة انخبة في كل قطر مشارك، وخاصة ما يساهم في بعض مناقشات اجراءات الشراكة، وركز المؤتمر على حالة القمع المباشر وغير المباشر للنخب المتواجدة في أغلب الدول العربية، وخاصة القمع الذاتي اجتماعياً وسياسياً وعاطفياً مع استعمال الضغط حتى على الصحفيين المقيمين في أوروبا أيضاً، وعلى هامش الموضوع نوقش موضوع محطة البث التلفزيوني الجديدة (الجزيرة) في دولة قطر الصغيرة على الخليج العربي والتي تستعمل أحدث التجهيزات والمعرفة الأوروبية وغير الخاضعة للقمع، وتضاربت آراء المتحاورين حول المواضيع الدينية والسياسية والاجتماعية حيث تخضع النخب العربية لنماذج فكرية مقدسة (تابو) وحيث تستقبل محطة الجزيرة في أكثر الدول العربية فتقدم برامجها نواة للنقاش للأسابيع القادمة على كافة الأصعدة…

عودة للحل في الرباط: اعتبر مؤتمر هايدلبرغ من الجانبين بداية لتعرف كل جانب على الجانب الآخر بينما قاد النقاش في عمان والرباط لنقد ذاتي بجومتحرر، وكان نصف المشاركون من العرب والألمان من الذين يحضرون المؤتمرات بانتظام أي أنهم موظفي مؤتمرات !! والنصف الآخر من القادمين الجدد إلى السيرك… واستنتج المؤتمرون في الرباط عددهم اربعون من الدول العربية وألمانيا وسويسرا طريقاً للمستقبل (حلاً) حيث وصف المتدينون المؤمنون بالعنف وبالتعصب وشجعت لهجة السلام والحوار الدولي وحرية التعبير وشجع الصحافيون على التحرر بازالة القذى من أعينهم. وقد سحبت النقاط التالية على الوضع الخاص للجانب العربي….

-تنتج العلاقات الطيبة بين السلطة والشعب من حرية التعبير والنشر.

-تحقق الديمقراطية للاستقرار (وليس استقرار الموت) والمشاركة الايجابية في المجتمع.

-تبين أن الدول العربية تقمع النخبة (بحجة تحقيق الأمن) فتعجز عن ابداء حرية التعبير والنشر أو تنعدم أية حرية وقد سحبت النقاط التالية على النخب الأوروبية:

-على النخبة الالمانية والشعب الأو روبي ان ينفتح أكثر على الثقافة العربية والمجتمع العربي لتجنب سوء الفهم.

وقد تقرر استمرار الحوار بين النخب العربية والألمانية في تشرين الثاني لسنة 2000؟ في عاصمة الثقافة الألمانية هامبورغ حسب العنوان في الانترنت                 http: // www. Ifa.de

6- الطريق الطويل لحرية النشر من الرقابة إلى حرية التعبير وابداء الرأي: (7)

تحققت حرية النشر وحرية القول في الحضارات الغربية من خلال كفاح طويل ومستمر ومليء بالمفاجآت والنكسات وخاصة في ألمانيا، حيث قامت الدول بالغاء الحريات أو قامت الكنيسة بالرقابة الصارمة، وقد سبق حرية النشر وحرية القول كشرط مسبق وجود صحف سياسية أو بالعكس … حيث كانت تدعم مسار الديمقراطية.

قامت الكنيسة بالرقابة على كل الكلمات التي كتبت قبل اختراع الطباعة وذلك لتخفيف وتخرب كل كمون محتمل للحرية. لكن بعد تحقق معجزة الطباعة على يد جوهانس كوتنبرغ في القرن الخامس عشر، أصبح ممكناً توزيع أعداداً أكبر من الكتب والمنشورات على القراء ورأت الدولة والكنيسة سبباً لتحريم تلك الكتب ما لم ترقب مسبقاً من قبلهما، واستمرت الرقابة حتى القرن الثامن عشر، وتحت تأثير حركة التنوير فقد ازدادت الثقة بالذات في الطبقة الصاعدة من البرجوازيين ليعصوا مبدأ الرقابة في أغلب البلدان الأوروبية، وكانت بريطانيا العظمى فقط هي الأسبق لحرية القول والنشر بعد سقوط عائلة ستيوارت فكانت انكلترا أول أمة حديثة ترفض وتعصي مبدأ الرقابة في سنة 1695، وقبل ذلك وفي سنة 1644 نظم الشاعر الانكليزي جون ميلتون قصيدته العصماء عن حرية القول في منشور حيث نظم ما يلي:

(عندما تقتل شخصاً فإنك تحطم خلق الله. ولكن عندما تقمع كتاباً جيداً فإنك تحطم الله نفسه)

وانتشرت هذه القصيدة أو الفكرة في العالم الجديد (أمريكا) بسرعة أكثر مما انتشرت في القارة الأوروبية وقد أسس اعلان الاستقلال الامريكي سنة 1776 على حقوق الإنسان الابدي غير القابل للتبديل أو التغيير من شخص لآخر حيث تتساوى فيه كل أنواع البشر… وأو لاً وقبل كل شيء الحرية لكل الناس، وفي نفس السنة أعلنت دولة امريكية (فيرجينيا) عبر مؤسساتها بأن حرية النشر أحد أعظم حصون الحرية. وقد وضع الاتحاد الفيدرالي الامريكي سنة 1791 كل من حرية الدين وحرية القول وحرية النشر تحت حماية مؤسسات الدولة وهكذا انتفض العالم المتكلم بالإنكليزية، ورمى بعيداً قيود الرقابة من الدولة أو الكنيسة…

انكلترا السباقة لحرية النشر ولحقت بها أو روبا فألغيت الرقابة سنة 1789 بالثورة الفرنسية حيث أعلنت الثورة بكل وضوح في اعلانها عن حقوق الإنسان والمواطن وحرية النشر واعتبرت الثورة ان هذه الحقوق سبباً للثورة ولكن هذه الحقوق لم ينص عليها نهائياً في القانون الفرنسي حتى سنة 1872. وضمنت الامبراطورية الالمانية لحرية النشر في عهد الملك كريستيان السابع وألغت قوانين الرقابة وذلك سنة 1770 ونمت حرية النشر في المقاطعات والمدن الالمانية بينما احتفظت بعض المقاطعات الالمانية على الحدود ببعض القيود العملية على حرية النشر كما في مقاطعة فيمر وميكلن بورغ.

لم تقمع الحرية بشكل مستمر فقد مارس بعض الكتاب الشباب لحرية النشر من مطلع القرن التاسع عشر الميلادي أمثال: هنيرش هين ولودفيك بورن ولكن حرية التعبير بقيت قضية حق حسب الظروف وغير ملحة في المؤسسة الملكية حتى بعد الثورة الالمانية الأولى سنة 1848 ولكنه اعترف بحرية التعبير عن الرأي بنجاح حركة بولسكيرش بعد سنة. وفي سنة 1874 اعترف قانون المطبوعات الملكي بحرية النشر في كل أنحاء الرايخ الالماني وتم الجدل عن جدوى هذا القانون وتقيده أو اطلاقه… وهكذا انتشر حرية الرأي كحق مقدس حتى خلال الحرب العالمية الأولى الا ان حكومة فيمر (فيمار) قد قيدت حق النشر والقول بعد انهيار الرايخ الألماني سنة 1919 وخلال حكم الوطنيين الاشتراكيين (النازي) لمدة خمسة عشر سنة تقريباً حيث قيدت حريات الرأي واقتصرت على حرية النشر، فبعد صعود هتلر إلى السلطة سنة 1933، أحرقت دور النشر التابعة للشيوعيين والديمقراطيين الاجتماعيين… وقيدت حرية الحافة والنشر.

مع سقوط جدار برلين سقطت الرقابة في المانيا الشرقية ولكن بعد هزيمة المانيا في الحرب العالمية الثانية فسلطات الاحتلال الغربية قد أعطت الترخيص للصحف والمجلات بين سنة 1945 و1949 ولكنه لم يسمح بنشر حر حول سلطات الاحتلال ولكن مع إعلان الجمهورية الفيدرالية الالمانية فقد أعلن الدستور الذي ينص في البند الخامس منه على حرية النشر والقول ولكن الحالة كانت مختلفة كلياً في المانيا الشرقية بين سنة 1949 إلى سنة 1989 (سقوط المانيا الشرقية) حيث كانت النخبة المثقفة تحت تحكم وتدقيق ورقابة وشكوك حزب الوحدة الاشتراكي الحاكم في المانيا الشرقية. حيث استعملت وسائل النشر للدعاية العقائدية الشيوعية. لكن بعد سقوط جدار برلين منذ أكثر من عشر سنوات فقد أصبح الحق في المانيا الشرقية كجزء من المانيا الموحدة ولكل فرد الحق ان ينشر بحرية ويعبر عن رأيه بالقول والكتابة والتصوير على أن يقيد نفسه عن اشاعة الجريمة والعنف وتشويه سمعة الاخرين والا فإن القانون سيقيده عن استعمال حقه في أذى الاخرين والمجتمع.

النهضة في عصر المعلوماتية – الابتكارات والاعمال في مجتمع المعرفة في القرن الواحد والعشرين – برنامج العمل -:

يتعامل أطفال المدارس في مركز Dortumund – Mette  الالماني مع الانترنت للقرن الواحد والعشرين في صفوفهم حيث يخضعون لاستعمال برنامج start your engines والمحتوي على اثني عشر برنامجاً وطابعة وناقلة بالمسح scanners فيتمكن التلاميذ من دراسة برامج خارج المدرسة ويتعلمون على استعمال الانترنت بمسؤولية. انترنت الصف في المدرسة هو أحد المشاريع الممولة من مبادرات القرن 21 الجديدة. حيث يشترك في التمويل شركات ومؤسسات من كافة القطاعات الصناعية لتحقيق مشاركة مع السياسيين والمعلمين والقادة الاجتماعيين لخلق شروط مثالية لنقل المجتمع بسرعة إلى عالم المعلوماتية الرقمية. وتتضمن هذه المبادرة التعرف على هيكلية الابتكارات لتطوير مبادرات الافراد والعمل مع أنظمة مؤسسات الدولة لربط كافة الشركات في هذه المبادرة.

تنبهت برامج المبادرة الجديدة للقرن 21 على ان التقانة وحدها غير كافية لتحريك الاشياء، فالمهارات والجو المتجدد للشعور ضرورة لتوظيف التقانة الجديدة بأحسن شكل ولهذا السبب فالنظام التعليمي والتدريب المهني يجب ان يتناسب مع حاجات مجتمع المعرفة في المانيا.

تهدف المبادرة لخلق 20 ألف شراكة بين المدارس والشركات حتى سنة 2002 في المانيا إضافة لتدريب 250 الف عامل مؤهل حتى سنة 2005 وأحدثت 100 الف وظيفة في قطاع المعلوماتية في السنوات الثلاثة الماضية أيضاً (1997-2000) وخلق صناعة جديدة تعتمد على الانترنت كما يهدف برنامج القرن الواحد والعشرين لمضاعفة عدد الشركات في قطاع الانترنت حتى سنة 2001. كما اسست وزارة الاقتصاد الفيدرالية الالمانية تنافساً متعدد النخب لشركات جديدة تعتمد على تثقيف الشركات بمواد معلوماتية جديدة ومعارض تجارية للمستهلكين…

شراكة واعدة بين الخاص والعام: لم تستفد النساء من فرص العمل بما فيه الكفاية والتي يقدمها قطاع المعلوماتية .، فما زالت نسبة النساء المنخرطات بالتدريب التقني والبرامج التعليمية نسب منخفضة. لهذا السبب فالشركات المشاركة في مبادرة القرن الواحد والعشرين قد وافقت على مشروع تجريبي نوعي يهدف لتسريع نمو وظائف النساء في قطاع المعلوماتية، وحالياً فأكثر من مائة شركة وأفراد قد انخرطوا معاً في مبادرة القرن الواحد والعشرين حيث يقول المستشار “يجب أن يزداد تركيز وتنسيق الدولة والصناعة لنشاطاتهم في هيكلة شراكة الخاص والعام إن كان لألمانيا أن تضمن لنفسها القيادة في عصر المعلوماتية” وفي هذه العملية ستستمر الدولة في قيادة برنامج العمل للابتكارات والوظائف في مجتمع المعرفة في القرن الواحد والعشرين. وقد وضعت الحكومة الألمانية الاتحادية أهدافاً واضحة لتضع بالفعل خلال السنوات القادمة تنسيقاً وتعاوناً بين الصناعة والمجتمع.

7 – المعلومات الهائلة هي المعركة الأساسية اليومية:(8)

ما هي المخاطر التي تهدد حرية النشر في عصر تنافس المعلومات؟

هل غيرت ثورة الوسائط للأخلاقيات الصحفية؟

ما هي العلاقة بين السياسيين والنشر المتطور؟

وهي أسئلة وجهت للرئيس السابق لمؤسسة الصحافة الألمانية “هيرمين مين” حيث قارن بين أرضية الوسائط الصحفية في بلدان متعددة حول حرية الرأي والنشر واعتبر أن التعددية في ألمانيا في حقل الرأي والمعلومات وبدون رقابة أو سيطرة من الدولة والأحزاب على النشر بل يسيطر على النشر مجموعات اجتماعية ذات أهمية تنعكس خلال البث الإذاعي العام في ألمانيا أو بريطانيا أو فرنسا وأمريكا. لكن المتغيرات الهائلة في الوسائط الألمانية مثلاً غيرت التنسيق المستقر بين النشر والسياسيين نتيجة لطوفان المعلومات حالياً! ونتيجة لانصراف الساسة للتلفزيون وظهورهم بقلة العمق (الضحالة) وقصر النظر مما شكل خطراً عليهم فانقلبت الأمور عليهم فأصبحوا وسائل للتسلية مع افتقارهم للجدية والمصداقية. ولما كان سعي الصحفيين وراء السياسة مع ضحالتهم فقد ميز الصحفيون أنفسهم عن الساسة خلال المقابلات التلفزيونية بالابتعاد عنهم وعدم الانسياق معهم ووراءهم. وهذا يمثل خطراً لأن هذه الطقوس المتلفزة التي تديرها النخبة المثقفة كصحفيين مع وسائطهم الأخرى ورجال السياسة لتخترق تلك البرامج المتلفزة غرف الجلوس لكل مواطن في بيته كل مساء مما يدفع تدريجياً حدة نقد النخبة ويؤخر حركة التحرر المتجدد إلى الوراء وخاصة ذلك التجدد في الأوساط المطبوعة كالصحف والمجلات مثلاً … وذلك يؤدي إلى تفكك النخبة وقلة تماسكها خاصة عندما تتداخل المصالح التجارية في هذه النشاطات والتي تلعب الدور الأكبر فيها فالمحطات المتلفزة الخاصة الموجهة بمصالح تجارية وكذلك محطات الراديو وبعض قطاعات النشر تبقي نشاط الساسة المسموع والمرأي والمقروء تحت أيدي ماهرة ومدربة رغم الوسائط وسرعتها وتشابهها وضغط التنافس المتعاظم بينها في دورات التلفزة والصحف وتنافس النخبة بين بعضها البعض ولكن يبقى السلوك المتحرر والنقد البناء رائداً للعملية الإعلامية في الدول الغربية من خلال البحث الصحفي. ولكن الخطر في تحرر النشر في الدول النامية أن يتحول التحليل الصحفي في الصحف اليومية والأسبوعية والمجلات السياسية بحيث تصبح الحقيقة معزولة ويكثر الكذب والنفاق وتنعدم الفائدة من آلية وعملية النشر وحرية الرأي. وحتى في بريطانيا الأكثر عراقة لتميز النخبة بعمق الفكر فإن التربص قائم بين أفراد النخب ..

تتكلم الصحف حالياً عن ثقافة عدم الثقة بين الساسة والنشر في المدن فكيف نعالج هذه الوسائط مثلاً لتعم الثقة ؟

وتكمن الإجابة في الساسة حيث يجب أن يتعلموا أنه لا حاجة للعجلة أمام كل عدسة مصور أو مكبر صوت ليعطوا أدق التفاصيل في  مقابلاتهم. ويمكن أن يلام الساسة على ذلك وعليهم أن لا يتصدروا من خلال إشاعة الأخبار الصادقة أو المشوشة؟ وعلى الساسة أن لا يثقوا بالصحفيين الذين يتجاهلون قواعد حرية الصحافة وأن يتكتموا ليبقى لهم ما يقولوه ‍!!

على الصحفيين أن لا يعتدوا على الحريات الشخصية للساسة أو المشاهير لأن إهمال الصحافة لخصوصية المشاهير والناس العاديين قد أدت للقتل المعنوي أو الحقيقي لهم (الأميرة ديانا والأميرة سارة وغيرهم ..) علماً أن إحدى مهام النشر ملاحقة حياة المشاهير ولولا ذلك لما سمعنا عن شؤون وفضائح كثيرة؟ ما لم يهتم الصحفيون بالحياة الخاصة والسلوك الصحيح أم لا للمشاهير وغيرهم؟ ولكن اختص بعض الصحفيين بالقصص المثيرة وهذا محور جدل طويل لأخلاقيات الصحافة وحدودها؟

الصحافة التي تعيش على الرشوة قد تزايدت في السنوات الأخيرة والمعاصرة أكثر مما نتصور وذلك متصل بتزايد ضغوط التنافس بين النخبة ولذلك يحارب أفراد النخبة بعضهم البعض للحصول على معلومات أفضل وقد يدفع الصحفيون شيكات (أموالاً) بدل الحصول عليها للحصول على معلومات مثيرة لقضايا معينة؟

تؤثر هذه الشيكات على حرية النشر والقول بطريقة أو بأخرى!! إنها تؤثر عندما يكون الدفع مغرياً لأنه يحطم المنافسة لأن مؤسسات أو هيئات البث العامة لا تستطيع التنافس مع الهيئات الخاصة عندئذ؟

تتغير أخلاقيات الصحافة مع زيادة ضغوط التنافس؟ ويتزايد تداول المعلومات لعدم القدرة على السيطرة والتحكم بها ولذلك تسبب هذه المعلومات حالياً سبباً للاغتيال أو الانتحار .. إنه عصر المعلومات والأولوية الأعلى هي الحصول على المعلومات لأغلب الصحفيين مع إهمال الأخلاقيات الصحفية والتي يجب أن ترعى وتحصن في كافة أنحاء العالم طبقا لقول صحيفة الأزمنة النيويوركية الأمريكية “المبدأ النبيل أن تهتم بنفسك أو لاً على أن تكون على حق” ويهمل هذا القول كثيراً في الوقت الراهن مقارنة مع الماضي الجميل نتيجة مستوى التنافس والحاجات ولمسايرة روح العصر؟

كيف يرى الصحفيون أنفسهم على ضوء ذلك؟ حيث كانوا يرون أنفسهم في السبعينات والثمانينات من القرن العشرين كمبشرين في الساحة السياسية فقد كافحوا من أجل الأفكار مثلاً في عهد حكومات مخالفة بينما يرى الصحفيون أنفسهم حالياً كوسطاء؟

وكان ينظر للناشرين كمبشرين أيضاً لأنهم يوازنون بين الكتب واتجاهاتها والأفكار المتحررة. والآن هل يرى الناس أهمية الأفكار الصحفية بأهمية الأفكار الاقتصادية مثلاً؟ لقد اختفى كثير من الناشرين والصحفيين الأخلاقيين وحل محلهم المحاسبين كموجهين لعمليات اقتصادية تحتوي على النخب الثقافية. والمراقب لتطور هيكلية احتكار القلة لدور النشر يتبين تناقص التنوع الحيوي في الآراء .. فمثلاً وبعد انهيار ألمانيا الشرقية فقد امتلكت دور النشر في ألمانيا الغربية لدور الصحافة الشيوعية سابقاً التي دفعت بالتنافس منذ مطلع 1990 وكانت النتيجة انعدام التنوع الصحفي الذي يمثل عجزاً لنظام الصحافة أينما وجد!!

هل عبرت صحف ألمانيا الشرقية عن روح المشاكل لديها؟ وبالتالي هل هيمنت وجهة نظر صحف ألمانيا الغربية على محتوى أي تعبير عن الرأي في صحف ألمانيا الغربية؟ لقد عبرت صحف ألمانيا الشرقية بعد انهيار جدار برلين وتوحد ألمانيا عن هوية المشاكل في ألمانيا التي كانت شرقية رغم أنها صحف مملوكة غالباً لبيوت نشر من ألمانيا التي كانت غربية!! لكن الصحفيين كانوا قد تربوا تحت حكم ألمانيا الشرقية السابقة وذلك ليس بمشكلة لأن الدليل السياسي الخاطئ لا يرتب عقوبة على المواطنين تحت حكمه إلا إذا كان للصحفيين علاقة حميمة مع البوليس السري لنظام ألمانيا الديمقراطية السابقة DDR أو الدولة القمعية بشكل غام ولذلك عكس الصحفيون بعد الوحدة لمشاكل ألمانيا الشرقية من خلال حرية النشر في دور النشر الألمانية وهو حال اقتصاد السوق عموماً ..

ماذا سيحصل لو اتحدت مؤسسات التلفزة الخاصة؟ فمثلاً تشكل مؤسسات التلفزة الخاصة كمجموعة KIRCH/SPRINGER ومجموعة BERTELSMANN واللتان تملكان عملياً محطات التلفزة الكبيرة الهامة في ألمانيا واللتان تخضعان للتحليل النقدي على كافة المستويات. فلو اتحدت هاتين المجموعتين هل سيقع نظام استبدادي جديد؟ في سوق التلفزة الألمانية. يمكن للنخبة الحرة حالياً ومستقبلاً أن يشكلوا مدخلاً حراً في السوق الوطنية وأن يختاروا بحرية ويكافحوا ويحافظوا على وجودهم بحرية، وذلك هام جداً لقضية الحرية.

هل يقاوم الأفراد لسوء التمثيل عن أشخاصهم ومنشوراتهم بشكل كاف؟ وهل ما زالت تستنسخ في عصر الأنترنيت لأجهزة حكومية وتجهيزات قانونية .. ‍‍وتستنسخ الأنظمة الشمولية عن بعضها البعض كما نسخت مفاهيم وأجهزة من دولة لأخرى؟ وفي العالم الحر حيث لدى الحكومات قوانين للنشر ولحفظ حق الأفراد أمام مالكي دور النشر مثلاً‍‍ولتضمن للمواطنين حق الرد إن وردت حقيقة غير صحيحة فيمكن للمواطن أن يصححها من خلال حق المواطنين بالرد وهو حق تصحيح الأكاذيب والأمور المزيفة حتى لو كان المزيف ممثلاً لعدد من الهيئات النظامية الحكومية. وعملياً لا يستعمل حق الرد عادة إلا الأعضاء المهيمنين في المجتمع أكثر مما يستعمله المواطن المتوسط لأن استعمال الرد عادة ما يتضمن كلفة قانونية ومخاصمات قضائية ونتائج نهائية غير أكيدة؟ ومع ذلك يقوم مجلس النشر الألماني مثلاً بالمساعدة إن اقتنع بالقضية (حق الرد) لأنه يحترم الحقيقة كما أنه ينظم تداول مصادر الأحداث والإعلان المنصف (9).

الأنترنيت رغم حداثته ومع أنه ليس وسطاً صحفياً بالكامل ولكنه يسبب الكثير من الإثارة عندما يعبر الحدود وأحياناً يوجه ضربات موجهة وموجعة وغير قانونية ولكن ما مدى خطورتها؟ إنه فرصة عظيمة أحياناً وخطر عظيم أحياناً أخرى. وتقع الفرص بالدخول الحر لكل المعلومات وفي مناطق لا تتوفر الكثير من الحرية لدخوله .. والجانب السلبي للأنترنيت أنه لا يمكن التحكم به ولا توجد مؤسسات تشرف عليه ويستحيل مراقبته ولذلك يساء استعماله فنحن نسمع الكثير عن المحتوى الإباحي للأنترنيت وخطابات سياسية قديمة وشتم لسياسيين وأحياناً يبدأ الشك أو الإشاعات الحاقدة من الأنترنيت ومن مصادر مغفلة (بدون اسم) تدعي أنها سليمة النية ولكنها تنشر أنباء وقصصاً بدون أساس كلياً (مختلقة) وهذا هو سعر الحرية بدون ضوابط؟

نتساءل إذاً هل حق القول والنشر قد تزايد دعمه أو إعاقته أو ضوابطه مستقبلاً؟ فالخطر يتزايد على حرية النشر في ألمانيا مثلاً ولذلك تقترح الأجهزة التشريعية لقوانين تدعم ضبط حرية النشر فمثلاً يرغب مجلس النواب الألماني بتمرير قانون يمكن من التنصت حتى على الصحفيين في حالات معينة بواسطة الميكروفونات والمسجلات .. وهي ليست محاولات حقيقية من المشرعين لإلغاء حرية النشر بل تدل على أن كبح الآخرين ضرورة لحماية السرية وعند تعرض الكرامة الإنسانية للانتهاك. فحماية السرية أكثر أهمية من حرية النشر من جهة ومن جهة أخرى تميل النخبة نحو التوجهات التجارية ( وخاصة في مجال النشر والإعلام الخاص ) وهذا يمثل خطراً على النخبة إضافة للاهتمام المتعاظم بالمشاهير والكتل الاجتماعية الكبرى بينما تهمل الأقليات مع خضوع النخبة عند الإعلام عن عالم الأعمال لأنهم يحتاجون للإعلانات والترويج التجاري وهذا توجه خطر .

8-بقوة الكلمة : كيف يدير نادي P.E.N  حملته ضد اضطهاد الكتّاب وللدفاع عن الكتّاب المسجونين والمنفيين : (10)

يتواجد في السجون حوالي 700 كاتب عبر العالم حسب إحصاء P.E.N  بسبب كتاباتهم ولما يفكرون به ومع أن هذا الرقم أقل من الحقيقة بكثير فمنذ 40 سنة مضت قد أسست لجنة للدفاع عن الكتّاب المسجونين والمنفيين P.E.N والتي ينطق باسمها السكرتير العام للمركز ( اللجنة ) السيد جوهانو ستراسير الذي يرى أن اللجنة مسؤولة عن أولئك العاملين مباشرة مع الكلمة المكتوبة كالكتّاب والصحفيين والناشرين وبائعي الكتب ( المكتبات مثلاً ) وتدعم اللجنة فقط حالة الأشخاص المضطهدين وغير المنخرطين ( الملتزمين ) بقوى النضال الوحشــية

( الإرهابيين … ) أي الذين قاوموا باستعمال الكلمة فقط ، لم يسمح سابقاً للجنة بممارسة دورها في الأنظمة الشمولية وحالياً لا يوجد إلا بقعة صغيرة ( زاوية ) في العالم لقمع النخبة ، و تتعاون اللجنة مع المنظمة الدولية Amnesty  لحقوق الإنسان ودعم المساجين السياسيين ، حيث أنشئت شبكة لتبادل المعلومات ولفحص الاتهام وجديته بدقة ولدراسة حالات الموجودين على لوائح لجنة  P.E.N  والتي تدقق كل ستة أشهر وتراقب أحوال حوالي 700 كاتب في السجن وحالات التهديد أو المضايقات المستمرة أو التعذيب بسبب واحد هو الإصرار على حق القول والكتابة بما يفكرون به !!  

تقمع طرق الاضطهاد الوحشية القديمة والتخويف والترويع لحرية التعبير ، فالاضطهاد الذي تمارسه القوات العسكرية أو شبه العسكرية المتنقلة آلياً لإرهاب المواطنين أو حتى اغتيال الصحفيين غير المؤيدين وهنالك الكثير من الطرق المهذبة أو المخادعة لخلق الضغط النفسي على الجمهور ، ففي دول المعسكر الاشتراكي السابق مثلاً ( والتي ما زالت بعض الأنظمة تنهج على نهجه ) ، لا يتوفر الورق لنشاطات النشر العادية مع أنها تهدر الكثير من الورق للدعاية المنظمة للنظام ويحرم استعمال الورق للنقد مع قلة الورق المتوفر في السوق نتيجة استهلاكه من قبل مؤسسات الدولة للدعاية بالصور وشتى أنواع المطبوعات لنظام ورموزه …. .

ما العمل إذاً لمساعدة المضطهدين ؟؟ نشر الحقيقة شعبياً وإشعار السلطة الشمولية أنها مراقبة جيداً بعملها وأن الآخرين يعرفون أسماء وأحوال الضحايا ، والكتابة إلى السلطات في الأنظمة الشمولية كالرئيس أو الأمين العام أو رئيس الوزراء أو وزير الخارجيـة ، وزيارة الدولة التي تمارس القمع وتزويد ســلطاتها بقوائم أسـماء الضحـــايا وأعلامهم أن العالم يسمع أنين المضطهدين وأن حالتهم قد أصبحت من حالات المعرفة العامة المتداولة ولما كانت أغلب الأنظمة تبغي الاحترام في العالم ولا تهدف لتخريب علاقاتها الاقتصادية نتيجة السمعة السيئة لممارسات الاضطهاد …. لذلك وعندئذ ربما تخفف السلطة القمعية من ممارساتها !!  

هل تضرر المصالح الاقتصادية للدولة التي تمارس لجان مراقبة حقوق الإنسان على أراضيها نقداً للأنظمة الشمولية الأخرى ؟؟

مؤيدي حقوق الإنسان من السياسيين والصناعيين يمارسون النقد العلني للدولة الشمولية ويشيرون على دولهم بعدم قبول التضحية بالمضطهدين لدى الأنظمة الشمولية الأخرى على مذابح المصالح الاقتصادية ، كما أن الأنظمة الشمولية قد  تطلق يد الميليشيات ( قوى غير نظامية ) لممارسة الاضطهاد أو تطلق يد أنصار الحزب وهذا مرادف لإرهاب الدولة نفسها ويجب التنديد به ، وعندئذ يكون رد النظام الشمولي بعدم معرفتها بالنشاطات القمعية تلك وأن الجريمة موجودة في كل قطر في العالم ( كذا ) ومع ذلك تتعقد حالة الدفاع عن المضطهدين في مواجهة حملات المليشيات الإرهابية ….

لم تحقق لجان الدفاع عن المساجين والمبعدين من الكتّاب الشيء الكثير على المستوى الاقتصادي ولكنها نجحت في سلامة حياة البعض والأمل للآخرين وتحذير القادة المستبدين القامعين لحرية القول وبالتالي لا يمكن إهمال ما قامت وتقوم به لجان الدفاع لاختراق الجدران المنيعة للسجون وكذلك ما قام به أعضاء الشرف في اللجان حيث قدموا الحماية لأشخاص مرموقين ضد التعذيب والمضايقات ولذلك فبعد إطلاق السجناء قد أخبروا  أولئك المساجين  عن أهمية دور اللجان وأنها لم تنساهل خارج جدران السجن وعبر العالم ولذلك أطلق سراحهم وعندئذ تبدأ مشكلة جديدة وهي كيف يحافظوا على حياتهم في المنفى ومن أين تدبر مصدر رزقهم ولذلك تدعم اللجان حياة المسجونين بعد تحررهم من السجن داخل الوطن وفي المنفى .

وحالياً ينظر لتأمين المحررين من السجن مالياً بتأمين سكن لهم وتأمين حياة جديدة لهم والسعي لدى الناشــرين والمترجمين وإحياء حفلات لدعمهم وذلك يعني تحريرهم مالياً وفي  أغلب المدن الغربية والألمانية بشكل خاص لجان تحت رعاية وزير الثقافة ، كما تسعى اللجان للتوسع شرقاً حتى موسكو وغرباً في أنحاء أمريكا ولعل العالم سيستفيد من جهود اللجان لدعم حرية القول والنشر والتعبير عن الرأي …

يمكن الرجوع إلى عناوين بعض المهتمين بحرية القول في نهاية البحث .  

9-شبكة عمل لدعم الديمقراطية هي شبكة الانترنيت وحرية تبادل المعلومات :(11)

مؤسسات الانترنيت هي البنية التحتية لمستقبل المعلومات الرقمية وهي الحاضنة التي تسرع الشفافية السياسية بأعظم قدر ممكن وتساعد في تدعيم البنية الديمقراطية ، وفي بعض البلدان فهي تلعب دوراً هاماً في التطوير الاقتصادي والاجتماعي …

الانترنيت هي الحاضنة التي تلبي بشكل مطلق حرية التعبير عن أنفسنا ولا يوجد أي وسيط يسمح بتبادل حر للمعلومات كالإنترنت مع التجاهل الكلي للحدود القائمة ثقافياً أو وطنياً ولا توجد وسيلة تحتاج لمصادر قليلة من المعرفة للوصول إلى الكثير من المعارف كالانترنيت فهو ينفس عن حياة جديدة ويتنفس بمبادئ جديدة لحرية التعبير والرأي ويطلق حرية النشر التي تدل على تواجد الديمقراطية في أنحاء العالم

ينص المبدأ التاسع عشر في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على ( لكل إنسان الحق بحرية الرأي والتعبير وأن يستلم أو يبقي أو يكافح أو يستورد المعلومات والأفكار عبر أية واسطة وبغض النظر عن الجبهات أو الجهات التي تمد بالأفكار ) يحقق الانترنيت بطرق عديدة لهذه الحريات بشكل مثالي بتزويدنا بأفكار ونماذج شعبية وعلى مستوى العالم ، وذلك ما نعنيه بالضبط بأن الانترنيت قد اخترع وسيلة سياسية لتخلق تعددية وتضارب وتصارع بالأفكار على مستوى العالم وحتى على مستوى الدول النامية !!  ولا يبدو الانترنيت كظاهرة مثيرة عملياً إذا عاش الإنسان في دولة ديمقراطية تحترم حرية التعبير لمواطنيها ولكن في الأقطار ذات السلطة الشمولية وحيث يعاقب المواطن ذو الرأي المغاير لرأي الحكومة فيصبح الانترنيت ذو معاني جديدة ومختلفة كما في بعض الدول النامية ( وبعض النظر عن النظام الاقتصادي ) فتستخدمه النخبة المثقفة في العالم الثالث لتبادل المعلومات وتوثيقها أو الإشراف على الحوار وترشيده ولكن السلطـــــــة المستبدة في العالم الثالث أو تلك الدول النامية يهمها الهيمنــــة السياسيـــــة واستمراريتها ولذلك فحرية النشر أفكار سامية نادراً ما يسمحون بها !! 

9-1-الانترنيت – مصدر موثوق للمعلومات :

تخضع النشاطات السياسية في العالم المتقدم للانترنيت باستثناء بعض الحدود والقيود ، فيحقق المواطن عبر الانترنيت رغبته بحوار أكثر انفتاحاً وشمولاً مع الالتفاف على القيود التقليدية المفروضة على النخبة ولذلك يزداد استعمال الانترنيت باطراد لتمرير ونشر المعلومات وللتعبير عن النفس بحرية أكثر ، فالانترنيت كمصدر معلومات أكثر مصداقية من الوسائل الأخرى الوطنية أو الدولية في كثير من الحالات ، ولذلك  تنتشر المعلومات من الانترنيت عبر الوسائل الأخرى لتصل للشعب ونسبة مستعملي الانترنيت قد أصبحت دلالة على التقدم فنسبة مستعملي الانترنيت في الدول النامية 10 % من مجموع مستعملي الانترنيت  في العالم و90 % هي نسبة مستعملي الانترنيت للدول المتقدمة ومع ذلك فانتقال المعلومات في البلدان التي تضطهد حكوماتها الحريات قد اخترقها الانترنيت وخلق فيها ساحة لحوار المعارضة السياسيــــــة ، فاستعمال الانترنيت دلالة على النهوض الاقتصادي وعلى توفر المصادر الإنساني والتقنية وعلى حجم الطبقة الوسطى التي تمثل أكثرية مستعملي الانترنيت وعلى سوية السياسات الحكومية أيضاً .

9-2-الانترنيت- المناظرة المفتوحة للجميع :

استقبلت بعض الدول النامية ( الاستبدادية الطابع ) لشبكة الانترنيت على كل الأسباب الموجبة لشعبيتها الكبيرة بفرض الرقابة عليها، وذلك لأن الانترنيت أكثر انفتاحاً من الوسائل التقليدية الأخرى ، وللتحكم وفرض الرقابة على الانترنيت فقد فرضت القيود على التجهيزات والرقابة على نشطات خطوط الانترنيت  وفرض على مستعمل الانترنيت أن يسجلوا أنفسهم لدى السلطات المحلية  إضافة  لوقف إمداد المعلومات عبر الانترنيت وحجز كل المعلومات التي تحتوي على كلمة ديمقراطية مثلاً من الوصول إلى المستعمل بتشفير الشبكة لتعزل عن المستعملين ، وخربت بعض السلطات أجهزة المستعملين خلال نشاطاته ، كما لا يسمح للمواطنين باستعمال أندية الانترنيت لدول المجاورة ….. ، ورغم ذلك فإمكانيات تقييد حرية الانترنيت  محدودة ، فتقييد الاتصال بالانترنيت  صعب ، وتقييد حرية استعمال المعلومات المتوفرة أكثر صعوبة  ، ولذلك تبذل بعض الحكومات أحسن ما لديها لإبعاد المواطنين عن الانترنيت لأنهم لا يستطيعون التحكم بالمواد المرسلة لخارج أوطانهم ، وفي الحقيقة فالقليل من الحكومات قادرة على وقف مواقع نشر المعلومات لذلك تفرض عقوبة السجن الفوري لمرسلي المعلومات إذا كانت المعلومات ذات معنى أو سرية للحكومة المعنية …. ، ولذلك وضعت استراتيجية من قبل المستعملين في العالم النامي للالتفاف حول رقابة الحكومة والخوف من انتقام رجال السلطة ( السياسيين ) فقد استخدم المستعملون لعناوين مجهولـة وهويات  كاذبة لستر أنفسهم وتشفير البرنامج Soft ware  لحماية المعلومات ، وكلما أقامت الحكومة العوائق أكثر فأكثر كلما  وجد أناس صبورين قادرين على الالتفاف حول هذه العوائق بشجاعة عالية وأخلاقية عظيمة .

ولإنصاف تلك المحاولات للتحكم بالانترنيت فقد جادلت بعض الحكومات النامية حول مدلولات الثقافة ولحماية الموروث الثقافي فيجب  وقف العناصر الثقافية غير المرغوب بها في الانترنيت ، وبعض الدول الآسيوية قد اســــــــتعملـت التباين الثقافي ( القيم الآسيوية ) لرقابة محتويات الإنترنت عموماً  محتويات النخبة الثقافية ووسائلها !!  ولأن آسيا مختلفة عن الغرب حيث الناس في آسيا أكثر إلتزاماً بالأسرة والمجتمع  الشرقي ( كذا ) وتوجيه حقوقهم الشخصية بتوافق مع الأهداف الاجتماعية ؟

ومن منظور عرقي فهذه الفروقات قليلة الفائدة لأنها تخلق فاصلاً كاذباً بين الشرق والغرب ( إنقساماً ) ، مع  أن الانقســـامات والفوارق الكبيرة موجودة في داخل المجتمعات  الشرقية وبين بعضها البعض ؟  كما أن ذلك يسيء إلى الثقافة الآسيوية عبر التاريخ وهي الثقافة المفتوحة على الآخرين تعطي وتأخذ!! فالشرقي فخور بحقوقه الشخصية ويقاوم القادة الطغاة كم هو الغربي فخور بعائلته ومجتمعه ، وفي الشرق والغرب ، فالرجال والنساء جاهزون للنضال حتى الموت من أجل القيم الثقافية التي آمنوا بها .

9-3-روح الانفتاح :

التباين الثقافي في قشرة رقيقة مخادعة يستعملها السياسيون للتغطية ، فلا يوجد أحد في أي بلد في العالم منزعج من الانتقال الحر للمعلومات ولكن المنزعجون هم القادة المستبدون !! وسيغضب القادة  لأشياء أكثر من الدعوة للإصلاح السياسي التي ينقلها الانترنيت وخاصة إذا كانت دعوة الإصلاح من داخل الوطن ومن  مواطنين ينتمون لنفس الموروث الثقافي لأن مثل تلك الدعوة الداخلية ستنتشر عبر الأو ساط العالمية والوطنية ولا يمكن التحكم بها تقريباً وهي ستخيف القادة المستبدين حتماً ومثل تلك الاهتمامات السياسية لدى المعارضة في الداخل ستواجه بالاضطهاد على المدى الطويل وذلك القمع يستهلك مصادر الدولة التي يجب أن تصرف بطرق أكثر نجاعة ومردوداً لبناء الوطن  ، فمثلاً أي دولة تريد وقف الزحف الثقافي الذي لا ترغب به ، يجب عليها أن تركز عل رفع قيمتها الثقافية ( بدلاً من القمع ) … وذلك لموازنة ما يدخل عبر الإنترنت لأن الانترنيت يقدم مثلاً أعلى سوية من أية طريقة نقل معلومات ، أو أية محاورات في ساحة المعارضة السياسية لأي قطر من أقطار العالم ، ولذلك على البلدان النامية أن تهتم أكثر بالتعليم  بدلاً من القمع ، فالسكان المتعلمون جيداً وذوي القدرات الأعلى تطوراً وذوي الفكر النقدي ، أقل انقياداً من الجهلة للزحف الثقافي الذي تخافه  حكومات الشرق !! فالرقابة على النخبة أصعب من تطوير روح الانفتاح والمشاركة لدى النخبة ، حتى تصبح النخبة وسائل قيمة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في مجتمع  المعرفة ، وبذلك يكون الانترنيت جزءً من التطوير الاجتماعي الهائل فالتطور والتغير في طبيعته تطور وتغير في المعلومات والعقلية والنظر إلى العالم  ، قمع الانتقال الحر للمعلومات هو قطع لثمرة قبل نضجها أو قطع زر الورد قبل تفتحه …

فالانترنيت هو البنية التحتية لمستقبلنا الرقمي ومن تقبل هذا المستقبل سيربح كل شيء ، أما الذين يحاولون قمعه  فسيعانون من نتائج خوفهم وبؤسهم  ….

تستدعي الحاجة لتطوير الديمقراطية للانترنيت بكمونه العظيم الهائل لرفع سوية المساواة والتنمية الاجتماعية المستدامة في العالم النامي ، حيث يقدم الانترنيت ساحة عامة للحوار وشفافية عظمى ومحاسبة نيابة عن القادة المنتخبين من قبل الشعب .

ويدعم الانترنيت أساس الديمقراطية الحقة التي تسبق النمو الاقتصادي ، فالاقتصاد القائم على المعلوماتية الجديدة يحتاج لانفتاح أكثر ولأنظمة سياسية أكثر شفافية والتي تحتاج لانتقال حر للمعلومات  فإذا فكرنا بذلك فمن العدل أن نستعمل الإنترنت كظاهرة للنخبة في أي قطر من أقطار العالم حيث يتوفر الانترنيت لأغلب الناس في العالم المتقدم  ويزداد توفره لأغلب الناس في التاريخ المعاصر ، فالدعوة للديمقراطية لا تأتي من أعضاء المجتمع المدني في بعض المدن ولكنها دعوة من الطبقة الوسطى  ولا نستطيع القول أن الفقراء بغنى عنها ولا يستعملونها فهم يقضون وقتاً أطول للصراع من أجل البقاء ولكن الطبقة الوسطى بوضع أحسن للنضال من أجل الديمقراطية لذلك يزداد استعمالها للانترنيت وتوظيفه في سبيل الديمقراطية الحقة ولتقليل الفوارق المعرفية بين الناس في العالم المتقدم والعالم النامي ومع تزايد عدد مستعملي الإنترنت بمعدل متسارع فالرقمية قد قسمت عالم الشمال عن عالم الجنوب الذي بقي جامداً بشكل أو بآخر …

فالاتصال داخل المجتمع وعبر المجتمعات بالانترنيت من المصادر المتاحة الواجب استعمالها والاستفادة منها ويجب أن يشجعها الساسة، والحكومات التي تستعمل الانترنيت لها حظ أو فر بالمشاركة في فوائد الاقتصاد المبني على المعلوماتية العالمية (مجتمع المعرفة) مقارنة بالحكومات التي تخاف من الانتقال الحر للمعلومات والتي سيزداد تخلفها مع  الزمن كما يحدث في الأنظمة السبعة المتبقية على قيد الحياة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي .

10-مراجع حول حرية القول :

يقدم الانترنيت ساحة عامة للحوار وللمعارضة السياسية ويمكن الاتصال بالعناوين التالية عند اللزوم :

10-1-افتتحت اليونسكو إضافة لأشياء أخرى، يوم حرية النشر العالمي بتاريخ 3 أيار من كل عام وجائزة حرية النشر العالمي والعنوان على الانترنيت هوWWW.UNESCO.ORG .

10-2-مؤسسة النشر العالمية IPI  هي شبكة عالمية للصحفيين وتقدم الحوافز والروابط الجيدة بين الكتاب ودور النشــر وعنوانها على الانترنيت : MEDIA.AT WWW.FREE   .

10-3-ساحة الحوار للحريات وهي  مؤسسة أُنشئت علم 1991 ولها برنامج ومؤتمرات وندوات ومنح لمنظمات وعنوانها على الانترنيت :DOM FORUM.ORG  WWW.FREE  .

10-4-مؤسسة النشر الأمريكية الداخلية وترشد لحرية النشر بين آلا سكا وباتاغوانيا وعنوانها على الانترنيت :WWW.SIPIAPA.ORG    .

10-5- المنظمة الدولية للعفوAmnesty  عبر العالم لحملة حقوق الإنسان ودعم حالة السجناء السياسيين على العنوان التالي : WWW.AMNESTY.ORG 

10-6- لجنة منظمة الكتاب P.E.N  لمساعدة الكتاب  في السجن أو  المنفى على العنوان التالي :

  WORLD.ORG/INTERNAT PEN  WWW.ONE

10-7- مراسلين بدون حدود : أسست في فرانكفورت عام 1985 لدعم حالة الصحفيين والنخبة المستقلة تحت القمع والتهديد على العنوان :WWW.RSF.FR    .

10-8-IFEX  في ترنتو وهي منظمة كندية لرفع سوية التعاون بين المنظمات المدافعة عن حرية التعبير وأسست علم 1992 على العنوان :WWW.IFEX.ORG   .

10-9- والعناوين التالية :  BUERGERUNG.DE  WWW.EIN  ، WWW.IWR.DE  ، WWW.G-DE  ، WWW.ZUKUNFTSNET.DE  ، WWW.DEUTSCHLANDTOURISTIK.DE ،WWW.AUSWAERTIGESAMT.DE  ، WWW.BUNDESREGIERUNG.DE ، HCO.HAGEN.DE / MUSSEN.HTM  ،   WWW.AHL.DE  ، WWW.GTZ.DE  ، WWW.DAAD.DE  ، WWW.GOETH.DE ، WWW.SCHLAND.DE  ، WWW.DWELLE.DE  ……..

المراجع

1-المجلة الألمانية Deutschland  سياسية  ثقافية علمية وأعمال :D20017F.NO1/2000 FEB/MARCH E7

2-DR: Antje Vollmer  نائبة رئيس مجلس البرلمان الألماني 1994 – مقالة منشورة للجنة حقوق الإنسان بجنيف عام 2000 . والمجلة الألمانية ص 43 .

3-Mia Doornaert  رئيسة مجموعة الإشراف على حرية النشر في اليونسكو– مقالة منشورة في صحيفة برسل ، DESTANDAARD  عام 2000 والمجلة الألمانية ص 47 .

4-Freimut Duve  منظمة الأمن والتعاون الأوربي – فينا وعضو البرلمان الألماني – المجلة الألمانية ص 51 .

5-مقابلة صحفية مع a.ari faj  رئيس تحرير صحيفة koha – Ditore  بكوسوفووB.Luzha  رئيس تحرير صحيفة Rilindja  والمجلة الألمانية ص 52 .

6-Prof. Dr: Gernot Rotter مختص بدراسات الشرق الأوسط والدراسات الشرقية بجامعة Hamburg  قسم التاريخ وثقافة الشرق الأدنى – المجلة الألمانية ص 54 .

7-جانيت سكابين في الانترنيت على العنوان WWW.INITIATIVED2/.DE  أو WWW.BUNDESREGIERUNG.DE  

8-مقابلة الصحفية في المجلة الألمانية ص 56 مع هيرمن مين ( خبير علون النخبة ) قام بها بيتر هنتردير وميشيل زيبف .

9-عنوان على الانترنيت : WWW.PRESSRAT.DE  .

10-جانيت سكابين – مقابلة أجرتها مع السكرتير العام لمركز P.E.N  السيد جوهانو ستراسير في المجلة الألمانية ص60 .

11-بأو لا يومونين – جامعة ستوكهولم – المجلة الألمانية ص 65 .

الفهرس

حرية القول  ( حق القول ) : :أ.د. شبلي الشامي ( ترجمات وتجميع وإعادة صياغة )

لا حرية بدون حرية التعبير عن الرأي وحرية النشر .

قدرة النقد وحرية القول .

حرية النشر حق إنساني كما هو حرية القول حق إنساني .

حرية النشر أساس للتعددية والاستقرار .

حرية القول والحضارة – حوار بين الثقافات .

الطريق الطويل لحرية النشر من الرقابة إلى حرية التعبير وإبداء الرأي .

المعلومات الهائلة هي المعركة الأساسية اليومية .

بقوة الكلمة .

شبكة عمل الدعم الديمقراطية هي شبكة الانترنيت وحرية تبادل المعلومات .

مراجع حول حرية  القول .

المراجع .

الفهرس .

الإصلاح السياسي: معناه وحدوده*

                                              أ. د. يوسف سلامة**

   ما من شك في أن أي مشروع للإصلاح ينبغي أن يأخذ في اعتباره أولاً وقبل كل شيء المهام الأساسية التي تتعلق بالمصير المشترك للوطن والمواطنين في الوطن الصغير (سورية)، وبالمصالح العليا للأمة وبمجمل التحديات التي تشكل الركيزة الأساسية التي يتعين لأي تفكير جدي في الإصلاح السياسي أن تكون في مقدمة اهتماماته.

   ونرى أن كل إصلاح سياسي في سورية يتعين عليه أن يتخذ من القضية الفلسطينية وتحرير مجمل الأراضي العربية المحتلة نقطة مركزية في تفكيره ذات أولوية مطلقة من ناحية، ومن ناحية أخرى ينبغي أن يستهدف الإصلاح السياسي إعادة صياغة شكل الحياة السياسية وإنتاج كل ما من شأنه أن يضمن لكل مواطن حقاً متساوياً في تشكيل مستقبل الوطن وفي تحقيق حرية المواطن السياسية الفردية والحزبية دون أن يكون المواطن أو أي مجموعة من المواطنين مستثناة من الحق في الحدود التي يتحقق عليها إجماع أكثرية المواطنين اجماعاً ديمقراطياً حقيقياً بعيداً عن كل إكراه، ودون أن يكون من حق أي فرد أو جماعة – سواء كانت معتقداتها منسوبة إلى السماء أو الأرض – أن تتعلل بأن معتقداتها تشكل إرادة مطلقة واقعة فوق كل الارادات الأمر الذي تستند إليه في تبرير استبدادها بمصير الوطن والمواطنين. وعل ذلك فإن كل طرف لا يؤمن بأن المواطن هو الذي يقرر شكل الحكم وينتخب الحاكم هو طرف غير مؤهل لأن يكون شريكاً في العملية الديمقراطية. وهذا يعني أنه يتعين على كل من يريد أن يكون طرفاً في العملية السياسية وفي الممارسة الديمقراطية أن يصوغ أفكاره بلغة البشر ولا ينسب إليها بحال من الأحوال سلطاناً فوق سلطان البشر.

   ومما لا ينبغي أن يغرب عن البال أن توزيع الثروة في المجتمع هو انعكاس لتوزيع السلطة فيه، ومن ثم كان الإصلاح الاقتصادي أمراً بالغ الأهمية، غير أنه لا يتأتى لهذا الإصلاح أن يكون حقيقياً وجذرياً ما لم يكن مستنداً إلى الإصلاح السياسي.

   وعلى ذلك فالبدء بالإصلاح الاقتصادي أمر مفهوم ما دامت التصورات الأساسية التي سيبنى عليها الإصلاح السياسي موضع بحث ونقاش. على أن الإصلاح الاقتصادي سيظل ناقصاً ومحدود الفاعلية لأنه سيكون مستنداً إلى أفكاراً عامة وغامضة ينقصها التحديد والتأطير السياسي اللازم. ومع ذلك فلا ينبغي تأجيل الإصلاحات الاقتصادية مهما كانت محدودة وجعلها مشروطة بوضع خطة شاملة للإصلاح السياسي.

   لقد كانت السياسة السورية في العقود الثلاثة الأخيرة تشكو من تناقض حاد بين سلامة التوجهات الخارجية المتمثلة في الإصرار على استعادة الحقوق العربية كاملة بحسب قرارات الشرعية الدولية وعلى رأسها الحقوق العربية والفلسطينية، وفي تحويل لبنان إلى رقم أساسي في معادلة الصراع العربي الإسرائيلي وفي دعم المقاومة في جنوب لبنان وفي جعل سورية في النهاية عنصراً حاسماً في الاستراتيجيات الإقليمية والدولية المتعلقة بالصراع العربي الإسرائيلي وبغيره من الصراعات والنزاعات الأقل أهمية التي تجري في منطقة الخليج. وينبغي أن ينظر المرء بارتياح إلى التوجه السوري الأخير نحو إعادة صياغة السياسة السورية اتجاه العراق ومساندة سورية لرفع نظام العقوبات الجائر على الشعب العراقي الشقيق.

   تلك نجاحات لا شك فيها على مدى العقود الثلاثة السابقة. غير أن هذه النجاحات على المستوى الخارجي قد رافقتها بعض الإخفاقات المؤكدة على الصعيد الداخلي. فقد ظهر ميل قوي إلى ممارسة السلطة إلى إخضاع المواطنين لنوع من الإفقار المنظم والمنهجي انتهى بانتشار هائل للفساد والمحسوبية وللرشوة في مؤسسات الدولة وفي الحياة الاجتماعية والسياسية للمواطنين. كما اقترن هذا الإفقار المنظم على المستوى الاقتصادي بحرمان متزايد للمواطنين من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية وفي المشاركة في اتخاذ أهم القرارات التي تتعلق بحياة الفرد والجماعة بل وبمستقبل الوطن ذاته. وهكذا أصبحت الحاجة ماسة اليوم على المستوى الداخلي للإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي في وقت واحد بقصد الارتقاء بالسياسة الداخلية إلى مستوى النجاحات التي حققتها السياسة الخارجية على مدى العقود السابقة.

   ومن أجل تحقيق ذلك ينبغي الإشارة إلى أن خطاب القسم الذي ألقاه السيد رئيس الجمهورية أمام مجلس الشعب يشكل قاعدة يمكن الانطلاق منها للارتقاء بالسياسة الداخلية – سياسياً واقتصادياً إلى مستوى السياسة الخارجية. فهذا الخطاب ينطوي على كثير من الأسس الضرورية التي يؤدي احترامها وتطبيقها وجعلها سارية في الحياة السورية إلى إنتاج حياة سياسية ودستورية حقيقية وممارسة ديمقراطية وطنية تسمح بتعددية حقيقية وتحافظ في الوقت نفسه على الكلية الاجتماعية للوطن بعيدة عن كل سوء وعن كل الأخطار التي تود كثير من القوى الخارجية أن تعرَض سورية لها. وينبغي في هذا الإطار الكف عن التحدث عن الفتنة وما شاكلها من المصطلحات، لأن سورية محصنة بوعي مواطنيها وبرقيهم الحضاري الذي يكفل لهم أن يكونوا في مستوى الوعي الوطني المنتج للوحدة وبعيدين- في غالبيتهم- عن كل أشكال الوعي السابقة على الكلية الاجتماعية للدولة والمجتمع من ضروب الوعي الزائف التي ينبغي عدم إبرازها لأنه لا وجود لها في الحياة السورية أصلاً. وعلى ذلك فبرنامج الإصلاح السياسي الذي يمكن أن يفكر فيه المرء في هذه اللحظة لابد له أن يكون على ارتباط بخطاب القسم، بحيث يكون الهدف النهائي إنتاج جملة الشروط والظروف التي تسمح بترجمة العناصر الفاعلة في هذا الخطاب إلى حيز الوجود الفعلي والممارسة السياسية الفعلية للمواطنين كل المواطنين بحيث يشترك الجميع في صنع مستقبل هذا الوطن وفي الدفاع عنه وفي اقتسام خيراته بأقصى قدر ممكن من العدالة.

   ولو عدنا إلى تطور الحياة السياسية في سورية ابتداء من حركة الثامن من آذار عام 1963 م إلى يومنا هذا، لوجدنا أن كلمة (الثورة) لم تستخدم إلا في جملة البيانات التي أصدرها الجيش عن قيامه بتلك الحركة يومئذ أولاً، وفي جملة الإشارات والاحتفالات التي ارتبطت بهذه الحركة ثانياً. وهذا يعني أن حزب البعث العربي الاشتراكي والجيش العربي السوري قد احتفظا بمصطلح (الثورة) لهذه الحركة حصراً، في حين أنه قد أشير إلى كل التحركات والتغييرات والتطورات اللاحقة بمصطلحات مختلفة جداً ضمنت جعل مصطلح (الثورة) مقصوراً على وصف حركة الثامن من آذار.

   ولعل مصطلح (التصحيح) هو المصطلح الذي هيمن على الحياة السياسية السورية خلال العقود الثلاثة الأخيرة باعتباره يشير إلى جملة الإجراءات التي اتخذت لتصحيح أوجه الخلل والقصور الإيديولوجي والسياسي والاقتصادي في ممارسة الحزب والثورة ابتداء من عام 1963م وحتى نهاية عام 1970م تقريباً. وخلال هذه المسيرة الطويلة كانت الحاجة تتزايد إلى اتخاذ إجراءات تسمح بتصحيح التصحيح نفسه. وعند حد معين بدا للجميع أن التصحيح قد وصل إلى نهايته وأنه قد استنفد أغراضه تماماً، وأن الحاجة قد أصبحت ماسة تماماً للانتقال إلى مرحلة واقعة فيما وراء التصحيح غير قادر على الوفاء بمتطلبات المرحلة الجديدة لحياة سورية والسوريين.

   وقد جاء خطاب القسم ليؤكد هذه الحقيقة ويعلن عن تدشين مرحلة جديدة في الحياة السورية هي مرحلة (الإصلاح) الذي ما تزال الدولة والحزب يفضلان البدء بما يسميانه بـ (الإصلاح الاقتصادي) والذي يُجمع السوريون كافة على أهميته، ولكنهم-في غالبيتهم- يتطلعون إلى المرحلة التي يتم فيها الالتفاف إلى (الإصلاح السياسي) بصورة جدية. فبذلك فقط ستتكامل حلقات بناء الوطن: ديمقراطية سياسية للجميع، ومواطنة هي المعيار الأوحد للفعل السياسي والاجتماعي، وعدالة اقتصادية تكون نوعاً من الترجمة لإعادة توزيع السلطة في المجتمع. فملكية المواطن محددة في التحليل الأخير بالقدر الذي يمتلكه من الحق في توجيه القرار السياسي داخل المؤسسات التشريعية والتنفيذية التي يحقق المواطنون من خلالها إرادتهم المنشئة للحق داخل هذه المؤسسات.

   ونحن إذ نقبل مصطلح (الإصلاح) قبولاً غير مشروط في هذه الآونة، فإننا ننبه إلى أن البنية السياسية القائمة قادرة على أن يتم (الإصلاح) في إطارها، وأنها قادرة على أن تدفع بذاتها قدماً بحيث يتم الإصلاح من داخلها، مع الاعتراف بالأهمية القصوى لأخذ آراء المواطنين من المثقفين والمشتغلين بالسياسة بعين الاعتبار. وإذاً فالبنية السياسية القائمة والممسكة بزمام الأمر عليها أن تتمتع بهذا الوعي الذاتي الذي تستطيع بمقتضاه أن ترتقي بنفسها إلى المستوى الذي تمليه عليه الحقائق الموضوعية المتمثلة في المطالب المشروعة للمواطنين في حق المشاركة في اتخاذ أهم القرارات التي تمس حاضر الوطن ومستقبله من خلال ما يمكن أن يستحدث من المؤسسات الدستورية التي تعبر تعبيراً حقيقياً عن حاجات المواطنين وتطلعاتهم السياسية والاقتصادية في الداخل، وحاجتهم إلى الأمن على المستوى الخارجي، وفي هذا الإطار نعتقد أن (الإصلاح) هو المرحلة الأخيرة التي ستضمن للمجتمع العربي السوري أن يحقق نقلة كيفية أو نوعية وسلمية في آن معاً من الواحدية إلى التعددية، ومن الحزبية إلى المواطنة، ومن الدستور الذي يضمن لحزب واحد الانفراد بأمر الوطن والمواطنين إلى حياة سياسية حقيقية يشترك الجميع في صياغتها وفي إقامة أهم المؤسسات الدستورية والقانونية التي تتخذ من إرادة المواطن أساساً وحيداً لشرعيتها، ومن نزاهة الممارسة وشفافيتها أسلوباً لها في العمل، ومن تحقيق المصلحة العامة غاية وحيدة لها في مقابل ما بدا في كثير من الأحيان أنه تغليب للمصلحة الخاصة على المصلحة العامة أو المصلحة الحزبية على المصلحة الكلية للمجتمع والدولة.

   فما السبيل إلى الاقتراب من تحقيق هذه الأهداف أو بعض من هذه الأهداف على الأقل من خلال ما اصطلح السوريون اليوم على تسميته بـ (الإصلاح السياسي)؟

   ويبدو لنا أن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون ممكنة إلا إذا أعدنا إلى فحص الدستور السوري فحصاً نقدياً، لكي نتبين ما ينبغي فعله من أجل الارتقاء بنصوص هذا الدستور إلى مستوى خطاب القسم الذي ضمن للمواطنين السوريين حقهم في التعبير الحر والتعددية السياسية والشفافية في الممارسة السياسية والاقتصادية. وعلى ذلك فمراجعة بعض المواد- وخاصة المواد الفاعلة- في هذا الدستور هو ما سيسمح لنا بصياغة مشروع أولي قابل للمراجعة والحوار والنقد والتطوير هو بمثابة مسودة أولية للإصلاح السياسي تنتظر المناقشة والاغناء والتعديل، وكحل ما من شأنه أن يضمن للإصلاح السياسي أن يتقدم به نحو أهدافه الحقيقية التي لا تخرج عن الرغبة في بناء وطن أفضل وأمثل إن أمكن.

   ولو أننا عدنا إلى الدستور السوري في مواده التفصيلية، لوجدنا أن هناك تناقضاً في تصور الحق الذي يستند إليه هذا الدستور أو في بنيته التصورية والمفاهيمية والقانونية التي تستهدف تنظيم الحياة على نحو يضمن درجة من درجات المساواة والعدالة أو التوازن بين حق الدولة على المواطن وواجباتها نحوه من ناحية، وبين حقوق المواطن على الدولة وواجباته نحوها ناحية أخرى. فالفقرة الأولى من المادة الأولى من الدستور السوري تقرر أن الجمهورية العربية السورية دولة ديمقراطية شعبية واشتراكية ذات سيادة … الخ.

وواضح أن العنصرين الفاعلين من الناحية القانونية من هذه المادة هما وصف الجمهورية العربية السورية بأنها ديمقراطية وشعبية. وكما هو بين فإن المادة ذاتها لا تنطوي على تعريف لهذين المصطلحين السياسيين، بل إن المادة تتركهما مطلقين، وإن كانت المادة الثامنة من الدستور هي التي ستضطلع بشرحهما وخلع التعيينات اللازمة على مضمونهما في الممارسة الفعلية للحكم والسلطة.

   وإذا ما نظرنا في (الديمقراطية الشعبية) من الناحية التاريخية، لما أمكن لنا أن نفهمها إلا بالإشارة إلى التجربة السوفيتية ومنظومة الدول الاشتراكية التي ارتبطت بالاتحاد السوفيتي وأسلوبها في الحكم. فالديمقراطية الشعبية كما تحققت تاريخياً ليست أكثر ولا أقل من إبعاد مطلق أو شبه مطلق لغالبية المواطنين وحرمانهم من حق المشاركة في اتخاذ أهم القرارات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تتعلق بمصير الوطن والمواطنين، وانفراد مجموعة محدودة من المتنفذين تطلق على نفسها اسم (حزب البروليتاريا) في تقرير أهم المسائل التي تتعلق بإرادة الدولة والمجتمع. وقد تعلمنا من التجربة التاريخية أن مجموعات محدودة من هذا الحزب بالتحالف مع البنية العسكرية والأمنية قد سيطرت على المجتمع وحاولت أن تصوغه على النحو الذي يتفق ومصالحها، بينما كان المتوقع منها أن تكون مجرد وسيلة تنخرط في التحقيق النزيه والمخلص لأهداف الأكثرية الشعبية التي تدعي تمثيلها. وهكذا فإن (الديمقراطية الشعبية) قد تجلت باعتبارها النظام الدكتاتوري بامتياز مما أدى في نهاية المطاف إلى انهيار هذه الدكتاتوريات بسبب التناقض العميق الذي برز بقوة ولفترة طويلة بين تصورات هذه الأقلية المتسلطة ومصالحها وبين تصورات أكثرية المواطنين ومصالحهم المتعلقة بإرادة الدولة والمجتمع. وهكذا تجمعت عوامل كثيرة، كان التناقض المذكور من أهمها، فأدت مجتمعة إلى سقوط هذه الطريقة في التفكير السياسي وفي الممارسة الفعلية للسلطة والحكم.

   ومن البين أن الفقرة الأولى من المادة الأولى من الدستور السوري مستعارة من دساتير المنظومة الاشتراكية ممارسة ونظراً، وإن كانت الأحزاب الشيوعية التي انفردت بالسلطة في تلك البلدان قد حل محلها في الدستور السوري حزب قومي اشتراكي. وهذا ما تبينه المادة الثامنة من الدستور السوري بوضوح.

   أما المادة الثامنة من الدستور السوري فتقرر أن: “حزب البعث العربي الاشتراكي هو الحزب القائد في المجتمع والدولة ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل على توحيد طاقات جماهير الشعب ووضعها في خدمة أهداف الأمة العربية”.

   وواضح من نص هذه المادة أن يتم ههنا وضع (الديمقراطية الشعبية) موضع التنفيذ، أي أن (حزب البعث العربي الاشتراكي) هو الذي ينفرد بقيادة الدولة والمجتمع من دون أن يكون للمواطنين الذين لا ينتسبون إلى هذا الحزب الحق الدستوري على المستوى النظري في المشاركة في تشكيل حياة المجتمع والدولة. ولكن المادة نفسها قد ضمت إلى جانب (حزب البعث) جبهة تقدمية متحالفة معه كان من المفترض بها أن تلعب دوراً موازناً ومعادلاً لانفراد الحزب بقيادة المجتمع والدولة. ولو أننا عدنا إلى التاريخ السياسي الفعلي لسورية، لوجدنا أن الجبهة كانت وما تزال زائدة يمكن بترها في أي لحظة من غير أن يترتب على ذلك أي أثر في حياة الفرد والدولة. إذ لم تستطع الجبهة منذ أول يوم من حياتها أن تلعب أي دور في حياة المواطن والدولة، بل هي قد اكتفت بأن تكون مرددة لسياسات الحزب من خلال أشخاص غير حزبيين. وظل (حزب البعث العربي الاشتراكي) هو الترجمة الفعلية لما تنطوي عليه المادة الأولى في الدستور السوري بأن نظام الحكم في سورية ديمقراطي شعبي. ولا يخفى على أحد أن المادة الأولى والثامنة من الدستور قد اضطلعتا بوضع الأساس الحقوقي لحرمان غالبية الشعب من حقهم في المشاركة في صياغة حاضر الوطن ومستقبله، ولانفراد حزب واحد بالسلطة من دون المجتمع، فغابت الرقابة وضعفت المحاسبة وانتشر الفساد في البلاد والعباد، بسبب عدم وجود أجهزة رقابة فعالة تضطلع بالمساءلة وإيقاع النواب والعقاب.

   وهكذا يتبين لنا أن أول شروط (الإصلاح السياسي) ينبغي أن يتناول هاتين المادتين بالدراسة العميقة والنظر المدقق، لأنهما لم تعودا عصريتين ولأنهما أصبحتا مناقضتين ومتناقضتين مع كل رؤية حداثية تستهدف النهوض بالوطن ولحاقه بشروط الحياة العصرية وبخضوعه لقوانين الحياة التي تخضع لها كل الكائنات المتطورة من الناحية التاريخية والحيوية. وكل ذلك يشير إلى ضرورة إعادة النظر في هاتين المادتين إعادة جذرية إلى الحد الذي يستدعي حذفهما أو تعديلهما تعديلاً جذرياً والأسباب الموجبة لهذا الأمر أكثر من أن تحصى.

   وعلى هذا الأساس النظري الذي يضمن شكلاً من أشكال الاستبداد لحكم الحزب الواحد يقدم الدستور السوري المادة التاسعة والفقرة الأولى من المادة الثالثة عشرة كي تنهضا بمهمة التطبيق الفعلي في الحياة العامة كما تنطوي عليه المادتان الأولى والثامنة.وإذا ما عدنا إلى المادة التاسعة من الدستور السوري، لوجدناها تقرر أن: “المنظمات الشعبية والجمعيات التعاونية تنظيمات تضم قوى الشعب العاملة من أجل تطوير المجتمع وتحقيق مصالح أفرادها”. غير أن هذه المادة لا يتضح تأثيرها إلا بالتكامل مع الفقرة الأولى من المادة الثالثة عشرة والتي تذهب إلى أن: “الاقتصاد في الدولة اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال”. ومن البين ههنا أن الديمقراطية الشعبية التي تجسدت في حكم الحزب الواحد تجد لها ههنا تجسيدين آخرين على درجة كبيرة من الأهمية هما استيلاء الحزب على الاقتصاد والانفراد به بقصد تحقيق مفهومه عن الديمقراطية الشعبية، فتضاف بذلك القوة السياسية إلى القاعدة الاقتصادية فتكتمل بذلك حلقات الهيمنة التي ستترجم عن نفسها بصورة نهائية- من خلال ما تقرره المادة التاسعة من الدستور من أن المنظمات الشعبية والجمعيات التعاونية هي الأطر التنظيمية الوحيدة التي يعترف بها الدستور باعتبارها تنظيمات تضم قوى الشعب العاملة التي لا يمكن تطوير المجتمع وتحقيق مصالح أفراده إلا بالاستناد إليها وحدها. ولما كانت هذه التنظيمات هي جزء من الأجهزة الحزبية فقد استكملت المادة الأولى والثامنة من الدستور تجسيدهما القانوني في الهيمنة على الاقتصاد وفي إنتاج بنية تنظيمية يطلق عليها الدستور اسم (التنظيمات الشعبية) هي البنية الوحيدة التي تحظى بالاعتراف القانوني، مما يعني أن كل ما عداها من أطر وتنظيمات هي أطر وتنظيمات غير دستورية ولا قانونية.

   وهكذا استكملت حلقات الهيمنة بصورة تامة. ولئن أمكن لامرئ أن يتخيل أن هذه التصورات وتلك الأوضاع قد كانت ممكنة، فيما مضى، فمما يتناقض والعقل تناقضاً عميقاً في هذه الأيام أن يسمح امرؤ لنفسه إمكان الدفاع عن مثل هذه البنى القانونية والأوضاع السياسية والاجتماعية. وينبغي أن يكون واضحاً أن (الإصلاح) ينطوي على ضرورة إعادة النظر في كل ذلك، من غير أن يعني بأنه لابد لهذه (الإصلاحات) من أن تأخذ طريقها إلى النور غداً أو بعد غد. إن ظروف البلاد والتحديات التي تواجهها هي جزء لا يتجزأ من مجموعة الشروط التي ستحدد سرعة (الإصلاحات) أو بطئها، والدرجة التي ستمضي إليها هذه (الإصلاحات) أيضاً.

   تلكم هي الأسس النظرية والتصورات الحقوقية الأساسية التي يستند إليها الدستور السوري في قيامه، وهي بمجملها تصورات تنتهي إلى تأكيد سلطة (الديمقراطية الشعبية) متمثلة في حكم الحزب الواحد، الذي يمسك بمقاليد السلطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية.

   ولكننا في مقابل ذلك نجد في الدستور السوري موادً أخرى مناقضة للمواد الأربع السابقة بحيث نجد أنفسنا إزاء تناقض دستوري بين مواد الدستور نفسه. فبينما نجد المواد الأربع التي أشرنا إليها تنتهي إلى فرض هيمنة الحزب الواحد في كل مجالات الحياة تقريباً، نجد مواد أخرى تضمن للفرد والمواطن حقوقاً جوهرية يمكن له أن يتمتع بها بقوة الدستور نفسه. غير أن هذه المواد تفقد فاعليتها عندما توضع في مقابل المواد الأولى المشار إليها، وذلك لأنها مواد منشئة للحق، في حين أن المواد التي تضمن للمواطن بعض الحقوق في أشكال من الحريات لا يمكن وصفها بأنها مواد منشئة للحق بل هي مواد ينبغي أن تستمد شرعيتها من المواد الأربع الأولى التي أشرنا إليها، لأننا لو اعتبرنا أن المواد التي تضمن للمواطن السوري ممارسة حريته في صورها المختلفة مواد منشئة للحق لتعين علينا أن نعيد النظر في فاعلية المواد الأربع الأولى. غير أن هذا التناقض لا وجود له في الحقيقة إلا في الذهن، لأن الممارسة السياسية الفعلية عبر ثلاثة عقود قد بينت أن الأولوية قد كانت دوماً للمواد الأربع الأولى المشار إليها، فهي ركيزة الدستور السوري وقاعدته النظرية التي تستند إليها سائر المواد الأخرى.

   ولو أننا توقفنا عند الفقرة الأولى من المادة الخامسة والعشرين من الدستور السوري، لوجدناها تقرر أن: “الحرية حق مقدس وتكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم”. أما المادة السادسة والعشرون فتقرر أن: “لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وينظم القانون ذلك”. وأما المادة السابعة والعشرون، فتنص صراحة على ما يلي: “يمارس المواطنون حقوقهم ويتمتعون بحرياتهم وفقاً للقانون”. أما المادة الثامنة والثلاثون، فتذهب إلى أن: “لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة وكافة وسائل التعبير الأخرى وأن يسهم في الرقابة والنقد والبناء بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي وتكفل الدولة حرية الصحافة والطباعة والنشر وفقاً للقانون”. وأما المادة التاسعة والثلاثون فتمضي إلى القول بأن: “للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلمياً في إطار مبادئ الدستور وينظم القانون ممارسة هذا الحق”. وتمضي الفقرة الخامسة من المادة التاسعة والأربعين إلى أن: “تمنح للتنظيمات الجماهيرية حق الرقابة الشعبية على أجهزة الحكم”.

   وأما المادة السابعة والخمسون بفقراتها الثلاث، فتكفل حقوق الناخبين والمرشحين من أي جيف أو عبث يمكن أن تتعرض له العملية الانتخابية إذ تقرر: يجب أن يتضمن قانون الانتخاب نصوصاً تكفل: (1)-حرية الناخبين بانتقاء ممثليهم وسلامة الانتخاب. (2)-حق المرشحين في مراقبة العمليات الانتخابية. (3)-عقاب العابثين بإرادة الناخبين”.

   ومن الواضح أن المواد السبع الأخيرة تكفل حقوقاً لا لبس فيها بالنسبة لكل المواطنين في الحرية السياسية وحرية التعبير سواء في الاجتماعات أو التظاهرات السلمية أو حتى إصدار الصحف الحرة وأخيراً من خلال نص الدستور على ضرورة أن يكون قانون الانتخابات محققاً لكل شروط النزاهة التي تقتضيها ديمقراطية الترشيح وديمقراطية الانتخاب على حد سواء. غير أن هذه المواد معطلة في الحقيقة بسبب التناقض القائم بينها وبين المواد الأربع الأولى التي تحدثنا عنها في مطلع هذا البحث.

   كما أن هذه المواد السبع الأخيرة التي تكفل هذا القدر الكبير من الحرية للمواطن لا تتناقض مع المواد الأربع الأولى فقط، بل هي تتناقض أيضاً مع مواد متعددة تأتي لاحقاً في الدستور. وعلى سبيل المثال، فإن المادة الرابعة والثمانين في فقرتها الأولى من الدستور السوري تنص على أنه: “يصدر الترشيح لمنصب رئاسة الجمهورية من مجلس الشعب بناء على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي ويعرض الترشيح على المواطنين لاستفتائهم فيه”. ومن الواضح تماماً أن هذه المادة هي في الحقيقة تأكيد للمادة الثامنة التي تعطي (حزب البعث العربي الاشتراكي) حق الانفراد بقيادة الدولة والمجتمع.

   وفي ضوء ما تقدم، يبدو أن الإصلاح السياسي مرتبط بالإصلاح الدستوري، والإصلاح الدستوري متوقف على رفع التناقض الداخلي القائم بين مواد الدستور السوري الدائم.

فقوة الحق في هذا الدستور منقسمة بين مواد تعطي المواطن حريته في حدود الحرية المدنية المستندة إلى الحقوق الطبيعية للإنسان، وبين مواد تسلب هذه الحقوق تماماً عندما تسند الحق في اتخاذ أهم القرارات التي تتحكم بمصير الوطن والمواطن بمجموعة محدودة من أفراد المجتمع وتمنحهم حقاً دستورياً باحتكار السلطة في المجتمع والدولة.

   ويبدو أن المادة الأولى في الدستور السوري التي تنص على أن: “الجمهورية السورية دولة ديمقراطية شعبية … الخ”، هي المادة المنشئة للحق الذي يحصر حقوقاً أساسية ببعض قطاعات المجتمع، في حين أن المادة نفسها تحرم القطاعات الأوسع من المجتمع من الحق الدستوري في أن تكون لهم حقوقاً متساوية مع غيرهم. إذاَ، فالنقد الأساسي الذي يوجه إلى هذه القاعدة هو أنها تؤسس لعدم المساواة بين المواطنين في المجتمع والدولة، الأمر الذي يستتبع إعادة النظر في هذه المادة بصورة جدية.

   إن رفع هذه التناقضات من الدستور السوري الدائم هو واحدة من خطى الإصلاح السياسي التي نقرؤها في خطاب القسم الذي أدلى به السيد رئيس الجمهورية أمام مجلس الشعب بتاريخ 17/7/2000م، وعلينا أن نعترف بأنه ما كان لهذه الآراء والتحليلات التي جاءت في هذا البحث أن يتم الإدلاء بها علناً، وأن يدور الحوار حولها صراحة، لولا المناخ الديمقراطي الايجابي الذي نجم عن خطاب القسم المذكور.

المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي في سوريا*

د.رضوان زيادة**

يمثل المدخل التاريخي إغراء متعدد الجوانب بالنسبة للكثير من الباحثين الراغبين بقراءة المستقبل السياسي لبلدٍ كسوريا،أحد هذه الجوانب يكمن في أن سورية لم تكن أبداً معزولة عن جغرافيتها وتاريخها أو محيطها الجيوبوليتيكي، ووضعها الجغرافي غالباً ما كان يتحدد بسياقها التاريخي ، يضاف إلى ذلك أن تاريخ سوريا السياسي كان ثراً بالصراعات على مختلف وجوهها ، مما يفسح إمكانية للمستقبل في تكرار نماذج الصراعات السابقة ليس بصورة مستنسخة وإنما بآلية هي أقرب للتشابه والتماثل .

كان فرنان بروديل قد ميز بين طبقات تاريخية ثلاث ، تلازمها أزمنة أو وتائر زمنية ثلاث يمكن تحديدها كالتالي

المستوى الأول هو مستوى الأحداث أو ما يجري على السطح، وزمنه هو الزمن الفردي السريع الوتيرة ، إنه المستوى الخاص بالتاريخ التقليدي الذي ينتقل المؤرخ بين أحداثه على نحو ما ينتقل الصحافي من حدث إلى آخر ، فيظهر التاريخ إذ ذاك صاخباً بالتغير والألوان،من دون أن تظهر معاينه إلا إذا تبعه تناول المستويات الأخرى العميقة التي يجري الحدث في إطارها .

أما المستوى الثاني  فهو مستوى الظروف والتقلبات التي تطال حياة المجتمعات من دون أن يصل فعلها بصورة دائمة إلى بنى هذه المجتمعات العميقة .

ووحدات القياس الزمني في هذا المستوى لا تتجاوز بضع عشرات من السنين وذلك للكشف عن مراحل أو حقبات قصيرة(1)،أما المستوى الثالث فهو يتناول الطبقة التحتية من التاريخ،أي الوقائع التي تستمر حقباً طويلة الأمد ، وفي هذا المستوى يوسع التاريخ حقله وقياسه حتى أقصى الحدود ، فيظهر حركات وتراكمات استمرت قروناً ، وتبرز الأسس الصلبة التي يبنى عليها التاريخ في جملته ، وهذا التاريخ هو ما يسميه بروديل بـ “تاريخ الحقبات الطويلة الأمد” أو” تاريخ البنى”(2).

 ما أطمح إليه هو قراءة التاريخ السياسي السوري في ضوء مستوى الأحداث ومستوى الظروف والتقلبات معاً لنر سيناريوات أومآلات المستقبل المنظور على ضوء هذه المحددات المنهجية والتاريخية .

فإذا انطلقنا من لحظة حصول سوريا على استقلالها السياسي في 17 نيسان 1946 ورغبنا أن نقرأ التشكيلات السياسية التي أفرزتها التجربة السورية في تلك الفترة لوجب علينا لزاماً العودة بجذور هذه التشكلات إلى فترة الانتداب الفرنسي ، كفترة شهدت تأجج المخاض السياسي في سوريا والذي كان قد بدأ مع حكومة فيصل الأولى في دمشق بين عامي 1919و1920 ،فالكتلة الوطنية التي احتوت مجموعة من الوطنيين القدامى الذين خاضوا معركة النضال ضد الانتداب الفرنسي كانت قد عقدت مؤتمرها الوطني العام في عام 1927 بناءً على نداء هاشم الأتاسي بعقد مؤتمر وطني عام لإيجاد مخرج للقضية السورية بعد إعلان المفوض السامي (بونسو) بأن فرنسا تريد السماح بقانون دستوري وتفويض أمور الدولة إلى مسؤولين حكوميين محليين(3) ، ولبى السوريون النداء ،وعقد المؤتمر في 27 تشرين الأول 1927 وصدر عن المؤتمر بيان باسم الكتلة الوطنية يحتج فيه على سياسة الانتداب بتقييد الحريات وتجزئة سورية وتغذية الطائفية فيها وإهمالها للمصالح الاقتصادية للبلاد ، لقد كان هذا البيان بمثابة الإعلان عن ولادة الكتلة الوطنية(4) ، التي بقيت بدون مبادئ واضحة أو قانون يلزم أعضائها به أو حتى يبرز عدد هؤلاء الأعضاء ويظهرهم ، وفي 4 تشرين الثاني 1932 أقرت الكتلة الوطنية قانونها الأساسي الذي سيعلن عملياً بداية الحزب السياسي السوري ذي المطالب المحددة والواضحة ويكشف عن الوعي السياسي الذي رافق تلك الفترة التي ستترك آثاراً واضحة ليس على تاريخ الكتلة الوطنية فحسب وإنما على بقية الأحزاب السياسية الأخرى ، فيطالب القانون الأساسي في مادته الأولى بتحرير الأراضي السورية المنفصلة عن الدولة العثمانية من كل سلطة أجنبية وإيصالها إلى الاستقلال التام والسيادة الكاملة ، وجمع أراضيها المجزأة في دولة ذات حكومة واحدة ، على أن يبقى للبنان الحق في تقرير مصيره ضمن حدوده القديمة ثم العمل على تأليف المساعي لتأمين الاتحاد بين هذه الأقطار ولكن على شرط ألا يحول هذا السعي دون الأهداف الواجب بلوغها في كل قطر ، وتبدو هنا الرغبة القومية في تحقيق الوحدة العربية بارزة وجلية المعالم لكنها لا تلبث أن تغمض وتخفت عندما تقرر لكل قطر على حدة حقه في تقرير أهدافه التي يرغب في تحقيقها ، وهو نفس التناقض الذي سيحويه ميثاق جامعة الدول العربية لدى تأسيسها عندمايتعترف مسبقاً بالكيانات القطرية، رغم أن الفكر القومي كان منذ لحظة ولادته لا يعترف بالكيان القطري بل ولم يتعامل معه أبداً في أدبياته ، معتبراً باستمرار أن هذا الكيان هو حالة طارئة في طريق الزوال فليس هناك من داع للبحث في تحقيقاته وإمكانياته ، وهذا ما أسقط الفكر القومي في فخ طلب الحلم ومنعه من النظر إلى الواقع الراهن الذي بدون النظر إليه يبقى الفكر هائماً في سماء لا حدود لها .

فلحظة التعتر القومي ابتدأت إذاَ من لحظة ابتداء نشأة الحزب السياسي على ما رأينا في القانون الأساسي للكتلة الوطنية ، وإذا استمرينا في قراءة هذا القانون مستطلعين مادته الثالثة التي تنص على أنه من الواجب المحتم جمع قوى الأمة وتوجيه جهودها لتحقيق الآمال الوطنية ، ولذلك تعتبر الكتلة الوطنية أن تأليف الأحزاب السياسية مخالف لوحدة الجهود، وتعود المادة الأخيرة لتقطع الشك باليقين حين تنص على أنه لا يجوز مس أو تعديل مبادىء الكتلة الوطنية باعتبارها جوهرية في حياة الأمة وكيان الكتلة الوطنية .

 تظهر إذاً صورة الاحتكار السياسي ومنع التعددية على صيغة حفظ وحدة الأمة مستعيدة بذلك الأدبيات السلطانية القديمة في التخيير بين السلطان الجائر أو الفتنة الغشوم وتبقى الخيارات الأخرى مستبعدة تماماً ، لذلك يمكن اعتبار القانون الأساسي للكتلة الوطنية بمثابة الجنين في يومه الأول والذي سيولد بعد فترة نصف قرن تقريباً على أنه الحزب القائد للدولة والمجتمع .

من الخطأ التاريخي أن نحكم على واضعي القانون الأساسي للكتلة الوطنية بأنهم أغفلوا مسألة الديمقراطية ، لأن الديمقراطية نفسها لم تكن مطروحة بعد كآلية لتنظيم التوازن السياسي بين الأطراف المختلفة ، إلا أننا نستطيع أن نقرأ في القانون الأساسي بذور ترسيخ الفكر الأحادي ورفض الآخر المختلف مما يعني استفراد الذات بضع القرار ، وكل هذه الأمور تعني في النهاية تغييب الديمقراطية كمبدأ أساسي في صنع القرار التي تفترض التعدد والتشاور للوصول إلى الرأي الأقرب إلى الصواب .

بعد الكتلة الوطنية ستتكاثر الأحزاب السياسية بدءً من حزب الإصلاح وحزب الاتحاد الوطني وحزب الأمة الملكي والحزب الحر الدستوري وحزب الشعب الذي كان بقيادة أعيان حلب وعلى رأسهم رشدي الكيخيا وناظم القدسي ومصطفى برمدا ، لقد كان حزب الشعب يميل إلى توثيق العرى مع العراق من أجل إعادة حلب إلى مركزها الاقتصادي التقليدي وهذا ما أدخلها في تنافس مستمر مع الكتلة الوطنية التي تزعمها أعيان دمشق وعلى رأسهم جميل مردم بك وفارس الخوري ولطفي الحفار  لقد انحصر الصراع بين هذين الحزبين الرئيسين في الإمساك بزمام السلطة والتشبث بها لتوسيع مصالحهم ، وأما سلوكهم فما كان ليعدو سوى محاولة فض النزاع بتوافق الآراء وبالمساومة في حال مواجهتهم أية معارضة جادة في البرلمان أو في الشارع ، لكن هذه الفترة نفسها قد شهدت ولادة لأحزاب سياسة أخرى تبنت الخط العقائدي والأيديولوجي بدءً من الحزب القومي  السوري الاجتماعي الذي تأسس في بيروت عام 1932 على يد أنطون سعادة والذي رغب في فصل الأمة السورية عن الأمة العربية واعتبر أن القوة هي العامل الحاسم لتوكيد الحق الوطني  وهذا ما جعله يعتمد العنف والكفاح المسلح ضرورة من أجل التغيير(5) ، لذلك فالديمقراطية تمثل بالنسبة إليه ليس المجال اللا مفكر فيه وإنما المجال المستحيل التفكير فيه طالما أن الكفاح المسلح يصبح ضرورة فالديمقراطية عندها تصبح امتناعاً عن تحقيق المراد ، وفي نفس العام تقريباً سيولد الحزب الشيوعي بقيادة خالد بكداش الذي انفصل عام 1944 عن الحزب الشيوعي اللبناني ليشكل حزباً سورياً مستقلاً وليحافظ على علاقات وثيقة مع الحزب الشيوعي الفرنسي ويتبع فكرياً للأممية مما جعله يتجاوزالتناقضات الداخلية ليقرأها في سياقها الأممي وهذا ما حجب عنه قراءة التغيرات السياسية السورية وفق المنظور الداخلي المحض وسيتأسس فكره عملياً على السعي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية كهدف وشرط أساسي واعتبار الديمقراطية السياسية هي الوسيلة التي تستعملها الطبقة البورجوازية لفرض سيطرتها على الطبقات الكادحة ، ولذلك فهو يقف ضدها صراحة ، بل ويعتبر التدخل العسكري إنما يجسد مصالح الوطن والجماهير ، إذ يذكر خالد بكداش في كراس له عن ( سورية على الطريق الجديد )(6) في عام 1965 ” بأن هؤلاء الضباط لا يريدون جزاءً ولا شكوراً ولا يطمحون إلى امتيازات خاصة لقاء دفاعهم عن مصالح الوطن ومصالح جماهير الشعب ” أما حزب الإخوان المسلمون الذي حظي رسمياً بالتعامل معه على قدم المساواة مع الأحزاب الأخرى في أيلول 1946 فإن مطالبه بتطبيق الشريعة الإسلامية والعمل من أجل تحقيق الدولة الإسلامية جعلته لا يكترث بالديمقراطية كوسيلة أساسية في طريق التداول السلمي للسلطة ، بل إنه كان عملياً يؤسس لاحتكار من نوع جديد يقوم على سلطة الدين ، أما حزب البعث القائم بقيادة ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار ، فقد رفع ثالوثاُ أيديولوجياً تجلى في الوحدة والحرية والاشتراكية وهدف إلى بعث الأمة العربية الواحدة عن طريق تحقيق الوحدة بين أقطار العربية ثم العمل على تحرير العالم العربي من الهيمنة الإمبريالية ، وسيرتبط حزب البعث فيما بعد بالحزب العربي الاشتراكي الذي كان أكرم الحوراني يقوم على قيادته جماهيرياً(7) ، وسيتأسس بعدها حزب البعث العربي الاشتراكي الذي لن يختلف في بنيته اليسارية عن باقي الأحزاب الاشتراكية في تغليب مطلب الديمقراطية الاجتماعية وتغيب الديمقراطية السياسية ،يمكن القول إذاً أن الديمقراطية هي الغائب المشترك الأكبر بين جميع الأحزاب السياسية السورية سواء أكانت فئوية أو أيديولوجية ، إذ إن سؤال الديمقراطية كان بالنسبة لها سؤالاً ليس مطروحاً لذلك فمن الطبيعي أن تكون الإجابة عليه غير موجودة أو متضمنة في أدبيات جميع الأحزاب ونصوصها .

من دولة الاستقلال إلى الدولة المجاز :

حصلت سوريا على استقلالها في  17 نيسان 1946 وكانت هذه الفترة زاخرة بالنضال السياسي من قبل الأحزاب كافة ، فقد تمكن شكري القوتلي زعيم الحزب الوطني آنذاك من الوصول إلى السلطة بعد الانتخابات البرلمانية عام 1947 على الرغم من أن حزبه لم يكسب إلا 24 مقعداً من مقاعد المجلس الذي كان عدده 135 مقعداً ، لكن تعاون معظم المستقلين الواحد والخمسين مكن جميل مردم بك من تشكيل الحكومة وتمكن القوتلي من إقناع البرلمان بتعديل الدستور لإتاحة الفرصة أمامه للترشح من جديد لدورة رئاسية مدتها خمس سنوات(8) ، وقد تم له ذلك في 18 نيسان 1948 وليدشن عهد التعديلات الدستورية بما يتناسب مع الرغبات الرئاسية .

كان لمجيء حرب فلسطين في عام 1948 انعكاسات داخلية حادة أسفرت عن استقالة وزير الدفاع أحمد الشرباتي ، إذ أظهرت الحرب ضعف الجيش السوري الناشئ حديثاً ، وأعقب ذلك خروج المظاهرات في الذكرى السنوية لقرار تقسيم فلسطين الذي أقرته الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني ، وثارت القلاقل مما أدى في النهاية إلى استقالة حكومة مردم بك في 2 كانون أول 1948 ، وجاء على إثره خالد العظم الذي استعد لمعالجة عدد من الأمور من أهمها السياسة المالية النقدية لسوريا وعلاقة ذلك مع فرنسا ، وتوقيع اتفاقية خط أنابيب النفط (التابلاين ) إلا أن الانحراف الأساسي لحكومة العظم كان في إعلانها في 20 آذار 1949  أنها ستشارك في مباحثات لعقد الهدنة مع إسرائيل وذلك بعد أن دخلت في المفاوضات كل من مصر ولبنان والأردن(9) ، وإذا كانت هذه هي الأحداث السياسية الأبرزالتي حدثت في المشهد السياسي السوري عقب الحصول على الاستقلال فإنها تعكس أموراً يجب أن نضعها في الحسبان لا سيما أنها ستقرر وبشكل حاسم قراءة المستقبل السياسي السوري في المرحلة القادمة .

إن دولة الاستقلال الناشئة لم تحصل على استقلالها الكامل بما تعنيه الكلمة من حصول استقلال اقتصادي ومالي إذ بقي اقتصادها تابعاً على ما جرى في تقرير السياسة السورية النقدية وهذا ما سيثير الشارع السوري ، الأمر الآخر الذي يجب الإشارة إليه هو أن القضية الفلسطينية ستدخل بشكل لاعب سياسي حاسم في تقرير السياسات السورية الداخلية منذ حصول سورية على استقلالها وحتى الآن ، فسوريا ذات الإرث القومي العريق لم تكن أبداً لتتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية للفلسطينيين وحدهم لهم الحق في تقرير شأنها ومصيرها ، إنها ستبقى قضية الشعب السوري الذي عرف دائماً لا أقول بتطرفه بالنسبة لتعامله مع القضية الفلسطينية وإنما برفضه لأي حلول أو اتفاقيات تضفي شرعية على من تعتبره عدواً تاريخياً ويكفي أن نذكر أن الانقلابات العسكرية التي ستأتي فيما بعد ستستمد شرعيتها الأولى من تبنيها للقضية الفلسطينية ، مما حول القضية الفلسطينية نفسها إلى قضية للمتاجرة وغاب أصحاب المبدأ في تعاملهم معها لحساب ظهور أصحاب المصالح المستفيدين منها .

فالاستقلال التام كان بعيداً والسياسات الحزبية أضعفت الدولة ومنعت من ظهور مؤسسات تحمي الدولة ومراكز قرارها من داخلها ، وستأتي الانقلابات العسكرية بدءً من انقلاب حسني الزعيم في 30 آذار 1949 وانقلاب سامي الحناوي وأديب الشيشكلي لتضع الدولة في مهب الريح ولتقودها المصالح الفئوية الضيقة للمستفيدين منها ، وستقضي الإجراءات الانقلابية على ما بقي من إرث دولة الاستقلال عندما يصدر الزعيم في نهاية أيار مرسوماً بحل الأحزاب السياسية وإجراء استفتاء في 25 حزيران كان الزعيم فيه هو المرشح الوحيد وانتخب على إثره رئيساً للجمهورية .

وأسبغ على نفسه لقب المارشال وكلف محسن البرازي بتشكيل الحكومة وسيعقبه سامي الحناوي في القيام بإجراءات مماثلة والشيشكلي الذي حول البلاد إلى ديكتاتورية عسكرية سمحت للقوى الإقليمية والدولية أن تمد سيطرتها ونفوذها لتتدخل في تقرير السياسات الداخلية وفي حسمها .

لقد كان تدخل الجيش في الدولة الناشئة ذا أثر كبير إذ منع من تطور سياستها المدنية ومن حسم خياراتها الداخلية ضمن ساحة البرلمان وفي ضوء دائرة الحوارات السياسية المتعددة ، وعندها سيلعب الجيش في سوريا وفي الكثير من دول العالم الثالث دور لاعب الارتكاز في تقرير السياسة الداخلية وهذا ما سيجعل المجتمع المدني يتضاءل  لحساب المجتمع العسكري بتعبير غرامشي والذي سيبتلع المجتمعين المدني والسياسي معاً .

إلا أن ما سيترك الأثر الأعمق هو انعكاس ذلك على الثقافة والتربة المدنيتين ، عندما يوضع لابس البذة العسكرية في مصاف أعلى رتبة اجتماعية ويتعزز ذلك مع الضغط النفسي المرافق فينشأ مجتمع مسكون بالخوف ومهجوس بالقلق من المستقبل الذي أصبح غامضاً ومبهماً لاسيما أن الثقافة العسكرية تقوم على الطاعة والتبعية وينحسر الشعور المدني بضرورة المشاركة والتفاعل في الرأي العام  مما سينتج في النهاية تقلصاً وانحساراً متزايداً في الاهتمام بالشأن العام أو حتى الاكتراث به .

دولة الاستقلال إذاً لم تحظ من اسمها بالشيء الكثير وبتعبير أندرو راثميل  لم يكن مقدراً للدولة السورية الفتية أن تنعم بطفولة آمنة ، فالمنافسات الشخصية والعشائرية والإقليمية في الكتلة الوطنية فسحت المجال أمام الراديكاليين من قوميين سوريين وبعثيين وشيوعيين ، وكانت النتيجة أن بسطت الأحزاب الراديكالية نفوذها من خلال الجيش وذلك على حساب السياسيين(10) ، ولذلك فإن الاسم الأقرب لهذه الدولة أنها دولة مجاز ،وأعني بها أن الدولة كانت حاضرة ذهنياً وشفوياً إلا أنها كانت غائبة عملياً وواقعياً(11) .

بعد الشيشكلي ستمر سوريا في تجربة برلمانية حرة في عام 1954 لكنها للأسف لن تؤسس لشيء فيما بعد ، إذ ستأتي الوحدة السورية – المصرية في عام 1958 لتعصف ما بقي من إرث ديمقراطي وتؤسس وحدة كنا سنفتخر ونعتز بها لو أنها قامت على أساس المشاركة والتعددية إلا أنها حملت بذور فشلها من يوم تأسيسها عندما وضعت الوحدة الاندماجية كهدف رئيسي  ولجته بأقصى سرعة دون القيام بإجراءات تمهد لذلك وتحققه ، فكانت النهاية حدوث الانفصال في عام 1961 لتجربة وحدوية ناشئة لم تعمر طويلاً لكنها ستترك أثراً كبيراً في نفوس أبنائها من البلدين .

فتراجع الحريات وإلغاء الحزبية وسيطرة الهاجس الأمني وصعود الزعيم الواحد كمخلص للبلاد والعباد لن يساهم في بناء الدولة الوطنية وستبقى الدولة مجازاً .

من دولة الثورة إلى دولة الثروة :

بعد فشل تجربة الوحدة ستعصف بسوريا رياح الانفصال العاتية، والانفصال هنا كان أشبه بالثقافة العامة فالجميع أصبح يؤسس للانفصال والحزبية وغابت لغة الوفاق الوطني والتشارك على أساس الاختلاف، مما جعل الدولة المجاز تستمر في إحداثياتها إلى أن أتت دولة الثورة لتبني نوعاً جديداً من الدولة في سوريا ،لكنه ليس جديداً في دول العالم الثالث ، إذ بدأت دولة الثورة تتكاثر يميناً وشمالاً أينما وجدت الدولة المجاز سواء في أمريكا اللاتينية أو أفريقا أو آسيا وستقوم دولة الثورة هذه على مجموعة من السمات الرئيسية :

-المماهاة بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بحيث تصبح جميعها في قبضة الدولة وسلطتها وتزول عندها الحدود اللازمة لممارسة كل سلطة لدورها بما يضمن حسن أداء سيرها .

– تحقيق التراتب الهرمي والمركزي في بناء أجهزة الدولة بحيث تتركز السلطات في النهاية في قمة الهرم الذي يمثله قائد الثورة ،وكما شبه ذلك ادغار موران فالدولة تسيطر على المجتمع والحزب يقود الدولة واللجنة المركزية توجه الحزب وقائد الثورة يتحكم باللجنة المركزية .

-الدمج بين مؤسسات الدولة وأبنيتها وميزانيتها وبين التنظيم السياسي الحزبي بحيث تكون سياسة الولاء هي الطريق الأسهل للترقي والترفع وتلغى سياسة الكفاءة مما يؤدي في النهاية إلى تركز أجهزة الدولة بيد متنفذي التنظيم الحزبي ، وتختلط الموازنة بين الطرفين ما دام الحزب نفسه قد أصبح الدولة فما الداعي للتمييز بين ميزانية الطرفين .

لقد تحققت دولة الثورة في سوريا بعد حصول ما يطلق عليه ثورة الثامن من آذار في عام 1963 ، وبدأت السمات السابقة تتحقق تدريجياً حتى ابتلعت الثورة الدولة التي غابت لحساب الجهاز التي لم يعد يتبع عملياً لها وإنما لمتنفذيها ،وهنا يبدو تقسيم عبد الله العروي مهمًا في نظرته إلى الدولة العربية الحديثة ، إذ يرى ضرورة التمييز بين الدولة والجهاز ، فقد يكون الجهاز قوياً ومتطوراً ورغم ذلك تكون الدولة ضعيفة متخلفة ، فالدولة العربية المعاصرة تمتلك جهازاً قوياً متطوراً ، بل هو القطاع الأكثر تطوراً في الغالب ، ومع ذلك يبقى وجودها كدولة بالمعنى الصحيح ، في كثير من الكيانات العربية وحتى الكبيرة منها ، موضوع شك وتساؤل .

ستعيش دولة الثورة صراعات قادة الثورة أنفسهم وستفرز حركة 23 شباط 1966(12) نتيجة صراعات تنافسية بين أطراف الثورة وهذا سيؤدي إلى تغليب التناقضات الداخلية التي تعيشها الثورة على حساب القضايا الوطنية العامة وعلى حساب مشاركة أطراف المجتمع المدني بكل فئاته في تسييـر شؤون السياسة العامة للبلاد ، وهذا ما سيستدعي حركة ترغب بالقيام بالتصحيح لإعادة الأمور إلى نصابها، فقد كان الخلاف الرئيسي الذي قامت من أجله الحركة التصحيحية في عام 1970 يدور حول التوجهات العامة للسلطة وإستراتيجيتها السياسية وبرنامجها الاقتصادي(13) الأمر الذي أدى في النهاية إلى تغلب التيار الانفتاحي على التيار الأيديولوجي الذي كان راغباً في تسيير الشؤون السياسية والاقتصادية وفق برنامج بعثي عقائدي متين وهذا ما عمق الأزمة الداخلية لحزب البعث وأصبحت الخلافات الداخلية تتصاعد وتتواتر وتظهر على السطح مع ظهور مستجدات جديدة على الساحة الداخلية والإقليمية .

بدى حزب البعث بعد الحركة التصحيحية راغباً في الدخول في علاقة جديدة مع المجتمع والقوى السياسية ، وكان مدخل ذلك تشكيل حكومة  ائتلافية تحت مظلة الجبهة الوطنية التقدمية ضمت ممثلين عن خمسة أحزاب بمعدل وزيرين لكل حزب من أحزاب الجبهة ما عدا حزب البعث الذي ضمن لنفسه الأكثرية .

يمكن اعتبار نموذج الجبهة بأنه أشبه بنموذج الكتلة الوطنية التي تضم الأحزاب من مختلف التلوينات الأيديولوجية للانخراط في عملية النهوض والبناء الوطني ، وتشكلت لجنة ميثاق الجبهة في 22 أيار 1971،وقد نص الميثاق على اعتبار الجبهة قيادة سياسية عليا تقر مسائل السلم والحرب ، والخطط الخمسية ، وترسخ أسس النظام الديمقراطي الشعبي وتقود التوجيه السياسي العام ،ونص على قيادة البعث لها من خلال تمثيله للأكثرية فيها (النصف + الواحد) واحتكار العمل السياسي في قطاعي الطلاب والجيش ، وأن يكون ” منهاج الحزب ومقررات مؤتمراته موجهاً أساسياً لها في رسم سياستها العامة وتنفيذ خططها ” (14).

يظهر أن ميثاق الجبهة الوطنية يستنسخ القانون الأساسي للكتلة الوطنية مع إضفاء بعض التعابير الأيديولوجية وإظهار نوع من التعددية الشكلية ، غير أنه ما يجب التوقف عنده أن معارضة هذا الميثاق من قبل الأحزاب الراديكالية التي رفضته لم يكن من زاوية الديمقراطية وإنما من مواقع أيديولوجية يسارية أو من مواقع التحفظ على مزايا البعث القيادية فيها كما لاحظ ذلك أحد الباحثين  فالديمقراطية كانت غائبة تماماً عن مستوى الوعي السياسي الموجود في تلك الفترة ، ولذلك فحزب البعث لم يرث تراثاُ ديمقراطياً حتى يتنكب عليه، وإنما أنتج نموذج الحزب الموجود في السلطة ولو وجد غيره لأنتج الإرث الاحتكاري نفسه ، لقد كانت الأحزاب اليسارية والقومية والتي هي بالواقع أحزاب النخب تؤمن بديمقراطية خالية من المتاعب ، إذ هي ترغب من الديمقراطية أن تبقيها حيث هي ، أما الأحزاب الدينية ذات الشعبية الجماهيرية فإنها تؤمن بديمقراطية لمرة واحدة ، إذ هي تطلب الديمقراطية كي توصلها إلى السلطة وبعد ذلك هي في حل عن أن تفسح المجال للتداول السلمي للسلطة عن طريق الديمقراطية التي أتت بها ، لذلك كان من الطبيعي أن تتحول الجبهة إلى أشبه بشاهد الزور على التعددية ، ولتعيد أحزاب الجبهة نفسها البعث مكروراً في صيغتها وتكون الجبهة في حقيقتها طاولة اكتساب المغانم وتوزيع المناصب، مما انتهى إلى أن تتحول أحزاب الجبهة إلى أحزاب عائلية وراثية تتعيش من السياسة على حد تعبير ماكس فيبر وتعمق الأزمة السياسية الداخلية عندما تعجز عن القيام بمهامها الحزبية وتصبح هي نفسها عبئاً على المجتمع بدءً من حفظ أسماءها الصعبة المكرورة(15) وانتهاءً إلى احتكارها لصيغ سياسية يرغب المجتمع في تجاوزها ، إذ هي ترمز دوماً بالنسبة إليه إلى صيغة متقاعدي السياسة وإلى دور لاعبي شاهد الزور .

وهكذا يتحول الحزب الذي هو في تعريفه الأبسط الأداة الطليعية في قيادة المجتمع وتحضيره إلى الفعل والنشاط السياسيين إلى عبء على المجتمع لا يدري كيف يتخلص منه كي يستطيع أن ينشط بصيغ سياسية أخرى لا سيما أن السياسة ما زالت إلى الآن محصورة بملعب الجبهة الوطنية التقدمية .

وإذا كانت صيغة الجبهة الوطنية مثلت الإطار السياسي الذي حددته رغبة حزب البعث ، فإن دستور البلاد سيعكس الرغبة البعثية نفسها في الإطار القانوني والدستوري ، إذ سينص في مادته الثامنة على أن حزب البعث هو الحزب القائد للدولة والمجتمع، وستحوي مادته السابعة على القسم الدستوري الذي يشترط على مقسمه أن يعمل ويناضل لتحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية ، التي هي أهداف الحزب نفسه(16) ، وهكذا يتماهى الإطار السياسي  و         القانوني والدستوري في صيغة البعث ، وسيشترط الدستور أيضاً على أن اقتصاد الدولة هو اقتصاد اشتراكي مخطط يهدف إلى القضاء على جميع أشكال الاستغلال وهو فضلاً عن صيغته السياسية والاقتصادية الأيديولوجية فإنه يعطي صلاحيات وسلطات مطلقة للسلطة التنفيذية مما يضيق هامش الحريات والحقوق الفردية والعامة حتى يعدمها أحياناً(17) .

فهو ينص على حرية التعبير لكنه يعود ويقيدها بما يضمن سلامة البناء الوطني والقومي ويدعم النظام الاشتراكي وهو يسمح للمنظمات الجماهيرية في المشاركة في مختلف القطاعات والمجالس المحددة بالقوانين ولكن بما يحقق بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد وحماية نظامه ، فما يمنحه الدستور باليد اليمنى تعود اليد اليسرى لتصادره عن طريق ربطه بأهداف البعث وغاياته .

ويبقى هذا الدستور على علاته معلقاً مع وجود قانون الطوارئ والأحكام العرفية المفروضة منذ عام 1963 أي منذ وصول حزب البعث إلى السلطة علماً أنه فرض خلال فترات متقطعة من التاريخ السوري .

أما في إطار العمل المجتمعي الشعبي وذلك فيما يتعلق بالجمعيات والمنظمات الأهلية وغير الحكومية أو ما أصبح يعرف بحراك المجتمع المدني فإن صيغ النقابات ذات التأطر المهني أو صيغ الجمعيات غير الحكومية أصبحت كلتاهما تحت هيمنة الحزب الحاكم ، فجرى تحويل النقابات والمنظمات الطلابية والشبابية والجامعية إلى منظمات رديفة لحزب البعث ، وهي بذلك جزء من الحزب والنظام لا تنفك عنه بل ينحصر نشاطها في هدفها المحدد ذاك ، لذلك تفقد هذه النقابات حراكها الداخلي القائم على إثبات وجودها وحضورها في وجه من يمنعها من تحقيق مطالبها وتتحول إلى مؤسسة موظفين يتعيشون منها ، أما النشاط المدني البعيد عن هذه النقابات والمنظمات الراغب في مأسسة نفسه ضمن مجموعة عمل تنشط في مجال معين كالبيئة والفنون والآداب بأنواعها وغير ذلك كثير فإنه يصبح غير ممكن إن لم يدخل في خانة المستحيل نفسه ،خوف أن يتعرض المواطن للمساءلة الأمنية المستمرة إذ يشعر أنه في غنى عن هذا النشاط كله إن كان سيفضي به إلى مثل هذه النهاية .

ومن الطبيعي بعد ذلك أن يضعف الشعور الجمعي بضرورة العمل الجماعي والمؤسساتي وأن يفقد الغاية والهدف ويشعر باللاجدوى من العمل الحزبي والسياسي ليرتد به هذا الشعور في النهاية إلى الاحتماء بروابط ما قبل مدنية لأن الإنسان بفطرته وطبعه كائن اجتماعي وستنتهي به هذه الروابط إلى نوع من التفكير الخلاصي الذي لا يقيم وزناً للهم العام أو يكترث به ، وستصبح هذه الحالة فيما بعد القانون الأساسي الذي يسير عليه المواطن ويتبع خطاه وفقه ، لذلك فعملية الإصلاح في انطلاقها عليها أن تلحظ هذا البعد وتنطلق منه ، أن ترد للمواطن ثقته بنفسه ، شعوره بضرورة الانخراط في عمل جمعياتي لأن الحراك الفردي لا يفضي إلا نتائج كالتي يجنيها العمل الجمعي ، على الإصلاح أن ينطلق بداية في القيام بإجراءات تطمينية يكون لها الأثر على غالبية فئات وشرائح المجتمع ليشعر بالصدق مما  يجري حوله ، وبالتالي يخرج من موقعة العزلة والانكفاء التي فرضت عليه إلى رحاب المجتمع بآفاقه الممتدة التي تشعره بالثقة التامة والدائمة أنه فرد من هذا المجتمع تضمن له حقوقه كما يتوجب عليه القيام بواجباته .

وإذا كان المواطن قد انتهى إلى حالة من الشعور بالعبث من جدوى الحياة ، فمن الطبيعي أن لا يكترث بأن ينقل ما يرغبه ويشعر به إلى غيره ، فالانطواء حالة نفسية ترتد إلى الداخل وتتأسس فيه ، ولذلك سيغيب دوره عن السلطة الرابعة ، السلطة صاحبة الجلالة ، الصحافة ، فيشعر باستمرار أنها لا تنتمي إليه ولا تخاطبه وما تقوله ليس كذباً بالضرورة لكنه حتماً ليس الحقيقة ، وبغياب المشاركة عن الصحافة الذي هو أس عملها وأساسه تتحول إلى منابر لأصحابها وإلى أبواق لمرؤوسيها لا يهمهم مدى اتساع شريحة قراء الصحيفة ، بقدر ما يهمهم أن يرضوا من هم فوقهم ، وبذلك يغيب عامل المنافسة والسبق عن العمل الصحفي الذي هو جوهر النشاط وأساسه .

لقد تحولت بذلك جميع مجالات الحياة ومرافقها إلى مؤسسات رسمية تشكو من الترهل والتضخم وتقوم على سياسة الولاء التي هي أحد المقومات الرئيسية التي تقوم عليها دولة الثورة ، والولاء هنا ليس محدداً بزمن محدد أو ينقضى بوقت في أجل معلوم ، إذ ما دام مستمراً  يبقى المنصب قائما،و يغيب بحكم طول أمد الولاء عامل المنافسة الضروري لتجديد الحياة وضخها بالحيوية باستمرار ، لينتج عن ذلك طبقة من الموظفين الكبار طويلي الأمد والولاء ينسجون حولهم شبكة من البيروقراطية التي تعزز ريعها باستمرار وهنا يكمن بالضبط مبدأ الفساد الذي سيتعمم إلى نموذج قائم بذاته له أصوله ومقوماته ورجالاته ولذلك تهتدي دولة الثورة رويداً رويداً إلى نموذج من الاقتصاد لا يقوم على الاقتصاد الاشتراكي بحسب ما تضج الأيديولوجيا بذلك دوماً وإن كان يبتدأ منه ولا يدخل في نموذج اقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر وإن كان يستفيد من ميزاته ، وإنما تؤسس هذه الدولة لنموذج جديد من الاقتصاد مختلف عن ذلك كلياً إنه نموذج اقتصاد الفساد ، وككل اقتصاد ستكون له آلياته ووسائله وسيقوم عليه رجال يدافعون عنه ويؤمنون باستمراريته ، وسيسبقه أو يلحقه ، لا فرق في النهاية ، فساد اجتماعي، لتتأسس بذلك نظرية ماكس فيبر الشهيرة في علاقة الأخلاق البروتستانتية بالرأسمالية ولكن وفق علاقة معكوسة ، إذ اقتصاد الفساد انتهى إلى نموذج جديد من خلخلة العلاقات الاجتماعية وتفككها .

 كل ذلك يفرض علينا التفكير في نموذج جديد للسياسات العامة التي يقوم عليها النظام ولأسس الاقتصاد التي يقوم عليها ، إذ إن نظرية التفعيل التي يكثر الحديث حولها الآن لا تبدو قادرة على تفعيل ما بدأ وانتهى وإنما نحن بحاجة إلى إعادة بناء السياسات العامة وفق أسس جديدة مختلفة كلياً ، ذلك أن التفعيل يعني العمل في ضوء الواقع المحدد المرسوم ويكفي ضخ الدماء فيه حتى يتمكن من الحياة من جديد ، ولكن من يضمن لنا أن الدماء ما زالت موجودة .

سيناريوات التحول الديمقراطي :

لا بد أن نسجل بداية أن الخطوة الأولى من الانفتاح قد تحققت وهي فسح المجال لحرية الرأي والتعبير  وأن الرئيس بشار الأسد راغب في تدشين زمن جديد تدخله سوريا ، ويكفي أن ننظر إلى الشهور الستة الأولى لنر الحراك السياسي والاجتماعي وبداية إطلاق عملية الإصلاح الاقتصادي فندرك أن رغبة الإصلاح قد اتفق الجميع على ضرورة بدءها في هذه اللحظة .

فعلى الجميع إذاً أن يندغموا في خط الإصلاح من الداخل وأن يتكلموا وفق إحداثيات الرقعة الموجودة على الأرض أمامنا ، لكي نتمكن من تجاوز الإرث لكسب خطى الزمن .

ولذلك فلدى قراءة سيناريوات المستقبل وفق رؤى استراتيجية يتحتم علينا النظر إلى خطوط الماضي لأنها تشكل معالم الزمن القادم وملاحمه ، ولذلك أرغب بالتحدث عن ما أسميه المكتسبات التاريخية ، والمكتسب التاريخي يعني ما تحقق لنا وما يمكننا البناء عليه بحيث أن خط العودة يفضي إلى خسارة المستقبل الذي نراهن عليه ،ولذلك فالتمسك بهذه المكتسبات يبدو بمثابة النقطة البدء في رسم ونحت صورة المستقبل القادم .

وأولى هذه النقاط يتعلق بالإرث القومي الذي حملته سوريا ويبدو أن عليها مستقبلاً أن تحافظ عليه كمكتسب أنجزته وعليها البناء عليه ، لكن شرط القيام بعملية تجديد الخطاب القومي الضرورية بذلك  ويتعلق بتجاوز الخطاب القومي الانصهاري والاندماجي الذي لا يعترف بوجود الأقليات القومية والاثنية والعرقية المتعايشة في حدود العالم العربي إلى خطاب يؤكد شرعيتها ودورها في حفظ تراثها وثقافاتها كونها تكونت في إطار قومي ، وبذلك يصبح الخطاب القومي العربي يعترف بالآخر كجزء رئيسي من وجود الذات ، وإذا كان العرب جميعهم من مختلف أقطارهم لا يشعرون بغربتهم حين قدومهم إلى سوريا ، فعليها أن تبقى كذلك ، لأنها سوريا أولاً ، ولأنها سليلة ذلك الإرث الذي إن تخلت عنه فقدت خصوصيتها وكيانها .

أما المكتسب الآخر فقد أنجزه الرئيس حافظ الأسد حينما تمكن من تحويل سوريا من بلد يتصارع عليها الجميع إلى قوة إقليمية يطلب ودها الجميع فالصراع على سوريا حسب التعبير الأثير لدى باتريك سيل قد توقف ، فسوريا الراهنة انتقلت من مرحلة البحث عن ذاتها في داخلها إلى مرحلة إثبات هذه الذات على ما حولها ، ويكفي أن أذكر ما قاله أحد الباحثين الإسرائيليين موشيه معوز الذي كتب كتباً عدة عن سوريا ، إذ قال  ” لقد تحولت سوريا تحت قيادة حافظ الأسد من بلد ضعيف ، هش سريع العطب إلى دولة تبدو قوية ومستقرة ، وإلى قوة إقليمية في الشرق الأوسط ، فسوريا التي كانت لعقود متتالية هدفاً لسياسات جيرانها العرب التوسعية ، ولخطر القدرة العسكرية الإسرائيلية ، أصبحت بقيادة الأسد ، إحدى أكثر قوى المنطقة نفوذاً وتأثيراً “.

على ضوء هذه المكتسبات التاريخية والحفاظ عليها والانطلاق منها نحاول أن نقرأ سيناريوات المستقبل الديمقراطي أو ما أصبح يطلق عليه سياسة التحول نحو الديمقراطية .

هنا  يميز الباحثون بين التحول الديمقراطي وبين التحول نحو الديمقراطية ، وإن  كانت الصلة وثيقة بين المفهومين ، لذلك انحاز إلى مفهوم التحول نحو الديمقراطية لأسباب عدة تتعلق بأنه يحدد الوجهة التي يتجه إليها التحول في حين أن التحول الديمقراطي يتضمن أسلوب التحول لكنه لا يحوي مآله الذي قد يكون مغايراً ، يضاف إلى ذلك عملية التحول نحو الديمقراطية هي عملية مرحلية انتقالية لبلوغ الغاية منها ، إذ إنها تصب في النهاية في صبغ المجتمع بالصبغة الديمقراطية ، كما أن التحول نحو الديمقراطية هو بالأساس تحول سياسي لأن غايته سياسية بالدرجة الأولى ، أما التحول الديمقراطي فقد يتم عن طريق إجراءات اقتصادية أو اجتماعية ، ويبقى في النهاية أنه يحقق فعاليات المشاركة جميعها القوى الراغبة في التحول والمجتمع القائم والنظام المتجه نحو الديمقراطية(18) .

مهما يكن فالمهم أن لا نتحول عن الديمقراطية سواء اتخذنا وجهة التحول نحو الديمقراطية أو سبيل التحول الديمقراطي، إلا أنه لدى التدقيق في الأحداث السياسية يبدو لدينا أن التحول نحو الديمقراطية هو الخط الذي يتبعه النظام القائم في سوريا الآن ، عن طريق القيام بإجراءات وإصلاحات سياسية وهذه الإجراءات محكومة بأعلى درجة من الدقة كي لا تفضي إلى مآلات غير ديمقراطية ، فكيف نستطيع إذاً قراءة وجهات التحول نحو الديمقراطية ، يمكن افتراض ثلاث سيناريوات محتملة .

السيناريو الأول : الانكفاء عن الخطوات التي تمت ، بحيث يتم حجز ومنع نوافذ حريات الرأي والتعبير التي تجلت حالياً في المنتديات الثقافية ، وإن كانت هذه المنتديات لم تنتقل بعد من سياسة غض النظر المعمول بها حالياً إلى سياسة القوننة الشرعية والمأسسة القانونية ، والتضييق على الحريات الشخصية عن طريق بث الخوف من الملاحقة الأمنية لكل من يبدي رأياً مخالفاً أو معارضاً ، وقمع الحراك الجنيني لمطالبي المجتمع المدني وحقوق الإنسان ، هذا السيناريو يبدو مستبعداً رغم أنه يبقى محتملاً طالما أن القوى المفصلية في النظام ما زالت لم تحسم خيارها بعد باتجاه الإصلاح وتشعر بالخوف إزاء مكتسباتها وتجاوزاتها وإن كانت ساعة التغيير تبدو قد دقت وحانت ، و بدأت جميع القوى والأطراف تشعر بضرورة الانطلاق معها ومواكبتها .

السـيناريو الثانـي : الانتقـال نحو نموذج الانفتاح بدون الدمقرطة (Liberalization without democratization )  وهذا ما أطلق عليه صموئيل هنتنغتون بأنه يمثل الموجة الثالثة للديمقراطية ولا يقوم هذا الانتقال على البدء بالإصلاح الاقتصادي دون الإصلاح السياسي كما يجري ترديد ذلك في النموذج الصيني ، وإنما البدء بالإصلاح السياسي وفق مجموعة من السمات :

1-القيام بإجراءات إصلاحية سياسية من أعلى محكومة بدرجة عالية للغاية من السيطرة ، وهي لا تظهر كاستجابة لضغوط من المجتمع السياسي المحلي أو كمواكبة لمجاراة استحقاقات المتغيرات العالمية وإنما هي جزء من الهندسة السياسية التي يقوم بها النظام .

2-أن جميع الإجراءات السياسية القادمة وفق هذا النموذج كقانون الأحزاب المتوقع وقانون المطبوعات الجديد تهدف باستمرار إلى استيعاب الجهود الشعبية واحتوائها ، وهذا ما يدخلها باستمرار في خانة الضبط والتحكم .

3-سيبقى مضمون الإصلاحات السياسية  فوقياً ، سواء بإدخال قوانين أو تعديلات تشريعية جديدة  فهي رغم أهميتها لن تترك أثراُ على النظام العام للدولة القائم وفق النموذج الهرمي أو على الفئات والشرائح الكبيرة من المجتمع ذلك أن الأحزاب الجديدة التي ستنشأ أو الصحف الخاصة إن أتت لن تتمكن من إحداث الآثار الاجتماعية التغييرية المطلوبة ، وهذا جزء من وظيفة نموذج الانفتاح ،إذ يحرص على تقطيع كل الأسلاك والقنوات الحديثة الموصلة بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني ، وبالتالي يظهر المجتمع السياسي وكأنه معلق في الهواء وعاجز عن مد جذوره في تربة المجتمع ، وبالتالي يفقد وظيفته التعبوية والاتصالية بسبب القيود الصارمة المفروضة على الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات ذات الغرض العام(19) ، وهذا ما يعطي الفرصة للانفتاح الاقتصادي الذي ستكون له آثاره المجتمعية الواضحة ، ويمنع تشكل جذور مجتمعية للإصلاحات السياسية .

يبدو أن هذا السيناريو هو الأكثر قبولاً للنظام السياسي القائم في سوريا حالياً ، ذلك أنه يضمن له مراجعة حساباته ويحفظ له امتيازاته ، ورغم أن هذا السيناريو لا يجد قبولاً لدى المعارضين الراديكاليين إلا أنه خطوة مهمة وضرورية لا بد من المرور بها ، ذلك أن الانتقال الفجائي نحو الديمقراطية قد يفرز استطالات ومآلات تترك آثاراً ومضاعفات سلبية تنعكس على التوجه الديمقراطي بشكل عام .

السيناريو الثالث : التحول نحو نموذج تجربة ديمقراطية تعددية حقيقية تتجلى في الانتقال من النموذج الهرمي للسلطة القائم على الخط الشاقولي التصاعدي إلى السماح بالتداول السلمي على السلطة التي تشكل جوهر الديمقراطية والقائم على الخط الأفقي ومشاركة المجتمع بكل فئاته في الانتخابات الديمقراطية التي تفضي إلى الخيارات الشعبية وما يتبع ذلك من التنازل عن السيطرة على الإعلام والهيمنة على النقابات إلى غير ذلك مما يشكل صوراً متعددة لفسح المجال للمواطن كي يبدي رأيه ويملك صوته الذي هو قوة التغيير الأولى والأخيرة .

ومع يقيني أن الديمقراطية يجب أن ينظر إليها كما عبر أوبر فيدرين وزير الخارجية الفرنسي في إحدى مقالاته باعتبارها الناتج النهائي لعمليات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية مديدة وليس كنتيجة لتحول فوري ، إذ الديمقراطية ليست قهوة سريعة التحضير ، إلا أن التوجه نحو التحول الديمقراطي يشكل بداية تأسيس الوعي الديمقراطي الذي هو الضامن الوحيد لأن تسير العملية الديمقراطية وفق خطها السليم .

وإذا كان هذا السيناريو مستبعداً أو غير محتمل في المستقبل المنظور ، فلا يجب استباق الأمور بسرعة قبل أوانها ولا يجب إبطاءها بحيث يفقد الإصلاح والتغيير رصيدهما في المجتمع ويظهران كعمليات التجميل الطارئة على النظام السياسي ، وإذا كان السيناريو الثاني وهو الانفتاح بدون الدمقرطة هو الأكثر احتمالاً ويبدو أن صيرورة وآلية النظام السياسي سائرة فيه ، فإن مآلات هذا السيناريو قد تفضي في النهاية  إلى نموذج الديمقراطية الحقيقية كما تجلى في السيناريو الثالث .

وهذا يستلزم تعاضد الجهود والقوى حتى لا تسقط في التشرذم والتشتت أو التفتت وتنتهي في النهاية إلى المحصلة الصفرية فتعاضدها يكون باتفاقها على مجموعة الضوابط الضرورية كضمان لسير الآلية وأولى هذه الضوابط يتعلق بعلنية العمل السياسي وعدم سريته وضبطه وعدم فوضويته والتأكيد على النشاط السلمي خوف الدخول في متاهات العنف التي لا نهاية لها .

 
   

التعقيبات والمداخلات

د. يوسف سلامة:

أختلف مع الدكتور رضوان زيادة في تفريقه بين الدولة والجهاز، وهو ما يجب مراجعته أيضاً مع عبد الله العروي، فالدولة السورية لا ينطبق عليها هذا الوصف، إذ هي ليست جهازاً متقدماً إلا في بعض النقاط خاصة فيما يتصل بالعمليات الأساسية لسيادة الدولة، أما في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فلا شك أنها جهاز متخلف وليس كما رمت إليه المحاضرة. السيد المحاضر رأى أن أساس الديكتاتورية قائم في التفكير السياسي السوري ابتداء من عام 1927 على اعتبار أن النظام الداخلي للكتلة الوطنية لم يكن ديمقراطياً في ذلك الوقت، يا صديقي هؤلاء يجمعون بين ثقافة عثمانية أساساً وقليل من القشرة الفرنسية، وبالتالي هؤلاء لا يحسبون على مرحلة الاستقلال الوطني ولم يكن لديهم مفهوم دقيق عن الديمقراطية بقدر ما كانوا ينتمون إلى التركيبة الإقطاعية، أما فيما يتصل بالنظام الذي حكم سورية منذ عام 1963 وبلغ كماله في دستور عام 1973 فمن الصعب أن ترده إلى الكتلة الوطنية، وإنما يردُّ إلى الدولة السوفيتية مباشرة صاحبة مفهوم الديمقراطية الشعبية، وهنا لي ملاحظة، ديمقراطية وشعبية شيئان متناقضان في حدود الممارسة التاريخية التي لاحظناها، وبالتالي أنا لا أتفق معك في رد جذور الاستبداد إلى عام 1927، وإنما تُرد إلى تجربة مختلفة هي تجربة الكتلة الاشتراكية وشكراً.

د. عارف دليلة:

حقيقةً ما استمعنا إليه يُشكل نموذجاً لذلك الفكر الذي يمكن أن يشكّل أرضية وقاسماً مشتركاً بين كثير من الفئات السياسية والاجتماعية، والاستنتاج الرئيسي الذي يمكن التوصل إليه بعد قراءة هذه المحاضرة أو هذا النموذج من الفكر، هو أن لا مبرر للمخاوف التي يُحاول أن يزرعها البعض بصورةٍ مصطنعة في المجتمع السوري من مثل هذه التيارات أو الحركات الثقافية أو السياسية الجديدة، وأن التنوع والتعددية في المجتمع السوري إنما هو ثروة وغنى وليس انتحاراً كما يحاول أن يصور البعض، أنا لا أجد في ما قاله الدكتور رضوان ما يُختلف عليه، لكن أعتقد أن الدكتور رضوان أَضعفَ قليلاً من وزن الصراعات الاجتماعية ذات المضمون الطبقي أو لنقل الاقتصادي، فلم يقدّم لنا شيئاً عن تلك الصراعات السياسية ومضمونها الاقتصادي الاجتماعي، مثلاً منذ الخمسينات كان هناك صراعات حول المسألة الفلاحية، كان هناك صراع بين العمال والبرجوازية، بعد حركة الثامن من آذار ومنذ أيام الوحدة، جرت عملية الإصلاح الزراعي، التأميم، توزيع الدخل القومي، توزيع مراكز السلطة السياسية .. الخ، وجرى رفع الطبقات التحتية، وتقديم خدمات صحية واجتماعية وإيصالها إلى شرائح واسعة من المجتمع، هذه أيضاً كانت مواضيع صراع هامة جداً، والدكتور رضوان قدّم لنا الهيكل العظمي لنشوء وتبدلات السلطة السياسية ولكن ينقص هذه المحاضرة الشحم واللحم، وهي تلك المصالح التي تشكّل مضمون الصراع .. قد يبدو أن الصراعات في البلدان المتخلفة ذات مضمون طبقي ضعيف أو أن الجانب الاقتصادي والمصالح فيها ضعيفة الخ.

نقطة أخرى، تتعلق باحتمالات هذه الحركة والمواقف منها في المستقبل المنظور، الدكتور رضوان يشير إلى احتمال حصول ارتدادات وانتكاسات لهذه البراعم التي بدأت تتفتح بسبب تخوّف البعض على مكاسبه، وأنا أشاركه هذا الموقف، ويجب أن يُقال لهذا البعض الذي يشكّل قلة محدودة جداً أن الأغلبية الساحقة من الشعب السوري ذات مصلحة عميقة في التغيير الذي لا يضرُّ بأحدٍ سوى بقلة قليلة من أصحاب المصالح والمكاسب الخارجة عن القانون، وأؤكد الخارجة على القانون، والتي لا تريد أن تنضبط بقانون ولا بدستور ولا بمصلحة عامة .. ما نفعله نحن هو الكشف عن تلك الخروقات للقانون وللدستور وللمصالح العامة، نريد أن ينضبط الجميع بهذه المعايير الثلاثة والذين يعادون هذه الحركة، وهذه المطالب، إنما يعادون فعلياً الوطن والشعب، أصبح الأمر واضحاً جداً، وبالتالي المسألة هنا لم تعد بعثي أو غير بعثي إطلاقاً، وإنما المسألة مَن مع القانون والدستور ومع المصلحة العامة للوطن والشعب ومن هو ضدها، هذه هي المسألة الديمقراطية إذاً، هذه الحركة هي الحركة الديمقراطية، وشيءٌ جميل جداً أن يتواجد في هذه القاعة البعثيون إلى جانب جميع الاتجاهات الأخرى، هذا الأمر طبيعي، وبالتالي القضية المشتركة بين الجميع باعتبارهم مواطنين هي قضية الديمقراطية، الديمقراطية التي تريد إعلاء سيادة القانون وسيادة الوطن وسيادة المصلحة العامة ومصلحة الإنسان في هذا الوطن.

أ.حسن حدة:

أشكر الدكتور رضوان على محاضرته القيمة التي لا أخالفه بها إطلاقاً، ولكن قضيتنا نحن هي عندما اتفقنا مع الإنكليز والأمريكيين من أجل التحرر من الاستعمار التركي مما أدى بهم إلى أن يشكّلوا منّا دولاً غير شرعية، ملكية، جمهورية، دستورية عقدت اتفاقاتٍ سرية وغير سرية، وهذه الدول من مخلّفات ذاك الاستعمار، وبالتالي أقول عندما تفقد العدالة الاجتماعية في أمة ما فإنها تُبتلى بحكومات غير شرعية كما هو قائم في كلِّ الأقطار العربية، والحكومة الغير شرعية، فيها الفساد وفيها الرشوة وفيها حب المال وفيها تسلط الحاكم على الشعب وفيها الطائفية والعنصرية والإقليمية وفيها غياب الحرية، وحلّنا الوحيد هو السعي لتشكيل أحزاب مهما كانت هذه الأحزاب، العدالة الاجتماعية معناها الحرية وليس الديمقراطية، نحن نقول: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ولم نقل متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم ديمقراطيين، وشكراً.

د. كمال اللبواني:

كنت أتمنى على السيد المحاضر في موضوع المأزق السياسي والتحدي الديمقراطي أن ينتقل من التوصيف إلى التحليل كي نتمكن من الاستنتاج، قضية أزمة الديمقراطية تكمن في أن السياسة كانت حكراً على شريحة واحدة من طبقة واحدة هي شريحة المثقفين من البرجوازية الصغيرة، والتي طرحت نفسها بديلاً عن البرجوازية الكبيرة في إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية وبديلاً عن البروليتاريا في إنجاز مهام الثورة الاشتراكية، أي أنها احتكرت لنفسها تمثيل الشعب، وهذه المشكلة عندنا نحن في هذا المنتدى، فنحن نمثّل هذه الشريحة، المشكلة في وعي هذه الشريحة السياسي وفي مفهومها على أساس أن السياسة هي تنظير وتوجيه وإثارة ووعظ، السياسة تبدأ من فوق إلى تحت وليس من تحت إلى فوق، المشكلة في أن التفكير السياسي يُمارس على أنه فعل ذكوري إباحي يقوم فيه المثقف بتلقيح الجماهير بأفكاره الثورية، ونسف هذا المفهوم هو الأساس في الديمقراطية بحيث يكون في الممارسة السياسية أهمية للفكر، إنما الممارسة السياسية يجب أن تبدأ من الناس وفي الشارع، فالسياسي هو من يمثّل شريحة اجتماعية.

أنا قادم من واشنطن، زرت عدة مناطق في سورية، الإذاعات نقلت عن المنتديات التي تقام في سورية بالوقت الحاضر، وكلُّ مجتمع له وضعه وطريقه الخاص به والذي يمكن أن يصل من خلاله لتحقيق أهدافه..

(اعتراض على إعطاءه فرصة الكلام من قبل بعض الحضور، واتهام ورقة المحاضرة من قبل أحد البعثيين بأنها غير وطنية بحجة حضور صحفي أمريكي).

أنا أتيت إلى هنا لأتعلم منكم كيف يمكن أن ندير الصراع في بلدنا.

(هرج في القاعة مع حوارات ثنائية حادة بين البعثيين وبقية حضور المنتدى).

نذير حموي:

لديّ ثلاث نقاط من الجانب الذي أهتم به، المحاضر يُخطئ في تحديد اسم الحزب السوري القومي الاجتماعي نتيجة عدم معرفته بتاريخ أو فكر الحزب. فتبديل الكلمات لها مدلولاتها الفكرية وليست مجرد عنوان، وهذا يتعارض مع ما قاله حول إفساح المجال لفهم الرأي الآخر، العنوان هو الحزب السوري القومي الاجتماعي، أما الأخ المحاضر فقد قال الحزب القومي السوري الاجتماعي لم يقع في فخ القطرية لأنه يعمل ضمن منظومة تتناغم على كامل الأراضي السورية، طبعاً سورية الطبيعية تتبع قيادة مركزية واحدة لا قيادة قطرية، والقضية السورية واحدة لا تقبل التجزأة، فالسوريون القوميون الاجتماعيون يعملون ويعلمون أنهم أبناء أمة واحدة، وبناءً عليه يناضلون ويستمرون في نضالهم الذي لا يتوقف عند حدود سايكس بيكو، وذلك نابعٌ من فكرٍ لا يعتمد على العاطفة أو الطوباوية في تحديد مفهوم الأمة، بل اعتمد على علوم الاجتماع والفلسفة والجغرافية والتاريخ، فكان كتاب (نشوء الأمم) كتاب أكاديمي يحدد القوى في الأمة ويعرفّها علمياً لا وهماً وحلماً عروبياً قائماً على العرقية والدينية واللغوية. وما سماها القضية الفلسطينية تأكيدٌ على أن المحاضر منغمس في القطرية. فالقضية الفلسطينية في الحزب السوري القومي تُسمى بالمسألة الفلسطينية لأنها جزء من قضية الأمة السورية، ثالثاً الحزب لم يرغب في فصل الأمة السورية عما يُسمى بالأمة العربية، فحياة الأمم ليست خاضعة للرغبات والتمنيات، وأنطون سعادة حددَّ الأمة السورية تحديداً علمياً، وسعادة يؤكد أن القوة هي الفصل في إثبات الحق القومي وهذه ليست معينة، فخمسون عاماً من الصراع مع العدو اليهودي الصهيوني أثبتت أن القوة هي القول الفصل في حسم الصراع. وحزبنا لا يعتمد ولم يعترف بالعنف من أجل التغيير بل يعتمد على خلق الإنسان الجديد الواعي لهويته القومية والعامل لتحقيق رقيها، سلاحه أن مصلحة سورية هي فوق أي مصلحة فردية كانت أو أممية، وللحزب رؤية في الديمقراطية تختلف عن الرؤية الليبرالية أو الاشتراكية فهو لا يعترف بالديمقراطية الانفلاشية المحكومة بديمقراطية التمثيل، طائفيةً كانت أو عشائرية أو طبقية، إذ هو يقول بالديمقراطية التعبيرية القادرة على تحقيق مصالح سورية، ولا يجوز أن يعمل المجتمع بديمقراطية تمثيلية أو طبقية.

د. وليد البني:

من سبقني وفّر عليّ الكثير مما كنت أودُّ قوله وخاصة الدكتور عارف، لكن هناك نقطتين أردت أن أؤكد عليهما، الأولى، فعلاً الرئيس الراحل حافظ الأسد خلق من سورية دولة محورية، لكن الهشاشة الداخلية، الاقتصاد الذي ليس على ما يرام باعتراف الجميع، الفساد المستشري، أليس هذا ما أدى بإحدى الدولتين العظمتين، فالاتحاد السوفييتي كان دولة محورية في العالم وليس في المنطقة، فإهماله للديمقراطية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية الحقيقية واستئثار حزب واحد بالسلطة في الاتحاد السوفييتي وسيطرته على مقدرات البلاد الاقتصادية والاجتماعية أدى إلى انهيار تلك الدولة العظمى، ونحن كمثقفين يجب أن ننتبه، نعم أصبحت سورية دولة محورية لكن يجب أن ننبّه أنه بدون إصلاحات داخلية حقيقية، وبدون إصلاحات اقتصادية حقيقية، بدون مشاركة جميع فئات الشعب بطرق ديمقراطية في القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي فإن الانهيار ليس صعباً.

القضية الأخرى، يقول الدكتور: يبدو أن السيناريو الذي يقوم على أن تأتي الديمقراطية من فوق من قبل قوى محددة هو الأكثر حضوراً في سورية. ورغم أن هذا السيناريو لا يجد قبولاً لدى المعارضين الراديكاليين إلا أنه برأي المحاضر خطوة مهمة وضرورية لابد من المرور بها، وهنا لي رأي: أصحاب الامتيازات والمصالح الخاصة، هل يسمحون من خلال هذا السيناريو فعلاً بأن يتحولوا إلى الخيار الثالث، إذا كان علينا أن نسامحهم بحفظ امتيازاتهم، وهنا أنا أفرّق، ليس كلُّ النظام السوري لا يريد ديمقراطية، فعلاً هناك فئة من الذين سيطروا على المقدرات هم الذين لا يؤمنون بالتحول، إلا أننا نهادنهم ونقول لهم بأننا نحفظ امتيازاتهم ويجب أن نسمح لهم بمراجعة حساباتهم ومراقبة هذا التوجه الديمقراطي، ألا ينفي ذلك النتيجة التي استنتجها الدكتور بأننا سننتقل بهذه الطريقة نحو السيناريو الثالث وهو إحلال تعددية حقيقية تتجلى بالانتقال من النموذج الهرمي للسلطة القائم على الخط الشاقولي، إلى السماح بتداول السلطة. وشكراً.

إسبر حلاق:

شكراً للدكتور زيادة، مجرد إضافات، أنا قومي اجتماعي، أولاً فيما يتعلق بقضية المالكي ليس ما نشر في الصحف دلالة على براءة الحزب وانحصار الشبهة في أشخاص، بل ما صدر عن المحاكم السورية في تلك الفترة من تبرئة الحزب وحصر الشبهة في مجموعة من الأشخاص فقط، وكما يقول الدكتور مسألة الديمقراطية بالنسبة لحزبنا مستحيل التفكير بها، أولاً إضافةً لما قدمه الزميل نذير الحموي، الديمقراطية هي سمة أساسية من سمات الدولة القومية وهذا مُثبت في كتاب نشوء الأمم لأنطون سعادة، هذا من جهة، إضافة للمفهوم، وميدانياً كنت أتمنى على زيادة أن يقدم أمثلة على استحالة أن يفكر الحزب بالديمقراطية، فقبل 1955 هناك أمثلة كثيرة عندما كان متاحاً لنا خوض معترك العمل الديمقراطي الحزبي والنيابي وكان في طليعة من مثّل الحزب في المجلس النيابي الأستاذ عصام محايري، الحسواني في حلب، وبديع إسماعيل في داريا، والأمثلة كثيرة. وفي الأردن عدة أمثلة، وفي لبنان حيث نموذج العمل الديمقراطي والبرلماني فلم يتخلّف الحزب عن خوض الحياة الديمقراطية على الساحة اللبنانية في يومٍ من الأيام.

بسام شلبي:

أتفق مع المحاضر على أن فكرة الديمقراطية نشأت مع نشوء الأحزاب، وهي كانت أزمة حزبية تنظيمية ثم تبعتها أزمة الممارسة، لكنه وصل لاستنتاج غريب عندما قال في نهاية الصفحة الرابعة بأن الوحدة أطاحت بما بقي من إرث ديمقراطي، أي إرث ديمقراطي إلا إذا كنت تقول في تحليلك أن هناك أزمة وتستثني فترة بسيطة فترة 54-58 وهي لم تكن بريئة من كل العيوب التي قلتها عن كلِّ المراحل السابقة، كما أن تلك الفترة الزمنية بذاتها لا يمكن أن تشكل إرثاً في حياة الشعوب، إذ هي  فقط كانت مرحلة متميزة، فإما أنك وقعت في تحليلك في تناقض، وإما أنك أردت تحميل الوحدة جريمة هي منها براء، ثم تقول كنا نتمنى أن تقوم الوحدة على أساس المشاركة والتعددية إلا أنها حملت بذور فشلها من يوم تأسيسها ووضعت الوحدة الاندماجية هدفاً لها، المشكلة أننا نريد وحدة وانتقال إلى الديمقراطية دون أطر نظرية، واليوم أخشى أن ننتقل إلى الديمقراطية دون أن يكون هناك أطر نظرية للديمقراطية، كل الثورات الكبرى قامت على تأطير نظري مسبق. وشكراً.

حمدان حمدان:

المحاضرة بدأت بمستويات ثلاث، المستوى الأول هو مستوى الأحداث ومستوى الظرف ومستوى البنية، أما أنا فسأستجير بمستوى الظرف، فعندما نتحدث عن الأحزاب السورية بالمعنى المطلق كما أشار الدكتور سلامة، فهذه الأحزاب هي وليدة زمن عثماني وإنكليزي وفرنسي، أما أن نقول أن الديمقراطية مفقودة منذ الكتلة الوطنية، فأعتقد أن في ذلك تحميلٌ للمرحلة ما ليس فيها، يعني الكتلة لم تكن كتلة جان جاك روسو، هناك أحزاب نشأت خلال هذه الفترة لا تعد ولا تحصى، البرلمان السوري اشتمل على أحزاب وشخصيات مستقلة تمثل نخب وشرائح وكتل طبقية مختلفة، وإلا كيف نفسر أن حزب البعث بدأ بواحد وانتهى بـ17، كيف يمكن أن نفسر وجود أربع نواب الآن للحزب السوري القومي كما قال أحد الأخوة قبل قليل، الأحزاب في العشرينات والثلاثينات كانت تقارع وجود استعماري وبالتالي نظرتها كانت هي للمسألة الوطنية الجبهوية الوحدوية، إضافة إلى وحدة الطوائف ووحدة العقائد في مواجهة المستعمر.

شوقي بغدادي:

الديمقراطية نظام اقتصادي اجتماعي ولا تتعلق بشخص، وغياب الديمقراطية عن سورية كان قديماً جداً، والكتلة الوطنية ليست سوى وريث لتقاليد قديمة ومتابعة لها، وباعتقادي لو أن أحزاب أخرى غير البعث استلمت الحكم في سورية لفعلت ما فعله حزب البعث، وأعتقد أن الحزب الشيوعي أو السوري القومي أو الإخوان لو استلموا الحكم لطبقوا مبادئهم وأفكارهم، ولو استلم رياض سيف الحكم وأقام ديمقراطية من يضمن عدم تحرّك الجيش، أنا خائف من الديمقراطية لأنها لو حصلت سيقوم انقلاب.

لا تحلموا في سورية أن تأتي الديمقراطية من خلال النصائح والمواعظ والأماني، لن تأتي إلا بالوعي، لن تأتي بالتعصب المتدين إذا بقي متزمتاً، والشيوعي إذا بقي ستالينياً، والبعثي إذا بقي متمسكاً بأن العروبة هي أمُّ الدنيا، فليس هناك ديمقراطية, في العالم العربي هناك الأرمن والشركس والأكراد ولهم حقوقهم مثل العرب، هذا الوعي موجود عندنا، وأنا خائفٌ غداً في العهد الديمقراطي أن يأتي جنرال بدبابة ثم يحتل الإذاعة والتلفزيون ونعود لأكل الخرى من أول وجديد، الديمقراطية لن تُبنى إلا على مصالح حقيقية وهي لن تُبنى إلا على  التنمية، في الدول الغنية لا توجد ديكتاتورية، الدكتاتورية في الدول الفقير، إذاً تخلّصوا من الفقر تتخلصوا من الديكتاتورية.

د.فيصل كلثوم:

ما يُطرح يجب أن تُدافع عنه الأغلبية بشرح تفصيلي، وخمس دقائق لا تكفيني. في البداية لا أدّعي أن الأغلبية في سورية معصومة عن الخطأ أو أنها لم ترتكب أخطاء، ولا عيب في ارتكاب الخطأ، لكن النقد والمراجعة مسألة أساسية، وأعتقد أنه ضربٌ من الديكتاتورية أن تُطرح عليك ورقة كبيرة وليس لديك الوقت لمناقشتها، لا نختلف نحن في حزب البعث وأنا منه على المسألة الديمقراطية، لكن نختلف بوجهة النظر حول هذه المسألة، كيف وما هي، الباحث ناقش الحياة السياسية في سورية بثلاث أرباع الساعة، وفي علم السياسة لا يجوز أن نضع مثل هذه الورقة دون أن نُثبت هذه الورقة بشواهد وإثباتات سيّما في الإرث السياسي الذي قد يمس التاريخ والتوجهات، وقد يمس الأشخاص، وهذا يحتاج إلى إثباتات، ولا يمكن في محاضرة أن نُلقي الأحكام جزافاً على مجموعة من الحياة السياسية متعددة الأطياف منذ الاستقلال حتى هذا التاريخ، هذا بداية. ثانياً: الربط الخطير بين الجبهة الوطنية التقدمية التي يعززها الدستور (وقد أخذت شرعيتها منه) وبين حزب البعث، يا سيدي يجب أن تعلم وأي قارئ سياسي في العالم لا يستطيع أن يُنكر حقيقة أن حزب البعث العربي الاشتراكي لم يُنشئ هذه الأحزاب وإنما كان مُظهراً لها، لقد كانت موجودة على هذه الأرض وناضلت ولم يُنشئ حزب البعث الحزب الشيوعي أو الأحزاب الناصرية، وإنما أقرَّ بوجودها، ومنذ ثلاثين عاماً تحاورت تلك الأحزاب من أجل الوصول إلى صيغة وطنية، وهذا إقرار من حزب البعث العربي الاشتراكي بعدم الانفراد بالسلطة، فهل ننسف هؤلاء كلهم، ونتنكر لنضالهم وهم لهم تاريخهم النضالي شئت ذلك أم أبيت ولهم جماهير، ولست أنا مدافعاً إلا عن تاريخهم لأن حزب البعث لم يكن سوى مُظهراً لهذه الأحزاب، أي أنه أقر بحقيقة وجودهم ولا يجوز الحكم على هؤلاء بهذا الشكل، فهؤلاء لهم برنامج وطني، والسيد رئيس الجمهورية قال لجماهير الشعب وجماهير الأمة العربية، بأنه يجب إعادة النظر في هذه الجبهة، هذا الإقرار من قِبَل مَن مُنِحَ الثقة من الشعب بطريقة ديمقراطية، يعني أن هذه الإشكالية مطروحة للتداول، إذاً هذا الأمر منطلق بشكل تسلسلي، من الجريمة بمكان- وأنا أحترم الجهد الخلاق في وضع هذه الورقة- أن تحاكم الجبهة الوطنية التقدمية بهذه البساطة وبهذه الطريقة.

من جانب آخر، يجب أن نعلم أن لدينا دستور، وهذا الدستور إذا كنت قرأت تاريخ سورية السياسي، يجب أن تعلم أنه الدستور الأول الذي اتصف بالديمومة والذي تمَّ استفتاء الشعب عليه، وأذكّر من يتنكر لبعض المسائل، وأنت يجب أن تكون متابعاً للإحصاءات السياسية في الدول الليبرالية، مع أنني أختلف معك في التأسيس الليبرالي الذي لا يخدم القضية الوطنية، أقول لك إذا تتبعت الانتخابات في الدول الغربية ستجد المشاركة تتراوح بحدود 36%، إذاً هذا الدستور الذي بين أيدينا ولا أدعي أنه كامل، الكمال لله وحده، ممكن أن يُعدّل هذا الدستور. الدستور حالة استجابية لما هو موجود من ظرف اقتصادي واجتماعي، كما أنك استبعدت المسألة الأخرى والأخطر وهي الصراع العربي الصهيوني وأثره على الموقع السياسي في الوطن العربي وعلى سورية بشكلٍ خاص، رغم أنك، هذا ويجب أن تعلم، وأرجوك أن تعلم، أنه لا يزال يمثل المسألة الأساسية، وما هو مطروح اليوم بين المثقفين هو ثقافة المقاومة المقدّمة على الديمقراطية.

الأمر الآخر، أرجو أن نعترف جميعاً بأن لا أحد يمكنه أن يخفي الحقيقة، وكما قال رياض سيف، إن حزب البعث هو حزب الأغلبية، وإذا أردنا أن نكون بنائين فيجب أن نتحاور مع هذه الأغلبية بما يعزز البنيان الوطني.

د.ناصر عبيد الناصر:

أسعد الله مساءكم، استمعت باهتمام شديد لمحاضرة الدكتور رضوان زيادة والذي بذل جهداً مشكوراً فيه حسٌ وطني وانتماء، ويُلاحَظ أنه كان منصفاً من جهة عندما تحدث عن النهج الجديد الذي رسمه الرئيس بشار وعن المكتسبات التاريخية التي حققها الزعيم الراحل حافظ الأسد لاسيما الفكر القومي الذي يُؤسس الحياة الديمقراطية، لكنه أيضاً كان متجنياً منحرفاً، لأنه قال أن حزب البعث لم يختلف عن باقي الأحزاب الأخرى، وأقدّر أن لكلِّ حزبٍ خصوصيته ويتميز كل حزب عن الآخر بمنطلقاته النظرية والفكرية ومبادئه إلى ما هنالك، والسؤال الذي يطرح نفسه في وقت اختفت فيه أحزاب ثورية عن الساحة السياسية، لماذا بقي حزب البعث على الساحة، أنا أعتقد أن سر استمرارية حزب البعث تكمن في مشروعه القومي، ولأنه حقق توازناً بين ما هو ديمقراطي وما هو مركزي، وبين ما هو مادي وما هو روحي. السلطات الثلاث التي تحدث عنها الدكتور رضوان، أنا أعتقد أن أكثر ما نعتز به كحزب بعث أننا بنينا مؤسسات وهذه المؤسسات: السلطة الدستورية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، وسياسة الإصلاح الآن تستهدف وضع حدود وفواصل بين السلطات الثلاث مع تفعيل السلطة الرابعة وهي الصحافة.

من أين نأتي لك بأحزاب؟ هل نستورد أحزاب من الصين أم من السماء؟ والأحزاب التي كانت في سورية انضوت في إطار الجبهة طواعية، وكما ذكر الدكتور فيصل هذه الأحزاب لها تاريخ.

الأمر الآخر، تحدثت عن سياسة الولاء بدلاً من سياسة الكفاءة، وأتفق معك أنه في مرحلة من المراحل حلَّ الولاء محل الانتماء ومرحلة الإصلاح، ومرحلة التطوير والتحديث ضمن الاستمرارية تدخل إلى أمرين، وهذا ما وجّه به الرئيس بشار القيادة الحزبية، أريد من أيّ إنسان بعثياً كان أم لا، أمرين: عنصر الكفاءة وعنصر النزاهة.

الأمر الآخر أنت تبشّر بمرحلة جديدة، وفعلاً هناك مرحلة جديدة وأكبر دليل أنها وفرت لنا مناخاً لنجتمع معاً.

وأخيراً أنت متناقض جداً، من جهة تبشّر بمرحلة جديدة، ومن جهة أخرى تقول بأنه تحول إلى عبء، بأي حال، هو ليس عبئاً لأنه أنجز مكتسبات. وشكراً.

أصلان عبد الكريم:

شكراً للمحاضر، وأنطلق من أن غاية الحوار في العادة هو خلق تراكمات للتقرب من الحقيقة والصواب، وعن هذه الطريقة يقول طاغور إذا أغلقنا كل أبواب الخطأ فمن أين تدخل الحقيقة، وطالما أن الحوار مقارعة الحجة بالحجة والواقع بالواقع فقد كان طبيعياً أن نتحاور مع البعث لأسباب عديدة ليس أقلها إطلاقاً أنهم في موقع القوة والسلطة، لكنني مضطر للالتزام بآداب الحوار، الكتابة قوة ومن آداب الحوار الالتزام بالنص، أقول كما ذكر بعض المداخلين قبلي، هذه المحاضرة هي نسيج وصفي وليس نسيج تحليلي، كل ما قاله المحاضر لا يمكن فهمه كما قال الدكتور سلامة خارج السياق الزماني والمكاني المعاصر، إذا لم يتواصل الداخل مع الخارج فمن المستحيل فهم ماذا يعني النظام الشمولي، ومن المستحيل فهم ماذا يعني القمع المعمم هذا الذي نشأ مع كل الثورات الكبرى في التاريخ، 1789-1919 وكذلك الثورة الإيرانية في نهاية المطاف، كل الثورات البرجوازية، القومية، الاشتراكية، الدينية، تمر ومرت بنمط من الأنظمة العميقة المعممة، وكما يقول مارامن سان جورج، نحن لا نمارس استبداد الحرية وعلى الدكتور سلامة وأساتذة علم الاجتماع والفلسفة، أن يفكّوا هذا التناغم الجميل بين الاستبداد والحرية في عبارة مارامن، هذا أولاً، ثانياً، طبعاً عنوان المحاضرة كان رائعاً، والنقد حتى يكون فعالاً يجب أن ينطلق من الجذر، وكي لا يلدغ المرء من جحر مرتين علينا أن نضع الأمور الظاهرة، وأن نسلط عليها أقصى ما نستطيع من المعرفة والضوء ليبدوا واضحاً ساطعاً لكل ذي عين، بهذا المعنى بالضبط أقول أن مأزقنا هو النظام الشمولي السياسي في سورية، وخلاصنا من هذا المأزق ببساطة هو تفكيك هذا النظام الشمولي السياسي في سورية. بعد ذلك نتناقش ونحن هنا كي نفعل ذلك. في الإجراءات وفي الأدوات، هل يتم من فوق؟ كما بدا الآن في سورية، هل يتم من تحت؟ هل يتم بالتعاون بين فوق وتحت؟ يجب الاتفاق على جوهر الأزمة وجوهر تجاوزها، هذه الأزمة نشأت خارجياً والخلاص منها يكون خارجياً أيضاً. أما فيما يتعلق بوجود أجنحة في السلطة لديها إرادة التغيير، أرجو أن يُفصحوا، أن يُمؤسسوا، أن يشرعنوا، نحن هنا موجودون بإرادة، لا بقانون ولا بشرع ولا بمؤسسة، ومع ذلك هذه الإرادة جيدة، ولكن ينبغي أن تشرعن نفسها، أن تُمؤسس نفسها، أن توضح نفسها إذا أريد الاتفاق ما بين وتحت، ما بين أصحاب القوة والنفوذ والسلطة وما بيننا نحن الذين لا نملك شيء سوى ألسنتنا (هرج).

حسن صالح:

أشكر السيد المحاضر على السرد التاريخي للواقع السياسي في سورية، وأحب التأكيد على نقطة قالها وهي الحفاظ على المكتسبات القومية كما قال، أنا معه في ذلك ومع الابتعاد أيضاً عن الخطاب القومي الذي تجاهل الأقليات القومية الأخرى، وأنا كمواطن كردي أطرح عليكم مشكلتي، مليون كردي يعانون التجاهل، هؤلاء لهم تاريخ عريق على أرضهم في شمال وشمال شرق سورية، واُدخلوا في سورية منذ اتفاقية سايكس بيكو، وهم لم يبخلوا في التضحيات الجسيمة في الجزيرة وفي دمشق.

(هرج ومقاطعة).

د.يوسف سلمان:

بداية أودُّ أن أشكر المحاضر على ما قدم، وأرجو من الأخوة جميعاً أن يتسع صدرهم للحوار مهما كان الاختلاف، كلُّ ما أرجوه هو أن نعمق ثقافة الآخر، وأن نعوّد أنفسنا الاستماع للآخر، وأحب أن أؤكد أنه حين يوجد الكمال والالتحام يوجد التخلف، إن مجرد الشعور بذلك هو بداية التخلف، والشعور بالنقص هو بداية التقدم، أرجو أن نؤكد على هذه المقولات، وأرجو أن يؤكد الجميع على أن الهدف من هذا الحوار هو حوار انتقادي بعيد عن الاستفزاز والتجريح، فما نريده هو أن نرسي ثقافة حوارية بعيدة عن التشفي ونحن في زمنٍ أحوج ما نكون فيه إلى تضافر كل الجهود الإيجابية من أي موقعٍ أتت.

فيما يتعلق بالمسألة الديمقراطية عندنا، بصورة أو بأخرى نحن نتعلّم الديمقراطية، نحاول أن نؤسس لعمل ديمقراطي، ولكنا ندرك أن الديمقراطية عندنا لن تتحقق بضربة واحدة فهذا واضح، ولكننا نريد خلق تنافس حقيقي يُشرك جميع أبناء الوطن في عملية البناء الوطني بحيث نخلق دولة تكون فعلاً دولةً للجميع، ونحن لا ننكر على أحد إطلاقاً حقه الكامل في عملية البناء هذه، ولكن نريد من الأخوة أن يتعلموا ويسمعوا الآراء مهما اختلفت مع قناعاتهم. ربما في جلسة مقبلة سنُصغي بشكل أفضل من هذه الجلسة، وهذا أمر لابد أن نراكم من أجله قضايا وقضايا، لذا أتمنى من الأخوة الذين ينفعلون أحياناً أن يتخذوا من الرؤية منهجاً لهم لعلَّ في هذا الفائدة .. كل الفائدة. وشكراً لكم.

(تجاوز وقت المداخلات والتعقيبات الثلاث ساعات مع فترات من المقاطعة والحوارات الثنائية الحادة، لذا لم يُتح للمحاضر أن يعقّب أو يردَّ على الأسئلة الكثيرة التي طُرحت عليه بعد أن تجاوزت الساعة الثانية عشرة ليلاً، وإن دلَّ ذلك على شيء فإنما يدل على مدى رغبة الجميع مؤيدين ومعارضين في الدخول في حوارات حول قضايا مصيرية تتعلق بمستقبل سورية بتاريخها).

حركة السلم الاجتماعي*
“مبادئ أولية للحوار”

تتوقف قدرة الإنسان على التفكير السليم والإنتاج والإبداع على مدى توفر الشروط النفسية والصحية المناسبة، بعيداً عن الخوف من الحاضر والقلق على المستقبل، بعيداً عن الفقر والجوع، بعيداً عن الكره والضغينة، بعيداً عن الإحباط والشعور بالظلم، ليتمتع بالرضى والقناعة، وتغمر السعادة جو الأسرة، والألفة جو العمل، في مجتمع يكفل له حقوقه ويبادله الاحترام، ودولة تحميه من تعديات الآخرين وتخفف عنه نازلات القدر. هذا هو الإنسان المواطن الذي يشكل خلية سليمة في جسم المجتمع… المجتمع القادر على بناء الدولة العصرية القوية والمزدهرة. أي أن كل شيء في الوطن يجب أن يكون مسخراً لهذا الإنسان ـ المواطن كي ينمو نمواً حراً، تتفتح فيه ملكاته وتتفجر إبداعاته. فحق الإنسان على وطنه أن يوفر له كل ما يحقق إنسانيته ويعبر عن خصوصيته من خلال منافسة حرة ونزيهة مبنية على تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

فعلى مدى أكثر من أربعين عاماً شهدت بلادنا الكثير من التطورات التي أفضت بصورة متدرجة إلى غياب أشكال التعبير الحر الديمقراطي لأغلبية المواطنين، وإلى انفراد مجموعة محدودة جداً بالقرار السياسي ما لبثت أن احتكرت كل النشاطات الأخرى الاقتصـادية والاجتماعية والثقـافية والإعـلامية، فاختل التوازن في المجتمع الذي أصابه العقم، وأصبح عاجزاً عن تجديد نفسه، وتوقف عن النمو الطبيعي وباتت الأكثرية المهمشة تعيش حالة من الإحباط والفقر، وانتشر الفساد والبيروقراطية، وضاعت الحقوق وغابت الحياة عن بهجتها. وإن تفاقم هذه المشاكل بات يهدد بنية المجتمع السوري مما يستدعي إيجاد حلول سياسية واجتماعية واقتصادية حتى نتفادى تفجر المتناقضات التي باتت تضغط على كل مفاصل المجتمع.

وفي هذا الإطار تأتي حركة السلم الاجتماعي مستهدفة طرح جملة من المبادئ والأفكار إسهاماً منها في التصدي للمشكلات السياسية والاجتماعية وما يرتبط بها وما يتفرع عنها بقصد استعادة السلم الاجتماعي المبني على إعادة التوازن بين كل فئات المجتمع وتوفير المناخ الذي يحرضها على تحسين أدائها في كل مجالات الحياة.

إن مهمة بناء السلم الاجتماعي تتطلب العمل في المجالات التالية:

السلم الاجتماعي بين الفئات العرقية والدينية:

يمتاز الشعب السوري بتعددية عرقية ودينية لكون سورية مهداً للأديان السماوية والحضارات القديمة. كما أنها كانت على مدى التاريخ حضناً وملاذاً لمهاجرين لجئوا إليها هاربين من ظلم لحق بهم في بلدانهم أو طلباً للعيش الهانئ والرزق الوفير لكثرة خيراتها ورحابة صدر أهلها. فنتج عن ذلك لوحة فسيفسائية جميلة تنوعت ثقافاتها وأنتجت أجيالاً متآلفة تمتعت بالإبداع والحيوية والتنوع الحضاري. وكي يبقى هذا التنوع ميزة إيجابية ومصدراً من مصادر قوة الشعب السوري يتوجب علينا العمل الدائم للحفاظ على جمالية تلك اللوحة من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة توفر لكل فئة المناخ الضروري الذي تتألق فيه خصوصيتها وميزاتها التي هي مبعث افتخارها. فتساهم في إغناء وتطوير الوطن المشترك الذي يشكل الإطار المقدس الذي يحتضن كل الفئات، وأن نتوخى الحذر الشديد من أن يفسد علينا الجهل أو مكائد الأعداء ميزة هذه التعددية ويحولها من نعمة إلى نقمة تثير الفتن وتعكر صفو شعبنا وتضعفه.

ومن أجل قطع الطريق على الجاهلين والأعداء يتوجب علينا بناء سلم اجتماعي على درجة عالية من الوعي الجماعي بين كل فئات المجتمع، أي أن نشر السلم الاجتماعي واجب وطني مقدس.

السلم الاجتماعي بين المواطنين ومؤسسات الدولة:

لقد تعرضت العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة السلطوية إلى تشوهات خطيرة نتجت عن استئثار فئات ضيقة بالسلطة احتكرت لنفسها المكاسب والمغانم على حساب الأكثرية، مستخدمة كل أنواع القمع والتخويف لكبت نقمة الفئات المهمشة والمتضررة وضمان استمرار احتكارها ومغانمها. فسنت الكثير من القوانين المفصلة على قياس مصالحها لتخدم أهدافها من جهة وتجعلها سيفاً مسلطاً على رقاب كل من يعترض على سياستها الاحتكارية وممارستها المشينة من جهة أخرى. وأصبح كل مواطن مداناً بجرم أو أكثر كلما حلا للسلطة ذلك، فتنازل المواطن عن حقوقه المشروعة برضى ظاهر يكمن خلفه نقمة واستياء شديدين. وإن هذا الجو من انعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة يجعل الأكثرية تعيش حالة من الإحباط فتتلاشى قواها ويتدهور أداؤها، فيختل توازن المجتمع وتنكفئ قيمه النبيلة وتنتشر الأنانية وتختل الموازين. لأن شعباً خائفاً يعيش فوضى اجتماعية واقتصادية لايمكن أن يعمل أو يبدع بشكل طبيعي لينتج حضارة ودولة عصرية، والتي لا يمكن تحقيقها إلا بإقامة السلم الاجتماعي بين مؤسسات الدولة وأجهزتها من ناحية وبين مواطنيها من ناحية أخرى، وذلك من خلال علاقة شفافة عادلة تحترم فيها وتصان كل حقوق المواطنة، وتبنى على قاعدة من تكافؤ الفرص والمنافسة النزيهة التي يضبطها القانون.

السلم الاجتماعي في علاقات الحياة اليومية:

يتشكل المجتمع من مجموعة فئات يمكن تصنيفها حسب المهنة التي تمارسها أو الفئة العمرية أو غيرها من العوامل المشتركة، وكل هذه الفئات أطراف أساسية في المجتمع تشكل بمجموعها شركاء في تبادل المصالح الاقتصادية والاجتماعية. ويهدف السلم الاجتماعي إلى تحويل مفهوم هذه العلاقات من علاقات صراع متشنجة بين المصالح إلى علاقات متوازنة يسودها الاحترام المتبادل انطلاقا من أن كرامة كل فرد مقدسة لاإنتقاص منها.

ولا بد من التأكيد هنا على ضرورة التخلص من الهيمنة الأبوية في العمل السياسي وفسح المجال للأجيال الشابة لتأخذ دورها كاملاً في صنع حاضرها ومستقبلها وتوظيف إمكاناتها العلمية والعملية للمساهمة في إدارة الدولة وتحديثها والاشتراك الفاعل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للتخلص مما تراكم من سلبيات خلال العقود الماضية والذي كان من أسبابه تهميش دور الشباب في عملية البناء.

أما الحقوق المتبادلة فتنظمها بكل وضوح وشفافية قوانين تحدد الحقوق والواجبات فلا تدع منه لطرف على آخر ولا مجال لانتقاص طرف من حقوق الآخر وتعمل على خلق جو محبب من التسامح والكرم المتبادل بدلاً من التناحر والكراهية وتراكم الأحقاد كما تخلق مجتمعاً يشعر كل مواطن فيه بالمسؤولية تجاه أطفاله، ومسنيه، ومرضاه، وأصحاب الحاجات الخاصة من أبنائه، كما يشعر بالفخر والاعتزاز بالمتفوقين من أبنائه ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية ويساهم بدعمهم المادي والمعنوي لتطوير مواهبهم وتوظيفها بالشكل الأمثل كما يفتخر بكل سبق يحققوه على الصعيد الدولي. ويبني جسور المحبة والتواصل مع أبنائه المهاجرين في الخارج لتشجيعهم على المساهمة في عملية بناء وتحديث الدولة.

تطوير الحياة السياسية السورية

ارتبط نشؤ الأحزاب السياسية في تاريخ سورية المعاصرة بهيمنة فئات اجتماعية محددة اعتبرت الحزب السياسي وسيلة لتحقيق مصالحها على حساب الفئات الأخرى. وقد تبنت بعض هذه الأحزاب خطاباً عقائدياً جامداً لم تملك المرونة لتجديده، مما جعل نشاطها يقتصر على فئة اجتماعية محددة ويبقى عاجزاً عن استقطاب الفئات الأخرى ولا يعبر عن مصالح المجتمع ككل الأمر الذي أدى إلى تهميش وإقصاء أغلب فئات المجتمع السوري عن النشاط السياسي. فمنذ أن أقرت الكتلة الوطنية، التي كانت تمثل أعيان دمشق، ما سمته “المبادئ الأساسية” في تشرين الثاني عام 1932، اعتبرت نفسها التيار السياسي الوحيد القادر على التعبير عن تطلعات المجتمع ككل وقيادته. أي أنها بدأت تنطلق من احتكارها للسلطة، الأمر الذي حرض أعيان حلب على تأسيس حزب الشعب مما رسخ تقليد تمثيل الحزب السياسي لفئة أوفئات تنتمي إلى بنية اجتماعية محددة. وأدى إلى بروز الصراع الاجتماعي في الحياة السياسية، حيث نشأت الأحزاب القومية واليسارية والدينية التي اعتبرت كل منها نفسه صاحب الحق الأوحد في قيادة الدولة والمجتمع وعمل على تهميش أو استئصال التيارات السياسية الأخرى.

هذا الصراع الذي أخذ أشكالاً عقائدية أو فئوية جعل النشاط السياسي عاجزاً عن إقامة السلم الاجتماعي المبني على التوافق بين غالبية الفئات والشرائح الاجتماعية، وحرم البلاد من تحقيق تنمية مستدامة، مما أدى إلى هشاشة في مؤسسات الدولة وسهل نجاح الانقلابات العسكرية بعد أن جعل الجيش جزءاً من الحياة السياسية مما قاده إلى الانحراف عن مهماته الأساسية.

وقد ينطبق ذلك بدرجة أقل على فترة الصعود القومي والتي تميزت بظهور الكاريزما الشخصية للزعيم على حساب المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية. وأدى إلى استئثار حزب الزعيم بالسلطة كقائد للدولة والمجتمع. الأمر الذي انتهى إلى انفراد حزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة معطياً نفسه حق قيادة الدولة والمجتمع من خلال خطاب قومي يحمل في طياته نزعات يسارية ليقصي عن ساحة العمل السياسي كل التيارات الأخرى مما حجب عامل المنافسة الضرورية لتحريض المجتمع على إعادة بناء نفسه بما ينسجم مع المتغيرات وضرورات المرحلة الجديدة. من كل ما سبق يتولد لدينا الإيمان بضرورة انبثاق خطاب جديد يحول الصراع الاجتماعي بين الفئات المتنافسة والمتناحرة إلى سلم اجتماعي يتيح لجميع هذه الفئات والأحزاب أن تتنافس في إطار الوفاق الوطني بما يخدم تحقيق نموذج التنمية المستدامة ويساعد على بناء مؤسسات الدولة الراسخة القادرة على الاستمرار بمهامها الأساسية رغم تبدل السلطة التي تحكم البلاد والتي يجب أن تأتي من خلال النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.

يعتمد خطاب حركة السلم الاجتماعي على مفاهيم ثلاثة تشكل مرتكزاته الرئيسية وهي:

1 ـ مفهوم المواطنة والانتماء الوطني

2 ـ مفهوم حقوق الإنسان

3 ـ مفهوم المجتمع المدني

المواطنة والانتماء الوطني:

إن الإنسان المواطن الذي يشكل خلية سليمة في جسم المجتمع لا بد أن تسخر له كل المعطيات الضرورية لينمو نمواً حراً تنفتح فيه ملكاته وتتفجر إبداعاته ويعبر عن خصوصيته في إطار من المساواة بينه وبين بقية المواطنين للانطلاق إلى حياة مشتركة يبني فيها الجميع مجتمعاً يوفر الخير لجميع أفراده.

إن المواطنة تمثل العنصر الجوهري المشترك بين كل الأفراد المنتمين إلى وطن واحد حيث تعبر عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يتحكم بسلوك الجميع من حيث هم كائنات سياسية. فهي تعبير عن وعي راق يتجاوز كل أشكال الوعي الطائفي والعشائري والجهوي والقبلي والعائلي والمناطقي. أي أنها التجرمة السياسية والاجتماعية لتمتع الفرد بحقوق مع غيره من المواطنين وتأديته لواجبات متساوية معهم. فتكون المواطنة بذلك هي المفهوم الذي لا نهوض للدولة والمجتمع دونه.

حقوق الإنسان:

تنضوي تحت مفهوم حقوق الإنسان علاقة المواطن الفرد بالدولة ويتأسس وفقه خطاب المساواة للجميع أمام القانون ويفسح المجال لجميع المواطنين كي يضمن تحقيق حرياتهم وممارسة حقوقهم بما يقتضيه مفهوم حقوق الإنسان بمعناه العام والشامل. وبذلك يكون مفهوم حقوق الإنسان اللبنة الأساسية في عملية التنمية الشاملة، طالما أن التنمية هي عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان والتوزيع العادل للفوائد الناجمة عن التنمية وبالتالي تصبح حقوق الإنسان هي الحقوق والمطالب التي لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع يعيش مخاض عملية تنموية شاملة.

المجتمع المدني:

تشكل مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية بمختلف نشاطاتها عامل التوازن مع مؤسسات الدولة، حيث تكملها وتحرضها على تحسين أدائها وتشكل الآلية الضرورية لمراقبتها. كما تعتبر مؤسسات المجتمع الأهلي بكل نشاطاتها الخيرية والثقافية جزءاً هاماً من مؤسسات المجتمع المدني مؤهلة لتوسيع مجال خدماتها من فئة معينة لتشمل باقي فئات المجتمع.

وعلى ضوء هذه المفاهيم الأساسية يمكن قراءة البرنامج التفصيلي لحركة السلم الاجتماعي الذي يشكل برنامج عمل متكامل يتحقق بكوادر بنّاءة طموحة تسعى لخدمة هذا الوطن وتحقيق رفعته ومناعته لذلك يمكن تقسيم البرنامج المذكور وفق المجالات العامة التي نسعى لبلورة الجهود وفقها.

البرنامج السياسي:

ويشكل الفضاء السياسي الأعم الذي نرغب بتحقيقه من خلال عدد من الضمانات أهمها:

1 ـ انتخاب سلطة تشريعية تمثل كل فئات المجتمع من خلال انتخابات حرة وفرص متساوية لجميع الأحزاب والقوى السياسية، تجري تحت إشارف السلطة القضائية.

2 ـ استقلال السلطة القضائية التي تكفل بنزاهتها واستقلالها الأمن والعدل لجميع المواطنين.

3 ـ اعتبار حرية الرأي والتعبير والتظاهر والتنظيم والتجمع السلمي من المقدسات التي لا يجوز مسها أو انتقاصها.

4 ـ الفصل بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، بما يكفل لكل سلطة ممارسة دورها وفق الإطار المحدد لها مسبقاً دون تجاوز أو خروقات تؤدي إلى تعطيل وظائفها أو عرقلة نشاطات غيرها.

ومن أجل تحقيق الضمانات الأربعة المذكورة لابد من توفير المتطلبات المرحلية التالية:

ـ إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وجميع المحاكم الاستثنائية.

ـ تشكيل جمعية تأسيسية تعمل على صياغة دستور جديد للبلاد ينسجم مع الاحتياجات الراهنة والمستقبل المنظور، يطرح على استفتاء شعبي.

ـ يشكل الحكومة الطرف السياسي الذي يملك الأكثرية في مجلس الشعب.

ـ انتخاب المجالس المحلية بالاقتراع الحر وانتخاب المحافظين بالاقتراع الحر والمباشر، واعتماد مبدأ اللامركزية عبر توسيع صلاحيات مجالس المدن والبلدات.

أما بالنسبة للسياسة الخارجية، فيجب الاستمرار في التأكيد على كون الصراع العربي الإسرائيلي هو قضية مصيرية لسورية يجب أن يسخر لها كل ماهو ضروري من وسائل حتى نصل إلى سلام عادل وشامل يضمن كافة الحقوق السورية والعربية التي أقرتها قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة مع الأخذ بعين الاعتبار أن بناء الدولة السورية القوية بمشاركة كل أبنائها من خلال نظام ديمقراطي يشكل أحد أهم العوامل التي تساعدنا على استعادة أرضنا وحقوق شعبنا.

ـ الاستمرار في تطوير وتوثيق العلاقات مع الدول العربية الشقيقة باعتبارها المجال الحيوي الأهم بالنسبة لسورية والعمل على بناء علاقات ودية مع الدول المجاورة والصديقة مثل تركيا وإيران ودول الاتحاد الأوروبي بما ينسجم مع تحقيق مصالحنا المشتركة مع تلك الدول متجاوزين تأثير السلبيات التي حصلت في الماضي عبر فتح صفحة جديدة تعتمد على الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل. بالإضافة إلى إقامة علاقات ودية مع بقية دول العالم بما يخدم مصالحنا الاقتصادية والسياسية.

البرنامج الاجتماعي:

إن أي برنامج اجتماعي يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار والحقوق المدنية للسجناء السياسيين وتعويضهم بشكل عادل عما لحق بهم من أضرار مادية كخطوة ضرورية وهامة على طريق السلم الاجتماعي. وإعادة النظر في كل أنواع الغبن التي مارستها مؤسسات الدولة مع المواطنين من مصادرة للأراضي والعقارات وغيرها، والتعويض لمالكي الأسهم في الشركات التي تم تأميمها بما يعادل القيمة الحقيقية للسهم عند المصادرة، وذلك بغية طي صفحة الماضي والانطلاق نحو مستقبل على قاعدة متينة من السلم الاجتماعي.

إن تحقيق برنامج متكامل للتنمية الاجتماعية يتطلب إعادة هيكلة موازنة الدولة كي تأخذ بعين الاعتبار رصد المبالغ اللازمة للنهوض بكل متطلبات التنمية البشرية في التعليم والتأهيل في كل مرحلة وخدمات الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية وخاصة متطلبات رعاية المعاقين مع التركيز على الاهتمام بالأسرة والحفاظ على تماسكها وإعطاء المرأة بما يتناسب مع أهمية دورها في المجتمع سواء في بناء الأسرة أو في عملية التنمية.

وفي الجانب الثقافي:

تمثل الثقافة العربية الإسلامية المعين الرئيسي الذي ينهل منه جميع مواطني الشعب السوري مما يجعل الحفاظ عليها يمثل جزءاً من المحافظة على هوية المجتمع وأصالته. كما أن إتاحة المجال لازدهار ثقافات الأقليات القومية والدينية تدي أهمية كبيرة في إغناء الحياة الثقافية السورية وتلوينها باعتبار أن ذلك يمثل ميزة قلما تتوفر لدى الشعوب الأخرى. يضاف إلى ذلك ضرورة الانفتاح والتواصل مع ثقافات المجتمع الأخرى حيث أن الثقافة ملك البشرية جمعاء تغتني وتتطور بها. ولذلك نسعى إلى الحفاظ على القيم الروحية التي يجب أن تحظى بكل الاحترام والتقدير كونها تمثل جزءاً رئيسياً من ثقافة الفرد والمجتمع، وتعزيز دور الفنون بكل أشكالها، والاهتمام بالآثار والأوابد التاريخية بما يتناسب مع قيمتها الحضارية والسياحية.

البرنامج الاقتصادي:

تعرض الاقتصاد السوري منذ التأميم إلى تشوهات أصابت بنيته الأساسية وبتنا نواجه اليوم اقتصاداً عاجزاً تماماً عن المنافسة يسر نحو كارثة اقتصادية إذا لم تتخذ الإجراءات السريعة لاعادة بناءه بالشكل الذي يتماشى وينسجم مع الاقتصاد العالمي، آخذين بعين الاعتبار كل التحديات القائمة التي تجبرنا على دخول المنافسة، ليس فقط في الأسواق العربية والأجنبية، ولكن دفاعاً عن أسواقنا المحلية أيضاً.

يرجع ضعف الاقتصاد السوري إلى العديد من الأسباب أهمها:

1 ـ الانخفاض الشديد في إنتاجية الفرد العامل في كل القطاعات الاقتصادية والخدمية والإدارية.

2 ـ عشوائية النشاطات الاقتصادية في القطاع الخاص نتيجة قصور الأنظمة والقوانين.

3 ـ تحول القطاع العام الاقتصادي إلى عبئ على خزينة الدولة إذا استثنينا عائدات النفط.

4 ـ تخلف الأساليب المتبعة في الزراعة والري مما يؤدي إلى هدر شديد في الموارد ويلحق أضراراً خطيرة في البيئة.

5 ـ عدم استثمار الميزات السياحية التي تملكها سورية.

6 ـ إهمال احتياجات التنمية البشرية في التعليم وتأهيل الكوادر والصحة والرعاية الاجتماعية.

7 ـ غياب مناخ الاستثمار وبرامج تشجيع الادخار.

8 ـ استفحال ظاهرة الفساد والبيروقراطية.

9 ـ عشوائية التحصيل الضريبي والسياسة المالية للدولة.

10 ـ تراجع الصادرات بسبب ضعف القدرة على المنافسة.

11 ـ التشوهات التي لحقت بالرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية والتي أدت إلى فقدان توازنها مع متطلبات المعيشة.

12 ـ غياب النظام المالي والمصرفي القادر على احتضان وخدمة النشاط الاقتصادي.

ورغم كل النداءات بضرورة الإصلاح الاقتصادي السوري فإن ما يقدم من مقترحات يبقى متهيباً من مواجهة جذور مشاكلنا الاقتصادية وينطلق من مبدأ إصلاح ما هو قائم بينما تدعو الحاجة إلى بناء اقتصاد جديد يعتمد على مفاهيم علمية موضوعية لا بد منها لرفع كفاءة أداء الاقتصاد السوري.

إن بناء اقتصاد سوري جديد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الطبائع البشرية ومكونات ثقافة المجتمع والحالة النفسية لكل القادرين على الإنتاج لنكوّن في سورية مناخاً محبباً ومريحاً للإنتاج ومشجعاً على الادخار والاستثمار من خلال علاقات عادلة ومتوازنة بين كل أطراف الإنتاج مبنية على تكافؤ الفرص ويحكمها مبدأ المنافسة النزيهة. أي إننا بحاجة إلى سلم اجتماعي بين كل الفئات التي تساهم في بناء الاقتصاد الوطني لنتمكن من تفجير الطاقات الكامنة عند كل مواطن وتوظيفها في خدمته وخدمة الدولة والمجتمع.

وإن تحقيق هذا الهدف يتطلب برنامجاً محدداً تتوقف فيه الدولة عن لعب دور التاجر أو الصناعي في مؤسسات الدولة الاقتصادية وتعيد تأهيل العاملين في المجال الإداري والخدمي وتدخل الوسائل الحديثة والمعلوماتية في الإدارة والخدمات وتحول العمالة الزائدة بعد تأهيلها إلى القطاعات الإنتاجية في القطاع الخاص الذي يعاد تأهيله لاستيعابها على مراحل.

إن الخطوات العملية الضرورية للوصول إلى ذلك الهدف تتطلب تقديم إجابات وحلول عيانية للمشاكل المذكورة أعلاه.

خاتمة:

على الرغم من أن ورقة المبادئ هي نتاج عملي الشخصي مع الاستعانة بآراء بعض الأصدقاء وانطلاقا من تجربتي الشخصية في المجالين الصناعي والسياسي، فإنني أعتبر هذه الورقة بمثابة حجر الأساس لبناء عمل جماعي بكل ما في الكلمة من معنى انطلاقا من إيماني بأن أي عمل سياسي يقوم على احتكار فرد أو مجموعة محددة من الأفراد سيظل عاجزاً عن تحقيق أهدافه مالم يفسح المجال للمشاركة الحقيقية لكل الأطراف والفئات التي تلتقي حول أهدافه من خلال الحوار الديمقراطي المنظم والهادف.

لذا أرجو من كل من يهمه الأمر من المواطنين السوريين إبداء رأيه بما ورد في هذه الورقة وتقديم اقتراحات مكتوبة تسهم في تصويب الأفكار وإغنائها لنصل في النهاية إلى الصيغة النهائية لبرنامج حزبي يقترب ما أمكن من الحقيقة والاحتياجات الأساسية للمواطنين انطلاقا من أنه لا أحد يملك الحقيقة وحده.

كما أرجو المعذرة ممن تسببت لهم بالإساءة دون قصد فيما طرحت إيمانا مني بأن من يريد أن يعمل من أجل تحقيق المجتمع الديمقراطي يجب أن يكون ديمقراطياً طالما أن اللغة الوحيدة بيننا هي لغة الحوار السلمي والعلني المترافقة مع حسن النوايا من أجل تحقيق هدف مشترك يتمثل ببناء دولة عصرية قوية وشعب ينعم بالرفاه.

رياض سيف

دمشق، في 31/1/2001

المداخلات والتعقيبات*

الأربعاء 30/1/2001

د0فيصل كلثوم (أستاذ القانون الدستوري والنظم السياسية في جامعة دمشق، عضو سابق في قيادة فرع جامعة دمشق لحزب البعث، وقد انتُخب عضواً في مجلس الشعب عن حزب البعث في الدور التشريعي الثامن [2003-2007] وأصبح رئيساً للجنة الأمن القومي في المجلس): نحن على أرضيةِ ورقةٍ مطروحة للحوار ولا يجوز أن ينتقص أيٌّ منا حق الآخر في أن يطرح وجهة نظره , ولا أن يضيق صدرُ بعضنا في أن يستمع إلى وجهة نظرٍ أُخرى سواءً أكان يؤمن  بوجهة النظر هذه أو لا يؤمن, فما ينقصنا هو التدرّب على هذا, والذي هو مشكلة سياسية بالأصل واجتماعية0

الورقة تدعو إلى إنشاء حزب ليبرالي كما فهمت , ولكن من أهمِّ المسائل التي يجب التوقف عندها هي مسألة وجود الدولة الوطنية والديمقراطية، فلا يمكن لأيٍ منهما أن توجد دون الأخرى, وكلما كانت الدولة الوطنية قوية فإن انفتاحاً أكبر سيحصل في الحياة الديمقراطية وفق الجدلية التي تربط بينهما0

وإليكم المثل التالي:بجوارنا دولة تأخذ بالديمقراطية الغربية وهي الأردن, ولا أحد يستطيع القول أن الأردن هو بلد غير ليبرالي, والمسألة كما نرى ودون تنظير هي أن الأردن ستنتهي إلى كارثة بسبب الصراع الذي يجري تحت اسم الديمقراطية، وذلك لأنها أنهت الدولة الوطنية ,وليلة البارحة طالب أحد النواب الأردنيين كما سمعت , بترحيل الفلسطينيين من الأردن0

وفي الجوار الآخر اللبناني الذي يُطبّق النظام البرلماني التقليدي أيضاً, لم يستطع هذا النظام أن يوحّد الخلافات المذهبية أو الدينية أو حتى ضمن الطائفة الواحدة0

لذلك فادّعاء البيان أن حزب البعث هو أقليّة قولٌ مغايرٌ للحقيقة وللتاريخ, وهذه ورقة لا تخدم مطلقاً إلا من يتربّص بهذا البلد، ذلك أن من يأتي بهذه الدعوة ,إنما يأتي بصكٍّ مصدّقٍ من الأجنبي0

كيف يكون رياض سيف وكيلاً لشركةٍ أجنبية هي أديداس ويريد بنفس الوقت أن يؤلف حزباً ليبرالياً يُقيّد الحرية الوطنية في سورية فهذا أمرٌ خطير ومخيف0

د0 ناصر عبيد الناصر(أستاذ الاقتصاد في المعهد العالي للعلوم السياسية، وقد انتُخب عضواً في مجلس الشعب عن حزب البعث في الدور التشريعي الثامن [2003-2007]): يُثير عنوان (حركة السلم الاجتماعي) العديد من التساؤلات، فهذا الاسم يُطرح عندما تواجه البلاد حرباً أهلية ونزاعاتٍ طائفية وعشائرية وقبلية. ولذلك فحركة السلم الاجتماعي يُمكن أن تصلح للصومال أكثر مما تصلح لسورية ,لأن البيان يخدم بمحتوياته الصومال وليس سورية,التي لديها إرث وطني ولم تعاني لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل من نزاعات , وأكثرُ ما يعتزُّ به السوريون هو الوحدة الوطنية الراسخة والتي هي ثمرةٌ من ثمار الحزب القائد للدولة والمجتمع0

إني اتفق مع سيف أن حزب البعث انفرد بالسلطة منذ العام 1963 حتى العام 1970، ولكن بعد التصحيح تحوّل إلى حزبٍ قائد على قاعدة التعددية السياسية والتعددية الاقتصادية , ولا اتفق مع رياض سيف في أن السلم الاجتماعي يُلغي الصراع الاجتماعي فهذا كان وما يزال وسيبقى في كلِّ حركةٍ في الكون0وتفتقد الورقة أيضاً إلى الرؤية الاقتصادية , لأنها تتحدث عن الإشكالات فقط, وتفتقد إلى الأيديولوجيا والتكنولوجيا , كما أن البيان لا يعبّر عن عقيدة كأيديولوجيا لحزب، وإنما هو بيان فيه بعض المواقف السياسية , وكثيرٌ من القضايا التي تضمنها خطاب القسم للرئيس بشار الأسد لا تستعجلوا الأمور حتى لا يُصيبنا من الإصلاح ما أصاب مصر من دمار فنحن نريد إصلاحاً متدرجاً0

فاتح جاموس (قيادي في حزب العمل الشيوعي، ومعتقل سابق لمدة 18 عاماً): أجدُّ نفسي مضطراً للردِّ على الورقتين، ورقة رياض سيف والورقة الضد (يقصد مداخلة فيصل كلثوم). كنت سجيناً لثمانية عشر عاماً وشهرين، ومع ذلك، أتفق تماماً مع منظور السلم الاجتماعي في كلا الورقتين، والسبب أني توقعت من الدكتور فيصل أن يُقدّم ملاحظات قانونية وفقهية.

هناك خلطٌ شديد بين ما تسميه الورقة نظاماً ديمقراطياً وبين ما تسميه نظاماً اجتماعياً، فالكثير من النظم الاجتماعية لا تستطيع أن تكون نُظماً ديمقراطية تماماً، فالأساس أن يكون هناك نظام ديمقراطي، ومن ثم يوجد برنامج اجتماعي.

أؤكد أننا في حزب العمل الشيوعي جاهزون للحوار الديمقراطي في إطار علاقة ديمقراطية، وهي علاقة لا يحميها الآن القانون للأسف ولا أيّة ضمانات قانونية أو سياسية.

من المؤسف أن ورقة المبادئ قفزت عن تاريخ سورية قفزاً سريعاً، حيث قفز رياض سيف ومن ساعده في ذلك، على ثلاثين عاماً من تاريخ سورية من زاوية المعارضة، فكم من السنوات انقضت والسجون تحوي الآلاف من المعارضين، وكم ارتفعت أصواتٌ من أجل الدفاع عن الحرية، ولا أدري إن كان ينوي أن يغيّب هذه الفترة، كما أن البيان مليءٌ بالإنشاء وبعيدٌ عن البرامج السياسية الملموسة.

د. إبراهيم زعرور (أستاذ التاريخ العربي والإسلامي في جامعة دمشق، وعضو سابق في مجلس الشعب عن حزب البعث): وجودنا في هذا اللقاء يدلُّ على سلامة التوجهات العامة للدولة والقيادة السياسية، ونحن هنا نتحاور وكلّنا من أحزاب وفئات سياسية مختلفة.

هذه الورقة، هي ورقة توصيفية مع تجاهل للحقائق التاريخية والعلمية، فالباحث في التاريخ يعتمد على الوثيقة، وإذا لم تكن هذه متوفرة، فإن كلامه يصبح نسيجاً في خيال الإنسان أو أسطورة أو تزييف أو تزوير لحالة غير موجودة إلا في مخيّلة الذين يريدون أن يقدموا لنا هذه القضايا.

نحن لسنا ضد أن نتصالح مع بعضنا البعض، لأننا متصالحون في معركة الوطن من أجل كرامة المواطن، ولم تكن لدينا مشكلة في العشرينيات، فهل يُعقل ونحن ندخل في الألفية الثالثة أن تكون لدينا مشكلةٌ وطنية؟، وتجربة لبنان ماثلة أمامنا، كما أن التجارب الأخرى التي تحكمها العشيرة والقبيلة والأفخاذ والملكية وغيرها ماثلةٌ أمامنا أيضاً.

كنت أتمنى على سيف، وأنا كنت مثله عضواً في مجلس الشعب وعن حزب البعث العربي الاشتراكي، وأقسمت على الدستور المصوّت عليه من قبل الشعب والذي يؤكد أن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات.

ربما نتشارك في مسألة الفساد والرشوة والتقصير والإهمال والعدالة النسبية وغيرها، ولكن، كيف نتحدث عن قضايا وكأننا في الولايات المتحدة الأمريكية، ونحن لدينا أرضٌ محتلة والصواريخ والمدفعية الإسرائيلية تبعد عن دمشق العاصمة 22 كيلومتراً فقط!

رياض سيف: لابد من تعديل الدستور السوري لإعادة الأمور إلى طبيعتها وكسر الاحتكارات، ونحن نُطالب بذلك بشكل ديمقراطي، ودون أن نرمي حتى بحصة.

حسيبة عبد الرحمن (ناشطة في مجال حقوق الإنسان، وعضوة سابقة في لجان الدفاع عن حقوق الإنسان ومعتقلة سابقة): تفتقد الورقة إلى لغة الخطاب السياسي، وتحتاج إلى تعديلاتٍ سياسية واضحة على المستوى اللغوي على الأقل.

علي الطه (ناشط سياسي): ما هكذا تورد الإبل يا رياض سيف، السلام الطائفي والعرقي …؟، ومتى كان هناك سلام طائفي وعرقي …؟، برأيي المتواضع، إنها وصفة من وصفات البنك الدولي بكلِّ تراسيمها.

د. كمال اللبواني (طبيب وعضو لجنة منتدى الحوار الوطني وعضو في لجان الدفاع عن حقوق الإنسان، وأصبح أحد معتقلي ربيع دمشق فيما بعد): حركة السلم الاجتماعي لا يمكن أن تكتفي بالنوايا الطيبة، بل عليها أن تبحث عن عناصر القوة الكثيرة لفرض هذا السلم وترسيخه. أستغرب كيف نستجدي الشرعية، وهل الشعب هو الذي يُعطي الشرعية، أم الدولة هي التي تُعطي الشرعية للشعب؟. هل الذي سيُعطينا الشرعية هو شرعيٌ أكثر منا؟. لم تكن المدوّنة الأيديولوجية في أيّ يومٍ من الأيام هي التي تحدد سلوك الحزب وأفعاله، بل هذا يتحقق بشكلٍ حاسم حسب نوعية الرجال الذين يعملون تحت خيمة الأجهزة الأمنية، وعلى هذا أنا مع حركة السلم الاجتماعي حتى ولو كانت المدونة الأيديولوجية ورقةً بيضاء.

د. محمد الأحمد (أستاذ في كلية الطب، جامعة دمشق): ورد في بيانكم أنكم ترغبون في تطوير الرعاية الصحية، ونحن في سورية لدينا حالياً طبيب لكل ثمانمائة مواطن بعد أن كان لدينا طبيب لكل عشرة آلاف مواطن. ومن الأطباء الذين تخرّجوا من جامعاتنا مشاهير الأطباء في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية، حيث تخرّج سورية سنوياً أربعمائة طبيب.

رياض سيف: أعلى ما وصلت إليه حصة الفرد من الموازنة في سورية هو عشرة دولارات سنوياً، وهذا كلام وزير الصحة، وقد قاله مفتخراً، ويكاد يكون هذا الرقم هو الأقل بين الدول المماثلة، وأودُّ أن أشير أنه يوجد لدينا 18 مستشفى بدأ العمل بها عام 1983 ولم تُنجز حتى الآن.

عبد الرحمن الحاج إبراهيم (كاتب وباحث متخصص في الدراسات الإسلامية): كان من المفترض أن نتحدث عن نقدٍ لمفهوم السلم الاجتماعي، فسمعنا خطاباً مُعارضاً مللنا من سماعه عبر الإذاعة والتلفزيون طوال عقودٍ طويلة، إن الذي جعل الحديث عن السلم الاجتماعي مسألةً سيادية هو احتكارُ حزبٍ واحد للسلطة وأحزاب أخرى مشلولة منضوية تحت مظلة الجبهة الوطنية، فعندها تكوّنت طبقات اجتماعية جعلت بيدها مقاليد الأمور في السلطة والاقتصاد، وجعلت ما ندعوه بالوحدة الوطنية معرّضاً لهزاتٍ عنيفة ويحتاج مرةً أخرى إلى إعادته إلى وضعه الطبيعي.

د. رفيق صالح (عضو ناشط في حزب البعث العربي الاشتراكي): قرأت الورقة ولم أفهم منها مَن يمثل هذا الحزب الجديد، وأعتقد أن أغلب الجالسين هنا لا يمثلّهم هذا الحزب. لماذا نجلد بعضنا كثيراً، وهل من المعقول أن الأربعين عاماً الماضية لم يكن فيها أيُّ شيءٍ جديد. حسناً، لنقل أن عدد السكان ازدادَ مثلاً، لنقل أيَّ شيء. لا أعتقد أن أيَّ إنسانٍ سوري لا يعتبر أن حرب تشرين هي إنجاز أو أن تحرير جنوب لبنان هي نصر. نعم مطلوب من البعثيين الكثير، ولكن لهم الكثير والأكثر أيضاً.

ميشيل حلواني (ناشط سياسي): الورقة هي دعوة للإصلاح واسعة الطيف وقد طالت كل المجالات, إذاً هي دعوة للإصلاح أكثر منها برنامج لتأسيس حزب أو حركة سياسية0

إذا وقفت عند عنوان الورقة فإني أقول إن التشكيلات الحزبية المبنية على الأيديولوجيا قد فشلت في قيادة المجتمع، وأقول أن أيَّ حزبٍ مبني على فكرٍ أيديولوجي سيكون هدفه السلطة, وإذا وصلها فإنه سيفرز المجتمع وفق أيديولوجيته ويبني العدالة الاجتماعية والحقوق والواجبات والانتماء وفق رؤيته الخاصة مما سيولّد ظلماً اجتماعياً. إنَّ أي أيديولوجيا تصل إلى السلطة وتحمل السلاح ستكون سجينة ذاتها, ونحن لن نصل إلى أكثر من تجربة الكرملين, يجب أن نعترف أن وطننا عمره أكثر من أربعة آلاف سنة وفيه اثنيات عديدة من سريان وآشوريين وروم وغيرها. صحيحٌ أن القومية العربية هي الراعي الأكبر لكن من الضروري الاعتراف بهذه القوميات ليكونوا وعاءنا الديمقراطي، ولكن الورقة أكّدت أن الثقافة العربية الإسلامية هي وعاءٌ أساسي، وهذا يُنافي أساساً الدعوة إلى المجتمع المدني الذي يكفل حرية الاعتقاد المفصول تماماً عن السلطة السياسية.

يجب أن نبدأ بالديمقراطية لأننا إذا لم نفعل ذلك اليوم، فإننا سنعود بعد فترة لنقول ليتنا بدأنا بها قبل خمسين عاماً. يجب أن نبدأ بها حتى نتطور رويداً رويداً، وبهذا فقط يتعزز الفهم الديمقراطي لهذا المجتمع.

أما فيما يخص المسألة الدستورية، لا أريد أن أقول ما قاله الفنان دريد لحام في مسرحية غربة “الحمار أتى وأكل الدستور”، فعندما أُقرُّ بوجود دستور يجب أن يكون هذا الدستور موجوداً على الطاولة وليس على الرف. كما أني أقترح اسماً آخر للحزب هو “الحزب الدستوري الديمقراطي”، لأنه يكفل وجود دستور أولاً، ويكفل ممارسة هذا الدستور بطريقة ديمقراطية ثانياً.

د. حسين الزعبي (باحث في المجال الاقتصادي والاجتماعي): علينا جميعاً أن نتحمل المسؤولية، فالبيان يحمّل المسؤولية لجانبٍ واحد دون الآخر، ففي المجال الاقتصادي وُجدَت مناخات استثمارية استفادَ منها صناعيون وتجار، ولكن إلى أيِّ مدى استطاع هؤلاء أن يقدّموا خدماتٍ إلى الكادحين والفقراء، وأنا أتحدث باسم الكادحين والفقراء، فالمشاريع الاقتصادية التي قامت في سورية هي مشاريع خدمية ليس أكثر.

مَن يُمثل هذا البيان؟، لقد شعرت أن هناك طبقة برجوازية جديدة تُحاول بطريقةٍ أو بأخرى أن تدخل إلى الخط السياسي، ولها الحق بذلك، ولكن يجب أن يكون ذلك مشروعاً عندما يصبح التجار والصناعيون قادرون على تحمل المسؤولية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. أنا مواطن أمثّل 80% من المجتمع السوري وعليَّ أن أقتنع بهذا البيان، إلا أن ما هو مقدمٌ لا يُقنع الفلاحين، لأنه يُمثّل فئةً من البرجوازية الجديدة في المجتمع.

رياض سيف: إن كلَّ من تتكلم عنهم، وتُطلق عليهم صفة البرجوازية الوطنية لا علاقة لهم لا بالبرجوازية ولا بالوطنية، إنما هم شركاء لمن هم في السلطة ووكلاؤهم. وهذا رأيٌ أعرفه من الجوِّ الذي أعيشه، فعندما صدر قانون الاستثمار رقم /10/ فُصِّل ليَمنح عشرة أشخاص فرصةً لاستيراد (500) سيارة دون جمارك ولا ضريبة وتحت اسم شركات إيجار السيارات، وقد أُدخلت الجملة في اللحظات الأخيرة على يد أحدهم، وقد كلّف ذلك الشعب السوري مبلغاً قدره (50) مليار ليرة سورية من جملةٍ واحدة، لقد فُصِّلَ كلُّ ذلك لصالح من تصفهم بالبرجوازية.

د. بدر حيدر (أستاذ في كلية الهندسة المدنية): رداً على فيصل كلثوم الذي أشار إلى أن سيف هو وكيلٌ لشركةٍ أجنبية، أقول وبكلِّ أسف إن وكلاء الشركات الأجنبية في هذا البلد هم أولاد كبار المسئولين. وهناك شيءٌ آخر أيضاً تحدث به فيصل كلثوم ولم يحترم عقولنا عليه، ألا وهو أن الدستور السوري تمَّ الاستفتاء عليه، وأتساءل، هل جرت أصلاً في سورية استفتاءات؟ وأؤكد بدوري أني لم أُستفتى أبداً في حياتي ولم أصوّت على أيِّ شيء. أنا من الحزب الشيوعي، ووالدي وجدي كانوا من الشيوعيين أيضاً، لقد تعلمّت خارج سورية وزُرت بلداناً كثيرة، وأنا دكتور في الهندسة المدنية، وما جرى في سورية ليس له مثيلٌ في الكون. صحيحٌ أن هناك فساداً في العالم بين وزيرٍ وغفير، أما في سورية، فالفساد أفقي وشاقولي، ومن أعلى المستويات إلى أدناها، وهذا شيءٌ نتميز فيه عن العالم.

إن الحديث عن نيتنا في تهميش الرفاق البعثيين هو كلامٌ غير صحيح نهائياً، فهناك رفاق لا يمكن الحديث عنهم، فليس كلُّ من دخل البعث صار بعثياً، هناك رفاق بعثيون سيكون لهم دورٌ في إصلاح هذا البلد ودونهم لن يتم الإصلاح، لكن الخطأ هو في مَن بيده القرار السياسي في الحزب، فهو مَن أخطئ وليس حزب البعث بمجمله. 

إن المشروع الذي في ذهننا يقوم علة تفضيلنا في أن نكون معرضة وطنية خارج السلطة لأن الطريق طويل أمامنا لبناء السلم الاجتماعي.

الخميس 1/2/2001

مفيد خنسة (مدير تحرير ملحق الثورة الثقافي، ثم أصبح رئيساً لتحرير الجريدة نفسها في عام 2003): ليس على المريض حرج، أنا لا أستطيع الكتابة بسبب وجود كسر في يدي لذلك استعنت بجاري لكتابة بعض الأفكار بخطٍ غير جميل أو بخط جميل. يقول الشاعر” “لسانك لا تذكر به عورةَ امرئٍ فكلُّك عوراتٌ وللناس ألسن”. لست هنا إلاّ لأطرح هذه الحكمة التي تتقاطع مع المثل الشعبي القائل: “إذا كان بيتك من زجاج فلا تضرب الناس بالحجارة”، طبعاً برحابة صدر السيد رياض سيف أبو جواد وديمقراطيته التي يُفصح عنها في بيانه ليسمح لي القول بحدود معرفتي المتواضعة بالكتّاب السياسيين في الإعلام العربي والمحلي، فإنّي لم أسمع به ككاتب سياسي أو كمفكر سياسي ولكني سمعت به (بالمناسبة فالمعلومة قد لا تكون صحيحة) ولكنني سمعت باسمه للمرة الأولى حين تناقلت بعض النسوة والجيران أن مَن تنتخبه من النساء تحصل على فستان (تايور)، ومن ينتخبه من الرجال يحصل على بيجامة أديداس. والآن يطرح نفسه كرجل سياسة بعد فشله في مشروعه الاقتصادي كما يزعم في تقديمه، قصةٌ درامية لسنا بصدد مناقشتها فهو حرٌ في أن يطرح نفسه كما يشاء وبدورنا نحن أحرار في أن نفهم ونحللَّ كما نشاء.

ينطلق بيانه تحت عنوان مبادئ أولية للحوار حول حركة السلم الاجتماعي، وفي المصطلح إشكالٌ لا يُخفي نفسه، فحين نقول حركة ونلحقها بالمجتمع فهذا يعني أن حشداً جماهيرياً ينتمي إلى هذه الحركة ولا أعتقد أن هذا صحيحاً. والمبادئ أولية للحوار تعني أن هذه الحركة التي يمثلها السيد رياض لم تتبلور لديها بعد رؤية مكتملة وواضحة. أما دعوته المواطنين لحوارٍ يُسهم في تصويب الأفكار المطروحة في البيان فينطوي على اعترافٍ صريح بأن أفكاره تُعاني من القلق الذي يرجو تصويبه، وإنه لمدهشٌ حقاً أن يُؤَسس حزباً يعتمد صاحبه على استخلاص أفكاره من المواطنين، وإذا كانت ورقة المبادئ نتاج عمله الشخصي مع الاستعانة بآراء بعض الأصدقاء على حد تعبيره فهذا واضحٌ من أن صياغتها اللغوية الضعيفة وإعانة أصدقاءه لم تخفِ عدم قدرته على قراءة الورقة قراءةً صحيحة. وقبل أن نقول أن الورقة حملت بعض الأفكار المشتتة التي لا تُسمى بأي حالٍ من الأحوال بخطاب فكري سياسي واضح، فإني أودُّ التوقف سريعاً عند بعض النقاط:

أولاً: تفترض الورقة أن السلم مفقودٌ بين الفئات العرقية والدينية وبين المواطنين في علاقات الحياة اليومية دون أن تُبيّن بشكلٍ ملموس تمظهرات ذلك.

ثانياً: تؤكد الورقة في أكثر من موضع على هيمنة فئات اجتماعية ضيّقة للسلطة احتكرت المكاسب والمغانم على حساب الأكثرية مستخدمةً كل أنواع القمع والتخويف لتُقصي الفئات المهمشة والمتضررة، وهذه الثورية الواضحة من السيد رياض تصحُّ إذا كان يشددُّ في مجلسه على عدم التشكيك بوطنية أحد، لكنه يتجاوز التشكيك إلى الاتهام الصريح. كان قد عبَّر يوم أمس عن بعض هذه الثورية ورافق ذلك تصفيقٌ من بعض الجماعة انطلاقاً من الردِّ على بعض الرفاق البعثيين، فهذا يبيّن مدى هشاشة الحوار وهشاشة الورقة نفسها، وبعد كلِّ ذلك لماذا يتحرّج من ذكر هذه الفئة الضيقة التي احتكرت السلطة؟، ولماذا لم يسمّها صراحةً مادامت المكاشفة مطلوبة إلى هذا الحد؟، ومادامت حركته تهدف إلى إقامة السلم المفقود على حد تعبيره؟.

ثالثاً: حول السلم الاجتماعي بين الفئات العرقية، تُقرر الورقة بامتياز أن المجتمع السوري يتمتع بتعددية عرقية ودينية كونها مهدٌ للأديان السماوية وملاذٌ للاجئين لكثرة خيراتها ورحابة صدر أهلها فنتج عن ذلك لوحةٌ فسيفسائية جميلة تنوّعت ثقافاتها وأَنتجت أجيالاً متآلفة تمتعت بالإبداع والحيوية والتنوع الحضاري، فهل هناك إقرارٌ صريح أكثر من هذا على الأُلفة الاجتماعية بين فئات الشعب؟ فما عساه يدّعي ويُناقض نفسه في الإقرار بعدم توفر السلم الاجتماعي؟.

رابعاً: فيما يتعلق ببرامج الورقة فلا أدري كيف يُسميها برامج، وهي أفكار سطحية للغاية، كما أشار البعض، لا تتضمن مقدماتٍ نظرية ومبادئ وأسس وآليات تُكسبها مشروعية.

خامساً: تطغى على صيغة الورقة صيغة الواجب خلافاً للغة الحوار المفترض، وغلبت عليها اللغة الإنشائية التقليدية واستخدام اصطلاحات قاطعة مانعة، ولا أعتقد أن مثل هذه الصيغ تنصبُّ في إطار لغة الحوار، إنَّ الإصرار على استخدام (إنَّ ويجب ويتوجب) لا تترك مجالاً للحوار ليضعنا أمام احتمالين لا ثالث لهما إما مع (وهذا واضحٌ من تصفيق المريدين) لكلِّ ما يكيله السيد رياض للمجتمع والدولة والحزب والسلطة من اتهاماتٍ صريحة، أو (وهذا ما يستهجنه السادة المريدون المنتفعون) ربما حيال أيُّ رأي لا يوافقه. فهل هذا هو الجو الديمقراطي الذي يبشّر به السيد رياض؟، وإذا كان المريدون يستهجنون رغبة بعض الباحثين في المشاركة في الحوار فهذا يُثبت رغبة الباحثين في حوارٍ مسئول ويُبرهن في الآن نفسه على أن مثل هذه التجمعات ليست قادرةً على احتمال مثل هذا الحوار، ولا أعتقد أن مثل هذا يُحرجنا لأنهم لا يعرفون إلى أيّة درجة نحرص على الحوار من أجل التصويب والتحديث الشامل الذي تشهده بلادنا، وليس عن طريق شعارات مُفتَعلة يريدها البعض إخفاءً للنوايا.

ملاحظات أساسية مكثّفة على:

ورقة “حركة السلم الاجتماعي”

فاتح محمد جاموس[36]

أولاً: يجب الترحيب فوراً بنشوء أي حركة سياسية أو حزب سياسي جديد يحمل منهجاً وأفكاراً ديمقراطية صادقة .. أو حتى خطاباً ديمقراطياً واضحاً .. يحمل هموماً وطنية متنوعة .. بل يجب تقديم كل مساعدة ممكنة في ذلك ريثما تصبح مسألة قانون الأحزاب في سورية أمراً حقيقياً قائماً على ضمانات قانونية .. وليس على (صيغ الأمر الواقع) .. وسلفاً نطرح على مؤسسي هذه الحركة “السلم الاجتماعي” وبشكلٍ خاص على السيد الأخ رياض سيف فكرة الحوار الثنائي الجدي من أجل أي خطوة مشتركة في المسألة الديمقراطية كمهمة مركزية تواجه الوطن وتعني دحر أي طابع ديكتاتوري شمولي طغياني .. ذلك بالنضال الديمقراطي والسلمي والعلني والتدريجي في وطننا ومجتمعنا .. كذلك في المسألة الاقتصادية بما تعنيه ضرورة البحث الجدي عن مشروع تنموي أو برنامج اقتصادي وطني إنقاذي تشترك به كل القوى الفاعلة وصاحبة المصلحة في الوطن من حيثما جاءت لبناء وترسيخ أسس نظام ديمقراطي .. واقتصاد وطني نامٍ وفعال.

لكن ذلك شيء والنقد الديمقراطي الذي قد يصل أو ينطلق من (فكرٍ نقيض) بكل المعاني الاقتصادية المنهجية وجوهر مفهوم الملكية .. كما الطبقية والأيديولوجية .. فهو شيءٌ آخر.

ثانياً: قرأنا ما يقارب صفحة كاملة من أصل ستٍ في (ورقة مبادئ) تحت عنوان تطور الحياة السياسية السورية وهي فقرة-كما تدّعي-تتناول تاريخ نشوء وطبيعة الأحزاب السياسية في تاريخ سورية المعاصر .. وأن يتكلم حزب جديد أو تطرح ورقة عمله الأولى موقفاً من تاريخ الأحزاب وسماتها فهو شيء ذو دلالات هامة، إذ من أجل إيجاد مبررات موضوعية وذاتية وتاريخية .. من أجل إيجاد مبررات لبرنامجه .. ومفاهيمه الاستراتيجية وصيغ عمله التكتيكية .. لابد من التاريخ المتعلق بالقوى السياسية .. لابد من تحديد موقف من تلك القوى .. من بنيتها .. طبيعتها .. برامجها .. مواقفها ..الخ، وهكذا جاء في تلك الفقرة ما يلي:

“ارتبط نشوء الأحزاب السياسية في تاريخ سورية المعاصر بهيمنة فئات اجتماعية محددة اعتبرت الحزب السياسي وسيلة لتحقيق مصالحها على حساب الفئات الأخرى. وقد تنبت بعض هذه الأحزاب خطاباً عقائدياً جامداً لم تمتلك المرونة لتحديده … حيث نشأت: الأحزاب القومية واليسارية والدينية التي اعتبر كلٌّ منها نفسه صاحب الحق الأوحد في قيادة الدولة والمجتمع …” وجاءت الورقة بالتحديد على بعض القوى السياسية محددة سلبيات ذلك التاريخ حتى وصلت إلى القول: “الأمر الذي انتهى إلى انفراد حزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة ..الخ” ثم القول: “من كل ما سبق يتولد لدينا الإيمان بضرورة انبثاق خطاب جديد يحوّل الصراع الاجتماعي بين الفئات المتنافسة والمتناحرة إلى سلمٍ اجتماعي …”.

إذن الحركة الجديدة .. وورقة المبادئ تبحث عن مبررات للوجود .. لكن وللأسف الشديد توقف تاريخ الأحزاب السياسية عند الحركة وورقتها عام 1963 أو ربما كما يشتم منها في العقود الثلاثة الأخيرة .. متجاهلة .. أو متناسية ..أو غير عارفة (وهذه مأساة أكبر) أن هناك تاريخاً طويلاً يصعب “هضمه” أو إغفاله أو نسيانه من قبل أي طرف حتى ولو لم يتحلى بأي قدرٍ من الموضوعية. أليست العقود الأربعة الأخيرة هي صلب التاريخ السياسي السوري المعاصر .. هل جرت بصورة مقصودة عملية التغييب لتاريخ المعارضة الحزبية-السياسية في سورية خلال العقود الأخيرة وحتى هذه اللحظة؟، معارضة بشتى تلاوينها الأيديولوجية والسياسية والحزبية .. يمينية ويسارية .. برجوازية أو اشتراكية وشيوعية .. قمعية عنيفة إرهابية .. وديمقراطية سلمية .. وإن لم يكن الأمر مقصوداً .. إن كان نسياناً عفوياً أو عدم معرفة بتاريخ الأحزاب المعاصرة-وبرامجها ومهماتها (مثلاً) ألا يشكل ذلك مأساة أكبر لحركة تحاول التنطح لبرنامج (يلم) كل فئات المجتمع .. قوة التاريخ الموضوعي أنه يحدد بدقة كبيرة سمات وطبائع وبنى القوى الاجتماعية والسياسية كما الأفراد الذين تركوا أو يتركون بصماتهم على العمل السياسي والتاريخ المستقبلي للوطن .. إن معرفة وتحديد وكشف من تنطح في أصعب المراحل وأشدها قسوة وصعوبة للديكتاتورية والطغيانية والاستفراد بالسلطة والاحتكار .. من كانت لديه برامج جادة وديمقراطية (على الرغم من بعض الالتباسات التي تطرح الآن بخصوص المفاهيم الديمقراطية في حينه .. ففي حينه كانت تلك المفاهيم هي الدارجة والأكثر رقياً .. ولم تكن قد تحولت بعض المفاهيم الديمقراطية إلى وضع مؤنسن وحضاري وقيمي عميق وشامل بعد) أليست عملية الكشف ومعرفة القوى التي تنطحت بالنقد لتجارب شمولية قمعية شيوعية هو شيءٌ مهم .. قوى امتلكت كل ما ساعدها ويساعدها على تطوير برامجها ومفاهيمها وفكرها .. أليست مثل هذه العملية ضرورية عند البحث عن مبرر وجود لحزب جديد..

من يستطيع أن يلغي التاريخ السياسي لأحزاب ديمقراطية وطنية (لا علاقة لها بالعنف والإرهاب) قدمت آلاف السنوات من الاعتقال لمئات المعتقلين من التجمع الوطني الديمقراطي ببعض أهم فصائله كالرفاق في الحزب الشيوعي السوري-المكتب السياسي .. ورفاق البعث الديمقراطي .. كذلك العديد من معتقلي بقية الأحزاب المكونة للتجمع .. من يستطيع أن يلغي التاريخ السياسي لحزب العمل الشيوعي بمئات المعتقلين وصل حدود أكثر من ألف في لحظة تاريخية .. وعشرات المعتقلات النساء (أكثر من سنتين) .. ألا يشكل جوهر التاريخ المعاصر للأحزاب المعارضة وبرامجها ومهماتها.

إن الاتيان الدقيق الموضوعي ولو حتى المكثف على ذلك التاريخ هو الأكثر أهمية الآن .. وسيكلف الكثير من المبادئ والقيم والأهداف والمسائل المطلبية التي تحاول حركة السلم الاجتماعي اعتبارها وكأنها سبق لها .. جديد في تاريخ سورية..

ثالثاً: جاء في الورقة: “على الرغم من أن ورقة المبادئ هذه هي نتاج عملي الشخصي … وانطلاقاً من تجربتي الشخصية في المجالين الصناعي والسياسي”.

كذلك عندما داخل الدكتور حسين الزعبي قائلاُ (تقريباً من دون حرفية) “إذا ناقشنا القطاع الاقتصادي سنجد أنه خلقت به مناخات استثمارية استفاد منها بعض الصناعيين وبعض التجار فإلى أي مدى استطاع أولئك أن يقدموا خدمات إلى الكادحين والفقراء” ويكمل الزعبي “هذا البيان المقدم .. من يمثل؟! شعرت وأنا أسمع أن هناك طبقة جديدة برجوازية .. تحاول أن تدخل على الخط السياسي .. لهم الحق بذلك .. ويجب أن يكون ذلك مشروعاً عندما يكونوا قادرين على تحمل المسؤولية” “البيان يمثل فئة .. نحن أمام برجوازية جديدة وللأسف” بالطبع أنا لست آسفاً كما السيد الزعبي على أن نكون أمام برجوازية جديدة بكل إشكالاتها المعروفة، إذ يكفيني مبدئياً أن تكون ذات خطاب ديمقراطي جداً .. لكن ماذا أجاب الأخ رياض سيف في تعقيبه على كلام د. الزعبي .. قال:

“إن كل من تكلم عنهم د. زعبي من البرجوازية الوطنية-لا علاقة لهم أبداً بالبرجوازية الوطنية .. إنهم شركاء مع السلطة”.

وأضيف إلى ما ذكره الأخ بدر حيدر وهو في موقع رده على الدكتور فيصل كلثوم قائلاً: “يجب احترام عقولنا .. وكلاء الشركات هم أولاد كبار المسؤولين” كل ذلك في إطار الحديث عن البرجوازية بفئاتها المختلفة وبناها .. الوطنية وغير الوطنية .. الخ ..

مما ورد في الورقة وفي أجوبة الأخ رياض-أو صمته عن بعض القضايا أتقدم بالملاحظات التالية:

أ- أبو جواد لم يجب كثيرين على طبيعة تمثيل هذه الحركة-أي من تمثل اجتماعياً واقتصادياً بصورة جوهرية .. لاشك أن الأمر يتعلق بكامل البرنامج أساساً بالشق الاقتصادي .. وعلى اعتبار أن البرنامج الاقتصادي في الورقة لا يزال غائباً كلياً، فتقول الورقة “إن الخطوات العملية الضرورية للوصول لذلك الهدف تتطلب تقديم إجابات وحلول عيانية للمشاكل المذكورة أعلاه” .. غائباً حتى بأي صيغة عامة أو تفصيلية لا يزال مقتصراً على مقدمات تتعلق بانتقادات سلبية لمؤشرات وواقع الاقتصاد السوري .. هكذا أو بذلك المعنى يمكن أن ننتظر جواباً محدداً.

ب- لكن جواب السيد سيف بخصوص تلك البرجوازية التي استفادت بأنها “غير وطنية” .. ويجب أن يكون قد قصد بالتأكيد أنها غير منتجة، لا تهتم بالسوق الوطني .. لا تهتم بتحسين المنتج المحلي لتصديره والمنافسة به .. لا تمتلك أية أخلاق على الجرأة والمغامرة من أجل الوطن .. هامشية .. تابعة .. في هذه الحالة وعلى ضوء جوابه تطرح أسئلة كثيرة ..

-أين هي تلك الفئة من البرجوازية السورية التي تمثل البرجوازية الوطنية المعنية؟ أين هو خطابها الاقتصادي والسياسي .. أين هي فعالياتها الاقتصادية .. أية ميادين ..

-هل صحيح أن هناك فئة برجوازية سورية (ما) لم تستفد من قوانين البرجوازية الدولة البيروقراطية؟! لم تستفد شيئاً من المناخات الاقتصادية في سورية .. ما هو حجمها ما هي ميادين عملها .. وكيف تعيش .. هل هي متضررة فعلياً .. كيف ذلك ..حدود رؤوس أموالها .. أم أنها استفادت وفضلت أن تستفيد أيضاً في نفس إطار تلك البرجوازية (غير الوطنية) مكتفية بالفتات أم مشاركة بحصة رئيسية .. أي بصورة “جبانة” بالمعنى الاقتصادي أولاً ثم السياسي .. خالية من أي درجة من المقاومة والكفاح .. أي درجة من المغامرة في سبيل الوطن .. على الرغم من ترك الدولة للكثير الكثير من الاحتكارات في مجال الصناعة مثلاً.

بالتأكيد هناك قمع اقتصادي واحتكار اقتصادي في العديد من القطاعات، كما هناك شمولية وقمع سياسيين .. لكن من قال أن الاقتصاد لا يعرف الكفاح .. وأن الاقتصاديين لا يكافحون أولاً وأساساً في الميدان الاقتصادي ومن أجل مصالحهم ومصالح الوطن .. إن كانوا من تلك الفئة البرجوازية الوطنية المعنية .. أو مصالحهم حصراً وبحرق كل شيء .. إن كانوا من الفئة الأخرى المضادة .. من قال أن يستحيل تكون أو تشكل فئة برجوازية وطنية في سورية في ظل هذا المستوى من تدخل الدولة وأجهزتها في القوانين والرشاوى والخوَّات .. صحيح أن هناك مناخاً ومناخاً لنمو الاقتصاد أو تدهوره لكن المسألة ليست بإطلاقيتها تلك .. إنها نسبية أساساً وتقوم على الصراع مثل أي قضية ..

بذلك المعنى يحق التساؤل عن سمات وطبيعة وبنى فئات البرجوازية السورية .. عن وظيفتها أو ضعفها أو عدمها .. عن ميادين عملها وعلاقتها بتلك السمات والبنية وإلاّ كيف نميز بين برجوازي بسبعة أرواح يقاتل .. يكافح مع غيره مثله لبناء معمل حديث يقوم على الخامات الوطنية ويفتح فرص عمل أمام أبناء الوطن ويهتم بحاجة السوق الوطنية .. وبرجوازي آخر بكل ما يفعله صناعياً مرتبط بحلقة أخرى خارجية كلياً.

إن الشعب السوري يسأل ويحاول التعرف على البرجوازيين الوطنيين المقاتلين من أجل صناعة وطنية واقتصاد وطني .. وخطاب ديمقراطي وطني وليس شيئاً مستحيلاً وجود فئة برجوازية وطنية مقاتلة لو أراد بعض الرأسماليين الكفاح والمغامرة والبحث الجدي عن مشاريع إنتاجية وطنية .. هو شيء صعب لكنه غير مستحيل .. بذلك تستطيع مثل تلك الفئة أو مكونيها القبض على حلقات اقتصادية حقيقية في مواجهة أشكال الفساد والبيروقراطية والرشوة والتخريب “الدولتي”.

ج- يجب ألاَّ يستمر الحوار حول الإصلاح الاقتصادي وأزمة الاقتصاد السوري على أرضية نقد السلبيات .. بل يجب التقدم ببرنامج حسي ملموس .. قابل للحياة والتنفيذ يحاور كل الأطراف المعنية .. السلطة-الدولة .. وفئات المجتمع الأخرى وقواه السياسية .. بل يجب أن يتحدى السلطة ديمقراطياً وعلنياً ببرنامج جدي إنقاذي يحدد الفئات الاجتماعية القادرة على تنفيذ البرنامج .. يحدد الأدوات والوسائل .. يحدد الخطوات الاقتصادية الرئيسية .. الاكتفاء بالنقد السلبي سيتحول بعد فترة (إن لم يكن قد تحول) إلى مظهر سلبي عميق في الميدان الاقتصادي .. بل سيدع المجال كاملاً أمام السلطة-الدولة لحل الأزمة وربما على نفس الأسس القديمة التي أوصلتنا إلى ما وصلنا إليه .. أن نكون إيجابيين يعني أن نتحمل مسؤولياتنا الوطنية بصورة جدية في كل الميادين .. والآن بشكل خاص أيضاً إلى جانب المهمة الديمقراطية في الميدان الاقتصادي.

نحن باحثون عن برجوازية وطنية مقاتلة، مكافحة مع روح للمغامرة مناسبته .. مهتمون بتجارب العديد من البلدان التي استطاعت فيها بعض فئات البرجوازية بالاتفاق مع الدولة أو بالصراع ضد السلطة-الدولة بالانطلاق بمشروع تنمية وطني إنقاذي .. استطاع بعض البرجوازيين أحياناً أن يساهموا بالقفز بالاقتصاد عبر تركيزهم على مشاريع وطنية فعلية (لا على منتجات هامشية .. إنقاذها لا يؤثر بشيء على الوطن بل هو أكثر فائدة له) .. لما الخوف الآن في سورية .. من العودة إلى الخلف .. هل الخوف من “جنون اليسار” الاشتراكي أو الشيوعي .. أم الخوف من الدولة الشرقية الشمولية .. دولة الاحتكار والتأميم والمركزة .. الخوف من التأميم العشوائي بعد نجاح مشاريع جديدة ذات طابع إنتاجي وطني؟! ذلك خوف قديم .. كان مبرراً .. لكن أشياء كثيرة تغيرت على صعيد العالم وعلى صعيد الحيثيات الاقتصادية ومتطلباتها .. من قال أن الأطراف السياسية الأكثر راديكالية من منظور الاقتصاد “الشيوعيين” غير باحثين جدياً عن مشروع تنمية اقتصادي وطني .. وبالتعاون مع أي فئة برجوازية وطنية .. من قال أن هناك أحداً الآن يفكر باحتكار السلطة والاقتصاد أو التأميم .. أو يفكر بفرض أي خطوة على المجتمع من دون أن يمثل الأغلبية أو الأكثرية بصورة ديمقراطية وعلنية وسلمية .. وعلى ضوء برنامج واضح ومحدد خاصة في الميدان الاقتصادي أو ما يتعلق منه تحديداً بشكل ومحتوى الملكية.

ء- لم يجب الأخ رياض بشيء على المداخلة المتعلقة بمسألة الوكالات والوكلاء .. أو لم يعطي جواباً محدداً نهائياً .. لاشك أن كبار الوكلاء في البلد والذين حددوا “فلسفة التوكيل” للشركات الأجنبية وواقعها هم من كبار المسؤولين وأولادهم .. ممن كانوا سابقاً أو لا يزالون .. لكن للحقيقة هناك وكلاء كثيرون من خارج ذلك القسم من البرجوازية .. وهم يتعايشون تشاركياً على أرضية الاتفاق الطفيلي وليس ذلك هو الجانب المهم في كل ذلك .. إذ يمكن أن يكون المرء وكيلاً لشركة أجنبية في صناعة معينة وأن يستخدم المواد الخام الوطنية مثلاً أو لا يكون خاضعاً كلياً لشروطها .. بل أكثر من ذلك يمكن أن يكون ديمقراطياً ووطنياً .. لكن أن يكون المرء برجوازياً وطنياً منتجاً مهتماً بالوطن وسوقه الوطنية أساساً .. مع خطاب اقتصادي وسياسي مناسب لذلك فهذا يفترض بالتأكيد تاريخاً معيناً ونضالاً معيناً وبرنامجاً معيناً .. هذا ما ينتظر الشعب وقواه السياسية أن يعرفوه عن فئات البرجوازية وعن برامجها الصريحة وعن خطابها .. وعن ميادين عملها ..

لذلك يمكن أن يكون المرء وكيلاً لشركة أجنبية أو صاحب معمل وعلاقته حضارية وديمقراطية وفيها درجة من العدالة مع موظفيه وعماله .. على الرغم من ذلك (ومن منظور أو مقياس أو معايير البرجوازية الوطنية) يمكن ألاَّ يصنف في صف تلك الفئة فالأمر يتعلق أساساً بالاقتصاد .. بطابع الانتاج أو النشاط وعلاقته بحاجات الوطن وسوقه ومتطلباتهما …

رابعاً: إن فكرة السلم الاجتماعي تتداخل بصورة ملتبسة مع مسألة النظام الديمقراطي سياسياً. إن الفكرة عمومية .. وأخلاقية .. ذات طابع روحي تعبوي .. تخاطب طيفاً واسعاً من المجتمع على أرضية بعض الحقائق الصحيحة التي تلامس مخاطر يتعرض لها النسيج الوطني .. (للوطن) .. لكن درء تلك المخاطر وإزالتها يكون أساساً بخلق ونشوء نظام ديمقراطي سياسي راقي مستقر .. وذلك ممكن من قبل أي نظام اجتماعي اقتصادي .. رأسمالي أو اشتراكي الأمر يتوقف على برنامج تلك القوى المتعلق بالطابع السياسي للنظام الذي تريده ويتوقف على مستوى نضج التربية الديمقراطية في تلك الأحزاب ولا يحل بفكرة مطروحة بمضمون يفيد ضرورات انتخابية لحركة تحضر نفسها للمستقبل المحتمل0 أكثر مما هي فكرة سياسية منهجية وموضوعية0 فكرة تحاول دغدغة العواطف واللملمة.. إن فكرة السلم الاجتماعي المطروحة تشوش على قضايا الصراع السياسي والاقتصادي والأيديولوجي والثقافي الحتمية والموضوعية, ومن الصعب أن نقتنع أن الحركة لن تصارع لكن المهم في الأمر هو المحتوى الديمقراطي الحضاري العلني للصراع..المهم هي وسائله السلمية الديمقراطية..وكل \لك يحققه النظام السياسي الديمقراطي .. والدستور والقوانين ودولة القانون..دولة الجميع. 

خامسا- قال أحد المداخلين ( الأخ ميشيل حلواني) في إطار مدح الورقة العمل ذات الطيف الواسع أكثر

مما تشكل برنامجا لحزب .. الورقة التي تبدو كأنها “خالية من الأيدولوجيا” أو لا تنظمها أي أيدولوجيا قال, : ” في المرحلة الراهنة أثبت الصراع الدولي أن التنظيمات الحزبية القائمة على أيدولوجيا قد فشلت في قيادة المجتمع .. من يطلب السلطة وهو يتأبط أيدولوجيا.. سيخلق ظلما اجتماعيا واسع الطيف.. إن أي أيدولوجيا تطلب السلطة .. وتمسك السلطة ستكون سجان نفسها”. وبالطبع صمت الأخ رياض.. لكن هل يريد الأخ ميشيل والأخ رياض, أن فرنسا الديمقراطية , السويد, النرويج, وكل أوروبا الديمقراطية وأمريكا.. القول أن السلطات فيها والقوى السياسية الحزبية والاجتماعية التي تستلم السلطات ..تقدمت إلى الانتخابات بدون أيدولوجيا.. وتحكم بدون أيدولوجيا, إن كانت (ديمقراطية مسيحية أو اشتراكية ديمقراطية.. أو شيوعية), يريد اعتبارها هكذا معلقة في الهواء في نقطة في نقطة الصفر بدون مصالح اقتصادية , بدون أهداف اقتصادية وسياسية وفكرية واجتماعية , بدون تحزب .. بدون تعصب حتى.. أم يقصد فقط تلك الأيدولوجيا أو العقائد الشمولية الاحتكارية..المقدسة.. القمعية .. الجامدة التي ترى نفسها الوحيدة التي تفهم وتفكر وتحل وتعبىء للعمل , أم يقصد الايدولوجيا بمعناها المزور والخادع .. الكاذب أو المبالغ.. في تلك الأطر ممكن أن نفهم الأمر ما عداه يستحيل فهمه موضوعيا وعلميا وتاريخيا.. حتى أكثر الدعوات السياسية أخلاقية ونبلا تختزن في جوفها وعلى حواف ثوبها أيدولوجيا .. تختزن أهدافا ومصالح ونوايا وبرامج.. الرأسمالية في كل أنحاء العالم الديمقراطي فعلا لاعمل لها سابقا وحاضرا ولن يكون في المستقبل إلا الدفاع عن الرأسمالية والتشكيك بالاشتراكية والشيوعية خاصة.. لا عمل لها إلا فعل كل ما يساعد على تأبيد النظام الرأسمالي.. هل كل هذا ليس بأيدولوجيا.. بذلك المعنى ورقة الأخ رياض أيضا مليئة ..

سادسا- هناك ملاحظات عديدة حول شكل ومحتوى الخطاب السياسي..لكن على الأقل يجب وضع كل ما يتعلق بالسجناء السياسيين في الميدان السياسي على الرغم من أهمية الموضوع في زيادة لحمة النسيج الوطني وفتح إمكانية للتصالح الاجتماعي الأرقى نسبيا.

سابعا- يجب حذف الفقرة المتعلقة (بالمعنى الرئيسي.. الثقافة العربية الإسلامية..).. يجب البحث عن صيغ لاتساهم في تمزيق وحدة الوطن ونسيجه بأي صورة ولو ثقافية.

ثامنا- نسي الأخ ميشيل حلواني أن الكثير من القوى قد سبقت ورقة الحركة فيما يتعلق بالأقليات.. وليس أقل من التذكير أننا أتهمنا من قبل النائب العام في محكمة أمن الدولة بتمزيق الوطن بسبب موقفنا النظري والسياسي.

مستقبل الإصلاح والتغيير في سورية

نحو عقد وطني جديد*

د.برهان غليون**

هناك لحظات فاصلة في التاريخ يحسن بالشعوب أن تتوقف عندها، تسترجع الأهداف التي وجهت سيرها وتفحص إنجازاتها وتتأكد من صلابة الطريق التي تسير عليها فتؤكد ما كان صالحاً في مسيرتها وتعيد النظر فيما هرم أو تجاوزه الزمن من أساليبها ووسائلها. وهذه هي لحظات الحقيقة التي تحتاج إلى جرأة في مصارحة الذات وقدرة على الارتفاع على المصالح الآنية للنظر من أفق المستقبل بدل البقاء في سجن اختيارات الماضي. ولا تعني المصارحة محاكمة أحد، نظاماً كان أم معارضة أم رأياً عاماً، ولكن مساءلة النفس، أي مساءلة المجتمع عن إنجازاته وإخفاقاته في ما يزيد عن نصف قرن من الحكم الاستقلالي. فالنظم التي تقوم والنتائج التي تتحقق ليست في النهاية إلا محصلة نضال البشر وصراعاتهم، وبالتالي محصلة وعيهم وقدراتهم التنظيمية واستعداداتهم للعمل والتضحية. وهي قابلة للإصلاح والتغيير بإرادتهم وعزمهم. وبالرغم من كل ما يبدو على السطح من معالم الاستمرار والاستقرار، تعيش سورية لحظة مراجعة حقيقية وإن كانت هذه المراجعة لا تريد أن تسمي نفسها. وهي مراجعة تجري، وسوف تجري، مهما حاولنا أن نمنعها أو نحد منها، بصرف النظر عن إرادة أي واحد منا. فهي لا تهدف إلى شيء آخر سوى تقويم المسيرة الوطنية وإنقاذ الرهانات الاجتماعية الأساسية. ويدفع الشعور بالاستحقاقات التاريخية المجتمع السوري إلى الغليان ويفتح باب الحوار والصراع كما لم يحصل من قبل. فلا يمكن لطرف من الأطراف الاجتماعية أن يقبل بأن يظل بعيداً عن النقاش الذي يتوقف عليه تحديد طبيعة النظام الاجتماعي القادم وأهدافه وأولوياته. ولا يعني أن يترك ذلك إلى طرف آخر سوى التخلي الإرادي عن حقه في المشاركة في تشكيل المستقبل وبالتالي في ضمان مصالحه الأساسية فيه.

ومن هنا أخذت ظاهرة المنتديات السورية مكانها في النقاش العام وتحول وجودها ذاته إلى موضوع معركة سياسية. فلا يتعلق الأمر بالحفاظ على وسيلة للتعبير وممارسة الحريات الفكرية كما يبدو للوهلة الأولى، ولكنه يتجاوز ذلك بكثير، فهي تمثل اليوم الإطار الوحيد الذي يقدم للقوى والأطراف الاجتماعية الكثيرة المفتقرة لأي تمثيل سياسي والمبعدة عن وسائل التعبير العامة في الصحافة والإعلام المرئي والمسموع وعن النوادي ومراكز الثقافة والجامعات والأحزاب، الفرصة للتعبير عن نفسها وبلورة إرادتها وتفعيل وزنها وبالتالي ضمان أن لا يصاغ المستقبل من وراء ظهرها وضد مصالحها. ولا أعتقد أن هدف المثقفين الذين ساهموا في إطلاق هذه المنتديات وإحيائها يتجاوز مساعدة المجتمع ككل على التواصل من خلال الحوار إلى تفاهم يضمن مصالح كل السوريين، خاصة تلك الأطراف التي لا تستطيع وليس لديها الوسائل الكافية لتعبر عن نفسها وتؤكد مصالحها. ولا نستطيع أن نضمن أن يكون المستقبل للجميع، أي قائماً على التوازن في المصالح والتساوي في الحظوظ، من دون مشاركة جميع الأطراف في تصوره والتفكير فيه. فليس الإصلاح مسألة تقنية بقدر ما هو مسألة اجتماعية، وعندما نتحدث عن المجتمع، فنحن نتحدث عن مصالح بالضرورة متباينة أو متناقضة، وفي معركة كبرى كهذه، يتقرر فيها مستقبل مجتمع كامل، من السذاجة أن يتصور المرء أن تجري الأمور ببساطة وسهولة وسرعة، وأن لا يترافق التحول بتفاقم التوترات واشتداد الصراعات والضغوط المتبادلة من شتى الأطراف. وكما ستشهد هذه التوترات والصراعات نمواً متصاعداً ستعرف مرحلة الانتقال الطويلة الكثير من المد والجزر، فلن تتوقف القوى التي تريد أن تبني المستقبل على ضوء الماضي ونموذجه، وأن تجعل منه مناسبة لإعادة تعويم نفسها وتوسيع قاعدة مصالحها وامتيازاتها عن السعي للوي ذراع المجتمع للقبول بالأمر الواقع وبما هو موجود. لكن مسار التحول سوف يستمر، وسيفرض نفسه في كل مرة أقوى من قبل، فليس هناك بديل عن التغيير إلا الإعلان عن الإفلاس الشامل، أي إفلاس المجتمع والنظام في الرد على استحقاقات التاريخ، وبالتالي انهيار الأوضاع والسير نحو غياهب المجهول.

سوف أركز مداخلتي على الإجابة السريعة على خمسة أسئلة:

1-ما هي حقيقة أوضاعنا

2-ما هي طبيعة الأزمة السورية وأين تكمن المشكلة

3-المصالحة الأهلية والعمل لبناء عقد وطني جديد

4-شروط الإصلاح الوطني وأهدافه

5-دور المعارضة والقوى الديمقراطية

1-حصاد نصف قرن من الاستقلال

ليس لدينا من سبيل لتكوين معرفة موضوعية بأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية والوطنية عموماً إلا وسيلتين: الأولى، كمية تقوم على الاستنارة بالمؤشرات الإحصائية. والثانية، كيفية تعتمد على الملاحظة والتحليل. والمعطيات الإحصائية أصبحت اليوم متوفرة بكثرة وفي متناول الجميع، ومعظمها يرجع لتقرير التنمية البشرية وتقرير البنك الدولي السنويين وبعض إحصاءات صندوق النقد الدولي، أو لمصادر محلية، هي تلك التي يقدمها المكتب المركزي للإحصاء. وجميع الأرقام المستخدمة هنا مستمدة من هذه المراجع، وبشكل خاص من دراسات الاقتصاديين السوريين الذين جمعوا غالباً بين الإحصاءات السورية الرسمية والإحصاءات الدولية وقارنوا فيما بينها.

ماذا تقول هذه المعطيات؟ تبين الأرقام الإحصائية أن هناك تراجعاً ثابتاً في كل المؤشرات الاقتصادية: فقد هبطت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بين عام 1980 وعام 1997 أي خلال 18 عاماً بما يعادل 6937 ل.س أو نسبة تقارب 16%[37]. وانخفض متوسط نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي من 7،6% لأعوام 1953-1965 إلى أقل من 1% لعامي 1998-1999، مع وجود تقديرات أخرى تقول أنه كان سالباً، في هذه السنة[38]، وتراجع معدل التراكم الداخلي من 19% عام 1980 إلى 12% عام 1990 و14% عام 1997، وزاد الدين الخارجي من 10842.8 مليون دولار عام 1985 إلى 20864.7 مليون دولار عام 1997، أي أن الدين ازداد بما بقارب 5.6 % سنوياً وهو معدل أعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي لنفس الفترة، وارتفعت نسبته إلى الناتج الإجمالي من 5،66% عام 1985 إلى 126.4 عام 1997[39]. وارتفع عجز الميزان التجاري السوري إلى معدل 35% عام 1991، واستقر في حدود 25% في الأعوام 1993 و1996، (يظل عام 1997 استثناء إذ انخفض هذا العجز إلى 3% فقط بحكم انخفاض الواردات بمعدل 25% بالنسبة للسنة التي سبقتها).

لكن إذا ما وضعنا الصادرات النفطية جانباً تفاقم هذا العجز ليبلغ الثلثين بالمتوسط، فقد ارتفعت نسبته إلى 73% عام 1996 وهبطت إلى نسبة 57% عام 1997[40]، وارتفع معدل التضخم السنوي بنسبة 15.7% وسطياً للفترة 1985-1996، وهبط نصيب الاستثمار من الناتج المحلي الإجمالي، حسب تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة، من 67.5% عام 1970 إلى 29% عام 1997. أما معدل البطالة فهو يتجاوز 20% من قوة العمل ويمكن أن يبلغ 23% منها عام 2000[41]. وقد ارتفع وسطي فرص العمل المطلوبة للقادمين الجدد إلى سوق العمل من نحو 75 ألف فرصة في السبعينات إلى ما يقارب 250 ألف فرصة عمل عام 2000. وتضرب البطالة بشكل خاص فئة الشباب، فحسب المسوحات التي قام بها المكتب المركزي للإحصاء كانت نسبة العاطلين عن العمل من فئة 15 ـ 24 عاماً تقارب 72.3% من مجموع العاطلين عن العمل، أي ما يزيد عن ثلاثة أمثال حصتهم من السكان والمقدرة بـ 22.8% وما يقارب ضعف حصتهم من قوة العمل، وحسب مسح عام 1999 كانت نسبة المتعطلين والذين لم يسبق لهم العمل نحو 83.75% من إجمالي عدد العاطلين عن العمل، مما يؤكد انعدام فرص العمل الجديدة وعدم مواكبة التنمية والنمو الاقتصادي بشكل عام للنمو السكاني وللنمو في قوة العمل[42]. وتشير إحصاءات عام 1999إلى أن نسبة الذين يعملون في القطاع غير المنظم آخذة في الازدياد، فقد بلغت 43 % من إجمالي المشتغلين في قطاعات الاقتصاد الوطني بعد أن كانت تبلغ 40.7% في مسح القوى العاملة لعام 1995، وبلغ عدد العاملين في هذا القطاع (1999) 1755 ألف فرد مقابل 1096 ألف فرد في القطاع العام و 1222 ألف فرد في القطاع الخاص المنظم[43].

وفي الميدان الاجتماعي تشير الأرقام إلى تدهور مستمر في مستوى الخدمات الاجتماعية وتصاعد سريع في عدد الفقراء، فقد تراجع الإنفاق العام على الصحة إلى ما يقارب 1.02% من الإنفاق العام لموازنة عام 1998 بعد ما كانت نسبته 2% في موازنة عام 1980. وتراجع الإنفاق على التعليم بكافة مستوياته خلال السنوات 1985-1996 مما يقارب 6.1% من الناتج القومي الإجمالي إلى نحو 4.2% من الناتج عام 1996، هذا في الوقت الذي ازداد فيه عدد تلاميذ المرحلة الابتدائية بمعدل وسطي سنوي يقارب 2.6% خلال السنوات 1985-1998، أي بزيادة إجمالية تقارب 40% عن عددهم عام 1985، وازداد عدد طلاب المرحلة الإعدادية بما يقارب 24% خلال نفس الفترة، كما ازدادت نسبتهم في التعليم الثانوي بفروعه المختلفة بما لا يقل عن 30%· وهذا يعني أن نصيب الإنفاق على تعليم الفرد قد لحظ انخفاضاً هائلاً في العقدين الماضيين. وبينما تبلغ نسبة الطلبة الذين يتابعون دراساتهم الثانوية 74.3% من أصل الذين يبلغون السن المناسبة في تونس، و 75.1% في مصر، لا يتجاوز في سورية 42.3%[44]. ولحظت الأجور تدنياً ملفتاً جعلها تقل عن مستوى الكفاف. وقد قدرت إحدى الباحثات السوريات أن الحد الأدنى للأجور يقل 300% عن حد المعيشة. كما حصل تدهور مماثل في القوة الشرائية، فقد وصل الفارق المتراكم بين الارتفاع في الأسعار والأجور منذ عام 1985 وحتى عام 2000 إلى 200%· وتفاقم التوزيع غير العادل لعوائد النمو والثروة الاجتماعية. وتشير حسابات الدخل القومي إلى أن كتلة الأرباح زادت بمقدار 184 مرة عن كتلة الأجور، وأن الأجور تتراجع بالفعل بنسبة 12% في العام وذلك قياساً لارتفاع الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية[45]، ويقدر الباحثون أن نسبة الفقر في سورية في ارتفاع مذهل، فبالمقارنة مع مستويات الدخل وتكاليف المعيشة، يتبين أن النسبة العظمى من السكان العاملين بأجر، أي نحو 75.6% يتقاضون أجراً شهرياً أدنى من خمسة آلاف ليرة سورية لا يكفي الاحتياجات المطلوبة للغذاء فقط لأسرة من خمسة أشخاص[46]. وإذا أخذنا بعين الاعتبار استمرار المعدل المرتفع لنمو السكان الذي لا يزال من أعلى المعدلات في العالم أي 2،3%، وأن حجم الاستثمارات المطلوبة لإيجاد فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمالة كل عام تقدر بـ 187.5 مليار ل.س تبين لنا حجم التحديات التي توجهها سورية في السنين القليلة القادمة. إن من يتأمل بشكل معمق في مؤشرات التنمية السورية التي تبدو جميعاً في هبوط لابد أن يلاحظ بوضوح أن تراجع هذه المؤشرات بالنسبة للفرد لا يعني أنه لم يحصل نمو بشكل عام للثروة الوطنية، ولكنه يعني أن هذا النمو قد تركز في بعض الميادين وعند بعض الفئات وترك الميادين والفئات الأخرى من دون نمو فعلي، إن لم يكن في تراجع.

ومن هنا، أعتقد أنه لا ينبغي أن نتحدث هنا عن ضعف النمو فحسب، وإنما أيضاً وأكثر من ذلك، عن النمو المشوه. والفرق بينهما كبير، فالتشوه يعني عدم التناسب في النمو في أطراف الجسد الواحد. ليس هناك خلاف بين جميع الباحثين حول ما تعنيه هذه المؤشرات، لكن السؤال الذي يتوقف على الجواب عليه نوع الحلول المقدمة، هو معرفة فيما إذا كان ما تعيشه سورية من أوضاع اقتصادية واجتماعية متراجعة هو تعبير عن أزمة اقتصادية نابعة من سوء الإدارة والفساد، كما تميل إلى تأكيد ذلك الدوائر الرسمية، أم هو تعبير عن أزمة تنمية لم تأخذ بالاعتبار المؤشرات الإنسانية والاجتماعية، أم هو تجسيد لأزمة نظام مجتمعي. وإذا أردنا التوضيح قلنا: هل تكمن المشكلة في سلوك الأفراد وكفاءتهم وفي انعدام الخبرة والمهارة في المجتمع؟ أم في قواعد العمل التي يقرها النظام العام بحسب الأهداف التي يسعى إليها، والتي تتحكم بتنظيم الموارد وتشجيع السلوك؟

2-أزمة الوطنية السورية

شهدت السنوات الأخيرة تركيزاً كبيراً من قبل المسؤولين الرسميين في الحزب والدولة على أطروحة الفساد لتفسير أسباب الأداء الضعيف للاقتصاد. وهناك من يسعى اليوم إلى الربط بين هذا الفساد وظاهرة العولمة، ليشير إلى أن ما يصيب سورية هو مرض عالمي لا يقتصر على نظام حكم أو قطر، وإنما ينتشر في جميع البلاد والأنظمة، النامية منها والصناعية. ويميل عدد كبير من الاقتصاديين إلى التركيز على مسؤولية الإدارة الاقتصادية اللاعقلانية التي أساءت إساءة عامة للقطاع العام ودفعته إلى الإفلاس، وهو ما يعتقده الاشتراكيون، أو التي عرقلت الاشتغال السليم والضروري لقوانين السوق الطبيعية في العرض والطلب وقيدت النشاطات الاقتصادية كما يشير إليه الليبراليون.

بالمقابل تنزع أوساط المعارضة وعلى رأسها المثقفون إلى تحميل المسؤولية بشكل أكبر للنظام السياسي الاستبدادي أو التسلطي الذي يلغي أي مراقبة أو محاسبة شعبية. ومن هنا أصبحت الديمقراطية هي كلمة السر ومفتاح الخروج من مأزق الحالة الاقتصادية والاجتماعية المتردية، كما أصبح إحياء المجتمع المدني المنصة التي يستطيع من خلالها الناشطون من أجل الديمقراطية وتخليص البلاد من نير السلطة الاستبدادية المطلقة الوصول إلى التعددية وتغيير قواعد عمل النظام السياسية. بالرغم من ملامسة كل منها للحقيقة، لا تستطيع هذه العوامل إذا أخذت كل على حدة تفسير ما حصل. فالفساد ليس سبباً بقدر ما هو نتيجة لغياب القواعد السليمة في الإدارة، وما يبدو وكأنه سوء في الإدارة الاقتصادية ولا عقلانية يمكن أن يكون عقلانياً جداً من وجهة نظر المصالح الاجتماعية التي تخدمها الإدارة. كما أن الديكتاتورية الفرانكوية في الماضي والكورية الجنوبية في فترة أقرب إلينا لم تمنع هذين البلدين من تحقيق تراكم في العديد من الميادين الصناعية والتقنية والعلمية. باختصار، ليس الفساد الأخلاقي والسياسي، وسوء الإدارة والتسلط السياسي وإلغاء المجتمع المدني والحريات الأساسية والتحكم المباشر في الإعلام وتنظيم مراقبة شمولية وعامة على حركات كل فرد وأفكاره، ليس ذلك كله إلا مظاهر لحقيقة واحدة ومتكاملة هي النظام المجتمعي الذي خضعنا له خلال العقود الماضية، وهو النظام الذي أطلق عليه الغربيون اسم النظام الشمولي والذي أسميه النظام البيروقراطي لأنه يعتمد في تشغيله والسيطرة عليه وتوجيهه على طبقة بيروقراطية عسكرية ومدنية استطاعت من خلال تماهيها مع الدولة والاحتماء بها من توحيد نفسها والتصرف كطبقة قيادية أي أيضا سياسية وليست مجرد طبقة إدارية.

وعندما نتحدث عن نظام مجتمعي فنحن لا نتحدث عن أشخاص أو فئات، ولكن نعني مجموعة القواعد والمبادئ والقيم التي تنظم العلاقات بين الأفراد فتحدد نوعية المؤسسات التي تؤطر نشاطهم، وعلاقة هذه المؤسسات فيما بينها، وعلاقتها بالمجتمع، وطريقة عملها وتجديدها والسلطات والصلاحيات المرتبطة بها. وهذا ما يجعل من المجتمع كياناً واحداً ينتج عنه من الموارد والنشاطات والقيم والمعايير والمعارف غير ما ينتج عن كل فرد فيه بالكلية. فالنظام المجتمعي، أي أسلوب انتظام الأفراد في سياق واحد هو الذي يحول الفرد إلى عضو في مجتمع، أي جزء من كل واحد وموحد، وهو الذي يجعل من المجتمع، أي من مجموع الأعضاء المتفاعلين، وعلى قدر ما يتيح لهم من التفاعل والتواصل والإثراء الذاتي، مجتمعاً منتجاً ومبدعاً يستخدم موارده لتطوير قدراته وتعميم القيم الإنسانية على أفراده كما يمكن أن يجعل منه مجتمعاً بائساً تعساً غير قادر على استخدام موارده ولا تثميرها، فالنظم الاجتماعية هي التي تفقر وتغني، وهي التي تنشئ الحريات أو تلغيها، لا الأفراد. وقد دخلت سورية في هذا النمط من التنظيم الاجتماعي منذ نهاية الخمسينات، مثلها مثل المئات من البلاد الأخرى· وافتتنت نخبها به لما أظهر من فاعلية في تعبئة البشر وقيادتهم، ولما اتسم به من تطابق مع أفكار التقدم التاريخي والعقيدة التحديثية التي نشأت في الصراع ضد النمط الاجتماعي القرسطوي السابق المتميز بالركود والتكرار. وقد تبين مع الزمن أن هذا النظام الذي يظهر ديناميكية قوية في المرحلة الأولى لا يلبث بسرعة حتى يقود إلى الجمود والركود والاستنقاع، وذلك بسبب تعرض الطبقة الحاكمة التي تكرس نفسها بنفسها نخبة قيادية ولا تقبل بإخضاع ممارستها واختياراتها لأي محاسبة شعبية جدية، للفساد، وفي إثرها إلى فساد شامل يمس جميع نشاطات الحياة والعلاقات الاجتماعية. ولعل من أهم نقاط الضعف التي ميزت هذا النظام هو أنه يقصر اختيار جميع عناصر القيادة والإدارة والتسيير والتنظيم والتعبئة، أي كل ما يتعلق بتنظيم الحياة العمومية، والخصوصية أحياناً، على نخبة أحادية، تشكل حلقة مغلقة، تدور حول نفسها، ولا تتجدد إلا نادراً وبشق النفس. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه النخبة التي سرعان ما تدرك أنها تسيطر على مقاليد الأمور جميعاً وتتحكم بكل موارد البلاد، ليست معرضة لأي نوع من المنافسة أو المزاحمة أو الصراع الذي يمكن أن يحثها على الارتقاء بأدائها وتحسين تأهيلها ورفع كفاءاتها، فهي نخبة مكرسة ومحمية حماية مطلقة بمنظومة من أجهزة الرقابة والتفتيش والتحقيق ومن الأجهزة القمعية. ولأنها تستند في وجودها وتعرف أنها تستند إلى الدبابات وليس إلى تصويت الرأي العام وموافقته، فهي تميل بسرعة إلى الجمود والتراخي وتفقد شيئا فشيئاً أي حافز لبذل الجهد والقيام حتى بمسؤولياتها الروتينية، بل تفقد حتى الشعور بالمسؤولية العمومية والشخصية. إنها نخبة سياسية مدللة تعيش في كنف الجيش والأجهزة، ولا تخضع في سلوكها ولا في قراراتها لأي محاسبة أو مساءلة من خارجه.· ومن الطبيعي أن تنزع مثل هذه النخبة التي تعيش في دارة خاصة معزولة ومنعزلة عن بقية المجتمع وعن مشاكله وانشغالاته إلى التنافس فيما بينها والصراع بين أفرادها وفرقها على حيازة أكبر ما يمكن من سلطة القرار أو من التحكم بالموارد المادية والمعنوية، وتكوين شبكات دعم وتضامن زبائنية من داخل النظام وخارجه لتدعيم مركزه، وسرعان ما يؤدي الاقتسام الثابت والمكرس للموارد ومناطق النفوذ إلى التجميد والتحييد المشترك لجميع الفرق المتنازعة، ومن وراء ذلك إلى القضاء على هامش الفعالية الذي كان يميز نظامها، أي علي ميزة السرعة في اتخاذ القرار والحسم في تنفيذه. وقد وصلت الأوضاع في بعض مراحل الحكم السوفييتي إلى العجز عن اتخاذ أي قرار، بل إلى الجمود والشلل الكامل للدولة. لكن تكوين نخبة مكرسة ومحفوظة لا تخشى أي منافسة وليس لديها أي حافز لتحسين أدائها ليست العلة الوحيدة لهذا النموذج. فإلى جانب ذلك، ينبغي الإشارة إلى ما يكلفه بالنسبة للمجتمع نظام قرار يستبعد المجتمع كلياً من المشاركة ويقصر أمر مناقشة القضايا العامة، إذا تمت مناقشة بالفعل، على نخبة صغيرة، بل على أعضاء المكتب السياسي للحزب، إن لم يكن على أمينه العام وحده، من آثار سلبية على الرأي العام. إذ يقضي نظام القرار هذا في الواقع بالتحييد الكامل للمجتمع وإخراجه تماماً من ميدان التفكير بمصيره وبالتالي من ميدان الشعور بالمسؤولية. ومن الطبيعي أن ينزع مثل هذا المجتمع المستبعد من الأمور العمومية والمطلوب منه العمل والطاعة والتنفيذ وتلقي الأوامر إلى أن يصبح مجتمعاً سلبياً عديم التفكير بمصيره العام، أو مسلماً به لغيره، وغير قادر على محاكمة أي قرار من القرارات السياسية. وكما يؤدي الوضع الاحتكاري وغير التنافسي بالنخبة الحاكمة إلى الترهل وفقدان الشعور بالمسؤولية والبحث عن تحسين الكفاءة الشخصية، كذلك يؤدي الوضع الهامشي والتحقيري للمجتمع إلى تساهل الأفراد في كل واجباتهم المهنية والشخصية وانعدام الحافز للتقدم والارتقاء بالجهد وبالنفس. وهذا هو الذي يفسر أن جميع هذه الأنظمة تسير في مرحلة أو أخرى نحو التسيب الكامل وتدفع إلى الاستهتار المعمم بالموارد والمصالح والحاضر والمستقبل. كل يبحث عن موقعه الصغير ويسعى إلى حماية امتيازاته المحدودة وليس لديه لا طموح للتغيير ولا للتحسين، بما في ذلك تحسين أوضاعه المادية، إنه التسليم للأمر الواقع والاستسلام لدافع التقهقر والانحطاط العام. والواقع أن جميع هذه الأنظمة انتهت إلى ما يشبه الآلة الجهنمية التي تولد القهر المستمر لكل فرد فيها، ويشكو منها الجميع ويعاني من جمودها وتخشبها بما في ذلك في قمة الهرم، لكن من دون أن يستطيع أي فرد أيضاً أن يقف ضدها أو أن ينجح في التفاهم مع غيره لمقاومته، ومن ينجح في نزع نفسه من سياقها، ويتحرر من قهرها، وذلك لقاء تضحيات وجهود استثنائية وأحياناً فوق إنسانية، يصبح خارجاً على المجتمع، أي منشقاً وليس صاحب رأي أو عقيدة، إنه متعاون أو متآمر أو مدسوس على الدولة والمجتمع، ومن الطبيعي والقانوني إرساله إلى معسكرات الاعتقال أو إلى المصحات العقلية بعد نزع حقوقه السياسية والمدنية. والسبب في ذلك هو أن شبكات المصالح المكرسة لجميع الفرق والعصبيات لا تقوم على أي أسس قانونية ثابتة، فهي تحتمي بعضها بالبعض الآخر، وأي انشقاق عنها يهدد بالعمق استقرارها.

وفي سورية ترافق توطين هذا النموذج البيروقراطي الاجتماعي مع الأزمة السياسية الخطيرة التي واكبت الانفصال عن مصر وأدت إلى انقلاب موازين القوة والانهيار الكامل للنخبة الحاكمة المدينية في الستينات وصعود نخبة قيادية من أصول ريفية مكانها. وقد دفع ذلك إلى حصول تحوير في وظائف النظام الشمولي الكلاسيكي كي يلبي الحاجة الطارئة إلى التمكين لنخبة عديمة النفوذ في الدولة والإدارة ومساعدتها على إرساء أسس قوية وثابتة، مادية واجتماعية، لسلطتها المتنامية. وهو ما أضفى على هذا النظام طابعاً عشائرياً وفلاحياً ميزه عن تلك النظم البيروقراطية الشمولية القانونية التي عرفتها الدول الشيوعية. وقد أظهرت التجربة على أن الالتقاء بين نظام شمولي بيروقراطي يقوم على التركيز الشامل للسلطة من جهة ونظام العصبية العشائرية أو الزبائنية من جهة أخرى يضاعف من تراكم القوة ويشكل محركاً انفجارياً جباراً لتسريع النقل الخالص للسلطة والثروة، فقد تحقق في هذا المجال في أقل من ثلاثين سنة ما كان يحتاج إلى قرن من الزمن في الحالات العادية. وهذا النقل الذي هو جوهر النظام كما تبلور في العقود الثلاثة الماضية هو الذي يفسر كل ما تميز به الأداء الاقتصادي والإداري والاجتماعي والتعليمي ومؤشرات التنمية البشرية المنخفضة. فكيما يتحقق نقل الثروة على نطاق شامل وبسرعة كبيرة كان لا بد من خلق حالة تسمى في العلوم الإنسانية بالفوضى الخلاقة، وهي فوضى منظمة هدفها تحرير العناصر من القواعد والالتزامات المعروفة وخلق فرص للحراك الاجتماعي ولتبديل المواقع لم تكن ممكنة في إطار السير العادي للنظام. لقد كان المضمون الاجتماعي الرئيسي للوضع الذي عرفناه في العقود الثلاث الماضية هو دمج الريف، من خلال نخبه العليا، في المجتمع الوطني، أي في الثقافة والسياسة والحضارة المدينية، بعد حقب طويلة من الإقصاء والتهميش. بيد أن ثمن ذلك، بسبب الطريقة التي تم بها، كان مرتفعاً جداً، وهو تدمير البيئة السياسية والاجتماعية الحديثة التي تكونت خلال مرحلة الصراع ضد الاحتلال وبعده، فلم يكن من السهل تحقيق الصعود والارتقاء الكاسح والسريع للنخبة الجديدة إلى موقع القيادة الاجتماعية والسياسية ونشر قوتها في كل النظام الاجتماعي وطرد النخب المدينية الراسخة الجذور في كل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني تقريباً من دون التعليق العملي للقانون وتدمير الأطر المؤسسية وتفريغها من محتواها لصالح تنمية علاقات التبعية الشخصية والزبائنية، وتحويل الدولة، بما تتضمنه من وسائل أمنية وقانونية وقضائية، إلى أداة حماية خاصة من جهة وأداة قهر للآخر وسيطرة عليه من جهة ثانية، ومن دون تحييد وتهجير أو تشريد عناصر النخبة المدينية وأطرها بطريقة أو أخرى.

وقد حصل ما يشبه ذلك، وإن بطريقة مختلفة، منذ الربع الأول من القرن الماضي، في العراق وبعض دول الخليج، حين استبعدت النخب المدينية، بدعم مباشر من البريطانيين، لصالح نخب ذات أصول بدوية، وما حصل لم يكن في الواقع إلا شكلاً من أشكال الانقلاب الاجتماعي العنيف الذي عرفته العديد من الشعوب على طريق تكوينها الطويل والصعب، ففي دولة أخذت بمبادئ الوطنية الحديثة، من عدالة ومساواة بين جميع الأفراد، لم يكن من الممكن الحفاظ على النظام الاجتماعي التقليدي الذي سيطرت عليه النخب المدينية سيطرة مطلقة خلال القرون السابقة ووضعت جميع العراقيل التي تحد من استيعاب النخب الجديدة والاعتراف بها ودمجها في النظام الوطني. وبالمثل، ما كان بإمكان النخب المدينية التي اعتادت في أغلبيتها الساحقة على مثل هذه السيطرة واستبطنت كل رموزها، بما فيها نبذ النخب الفلاحية وتجاهلها وأحياناً تحقيرها لضمان السيطرة المعنوية عليها، أن تقبل ببساطة الخروج السريع من ساحة العمل السياسية.

وجاءت أحداث الثمانينات لتهدم كل ما بقي من أوهام وطنية تساعد على تجاوز الهوة وتحقيق الحد الأدنى من التواصل الذي يحفظ مظهر الوحدة الاجتماعية ويخفف من مناخ الحرب الأهلية الاجتماعية. ومن هنا شكلت هذه الأحداث نقطة فاصلة أيضاً في تطور النظام ذاته. فمن يتأمل جيداً في المعطيات الاقتصادية والاجتماعية، يجد أن هذا العقد هو الذي شهد بداية التدهور الذي سيستمر فيما بعد بالرغم من كل محاولات الإصلاح الاقتصادي حتى يومنا الحاضر، فقد انقطعت الروابط القائمة بين الدولة والمجتمع بقدر ما تحولت الدولة إلى دولة الفريق المنتصر وحده، وزال مضمونها العمومي والقانوني، وأصبح المجتمع كما لو كان في حالة حصار. وزال الدافع لدى النخبة المسيطرة لبلورة أي سياسة اجتماعية فعلية، ودب التسيب والبحث عن المصلحة الشخصية والخاصة محل السياسة الوطنية. وفي موازاة ذلك عم الفساد وساد الشلل في الإدارة وتوقف أي جهد استثماري أو إصلاحي، وكانت النتيجة كارثة بيئية بالمعنى الاجتماعي جعلت النظام العام، أي كل ما يؤطر المجتمع وينظم علاقاته ويبث فيه الاتساق والانسجام، ينهار ويصبح غير صالح للاستثمار والعمل وبذل الجهد والإنتاج، بل للحياة. ولم يكن ممكناً في إطار نظام مجتمعي يلغي كل مكتسبات الدولة الحديثة والنظام العمومي المواطني، ويمسك بالدولة من أحشائها من خلال تعميم منطق التبعية الشخصية والولاء والاستزلام، أن تنمو أي ممارسة مؤسسية وأن يتحقق أي تراكم إيجابي فيها.

هذا هو في نظري مضمون الأزمة التي تعيشها سورية منذ عقدين، وهي أزمة تتجاوز بكثير الميدان الاقتصادي لتدخل في عمق الوجود الوطني، وفي أساسات الاجتماع السياسي. إنها أزمة الوطنية السورية التي تعني انهيار الأسس الضرورية لقيام جماعة سياسية موحدة ومتضامنة ومتفاهمة ومتفاعلة. وتتجلى هذه الأزمة العميقة في الشرخ الذي يخترق جميع هيئات ومؤسسات الدولة والمجتمع ويقسمه إلى مجتمعين متنابذين ومتباينين تماماً، لا تجمع بينهما لا وحدة هدف ولا وحدة صف ولا وحدة عقيدة ولا وحدة قيم ولا وحدة شعور، وليس لهما أي تقييم مشترك للماضي ولا تصور مشترك للمستقبل: المجتمع الذي تتكفله الدولة وترعاه وتحميه، والمجتمع المتروك لنفسه من دون حماية قانونية أو أمنية أو قضائية، المجتمع الغالب والمجتمع المغلوب. والنتيجة هي ما يميز الأوضاع السورية الحالية من ركود اقتصادي وإفقار اجتماعي وشلل للمؤسسات والهيئات المدنية وإحباط معنوي وعجز واضح في القيادة عن تحفيز الأفراد ودفعهم إلى المبادرة والعمل وبذل الجهد وعلى الاستثمار والتثمير في الحاضر والمستقبل، بما في ذلك الأفراد التابعين للنظام والمنضوين في مؤسساته الحزبية.

والترجمة المباشرة لهذا الوضع، ما يعيشه معظم السوريين على مختلف مستوياتهم وانتماءاتهم اليوم من إحساس مؤلم بالإحباط والخسارة ونقص الإنجاز. وهكذا لم تنجح سورية، بالرغم من التضحيات المادية والمعنوية الهائلة التي قدمها المجتمع في نصف القرن الماضي في الرد على أي تحد من التحديات التي كانت تواجهها في الخمسينات: لا في مواجهة سيطرة إسرائيلية ولا في بناء دولة وإدارة أو تطوير علم أو تجديد تقنية أو توطين بيئة صناعية حقيقية. وتكاد تخرج من صراع القرن الماضي كله وهي مفتقرة إلى أي نظام ناجع من النظم المؤسسية التي ترتكز عليها قوة المجتمعات في العصر الحديث، فهي لا تملك لا نظاماً صالحاً للانتاج، ولا للدفاع ولا للإدارة ولا للبلديات ولا للسياسة ولا للأجور ولا للتعليم ولا للصحة ولا للبحث العلمي ولا للتأهيل ولا للتأمين عن البطالة أو ضمان الشيخوخة ولا حتى في المواصلات والنقل، أو في التغذية بالماء أو الكهرباء. ولا يتفق أي منها مع الحد الأدنى من معايير الإدارة العصرية أو يعمل حسب أدنى مستوى من هذه المعايير. وإذا لم يكن لدينا نظام واحد سليم من النظم المدنية قادر على تلبية الحاجات الراهنة، فليس لدينا بالأحرى أي نظام يستطيع أن يصمد أمام التحديات القادمة والمستقبلية.

3- المصالحة الأهلية وبناء عقد وطني جديد

هذا التحليل هو المدخل الإجباري لفهم مسألة الإصلاح المطروحة اليوم في سورية، ذلك أن في الإصلاح يمكن أن نعدد ما شئنا من التصورات والمشاريع، وكلها يمكن أن تكون بالمطلق صالحة ومفيدة حسب ما نحدده لأنفسنا من أهداف، فتحديث الإدارة إصلاح، وتعديل الدستور إصلاح، وإعادة هيكلة المؤسسات الصناعية، بل مؤسسة صناعية واحدة إصلاح. إنما المهم هو أن نعرف ما هو مضمون الإصلاح الذي تحتاجه سورية لتصلح أحوالها وتخرج من أزمة الانقسام على الذات الذي يحكم عليها بالجمود والشلل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي تعيشه منذ عقدين. وهنا لا يمكن أن يوجد مائة إصلاح صالحة معاً، لا يلغي ذلك بالتأكيد، أن للإصلاح جوانبه المتعددة والمختلفة، الاقتصادية والإدارية التي يبدو أن الحكومة الراهنة تشدد عليها.

لكن لا يمكن لأي إصلاح في اعتقادي أن يعطي نتيجة أو يترك أثراً ما لم ننجح في إعادة بناء الوطنية السورية على أسس قوية وثابتة وترميم النسيج الاجتماعي، ويستدعي هذا فتح حوار وطني منظم وواسع وعميق، يعيد التفكير في الأساسات التي تقوم عليها الحياة الوطنية، أي الفردية والجماعية معاً، في سورية ويعيد تجديد العقد الوطني الذي أصابه الدمار، وهو العقد الذي تم إنضاجه في حقبة الصراع ضد الاحتلال، وقام على التفاهم الضمني بين مكونات المجتمع السوري الدينية والطائفية والعشائرية والمناطقية، واستبداله بعقد جديد يأخذ بالاعتبار المعطيات والقوى والمصالح والتحديات الجديدة. وأعتقد أن إعادة بناء العقد الوطني على أساس تعاقد مواطنين أحرار لا زعماء جماعات وعصبيات ومناطق، هو الوحيد الذي يستطيع أن يخرج الوطنية السورية القديمة من أزمتها الراهنة ويمكننا من إعادة بناء الدولة والمجتمع المدني معاً على أسس ثابتة وعصرية بالفعل. أعني على أسس قادرة على الوقوف في وجه الرياح العاتية التي تعصف بالمجتمعات في هذا التاريخ الصعب وفي المستقبل الأصعب، وعلى توفير الضوابط اللازمة لمنع التسلط الداخلي، وكذلك المرونة الكافية لامتصاص التوترات والتناقضات والاختلافات من دون تهديد الوحدة الاجتماعية والاضطرار إلى تكرار الحروب الأهلية، كما هو الحال في العديد من الدول النامية، التي لم تعرف كيف تنضج مثل هذا العقد الوطني على أسس ثابتة ومتينة. ولا يمكن إطلاق مثل هذا الحوار وإيصاله إلى أهدافه المنشودة، أي في الواقع إلى إعادة بناء إطار التفاهم والتضامن بين جميع مكونات الشعب، ما لم يتحقق الخروج من الأوضاع الاستثنائية والعودة إلى الحالة الطبيعية. ذلك أن غياب مثل هذا التفاهم الوطني الحقيقي، هو الذي يمنع من الخروج من النظام البيروقراطي الذي هجرته مئات المجتمعات الأخرى منذ عقود بقدر ما يزيد شك المجتمع بنفسه ويضاعف خوفه من أن يقود التغيير إلى صراعات أهلية وتمزقات أكثر مما يؤدي إلى تحسين الأوضاع.

لكن من المؤكد أننا لن نستطيع أن نخطو الخطوة الأولى والضرورية على طريق إعادة بناء الوطنية السورية ما لم نمتلك الجرأة على مواجهة الحقيقة، مهما كانت أليمة، وما لم ننظر إلى التاريخ ببصيرة، وأن تقبل جميع الأطراف الحقائق الجديدة، وطي صفحة الماضي وتصفية آثار ونتائج المرحلة السابقة، وبدء صفحة جديدة. وتعني مواجهة التاريخ ببصيرة، أنه لا ينبغي علينا أن نخفي عيوبنا وأمراضنا سواء أكان ذلك بسبب خوفنا من مواجهة الحقيقة أو خشيتنا من الاعتراف بالمسؤولية واحتمال التعويض عنها، فلا يفيد إخفاء الحقيقة التاريخية إلا في جعل آثارها ممتدة أكثر وجروحها غائرة بشكل أعمق. إن جميع الشعوب الكبرى قد مرت بحرب أهلية قبل أن تنجح في بلورة عقد اجتماعي يضمن لها الاستقرار البعيد القائم على التفاهم الواعي والتعاقد العلني بدل الاستقرار والوحدة الوطنية الكاذبين القائمين على المداهنة والنفاق والتغطية على المخاوف والتناقضات والاشكالات المهروب منها وغير المسيطر عليها. فقد نشأت الولايات المتحدة الأمريكية كما نشأت فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وروسيا والصين الحديثة وكل الدول الجديدة على أنقاض حرب أهلية راح ضحيتها ملايين البشر، وكانت هذه الحرب مناسبة لتصفية الصراعات الدفينة وإعادة التوازنات وتوضيح صيغة الاجتماع السياسي المشترك، وتبيان حقوق الناس وواجباتهم أي مناسبة لتأسيس اجتماع سياسي جديد قائم على عقد واضح ومنشئ لحقوق وواجبات فعلية لا وهمية مكتوبة على الورق. وبالتالي لفتح صفحة جديدة وحياة دستورية قائمة بالفعل على الحرية والمساواة والعدالة· ذلك أن أساس هذه الحروب جميعاً لم يكن شيئا آخر سوى التمييز والاضطهاد والقهر لفئة من المجتمع أو تجاهها. وكان هدف الحروب الأهلية جميعاً ومحركها تهديم الامتيازات وتكنيس كل آثار مجتمعات القرون الوسطى القائمة على التمييز بين المراتب والدرجات والطبقات، أي تكوين أمة بالمعنى الحديث للكلمة، قائمة على تعاقد أفراد أحرار ومسؤولين.

وبمثل هذا ينبغي أن نخرج من حربنا الأهلية إذا لم نشأ أن نعود إلى تكرارها ثانية كما حصل في بلاد مجاورة لنا، وهذا يقتضي أن لا نستبدل سياسات التمييز والعزل الماضية بسياسات تمييز وعزل جديدة معاكسة. ويعني الاعتراف بالحقائق الجديدة، أن يدرك جميع السوريين أن سورية المدينية ما بعد العثمانية بقيمها وتقاليدها وأساليب عيشها وحكمها معاً قد دفنت نهائياً ولن تعود ثانية أبداً، وأن سورية الجديدة لن تقوم إلا إذا عرفت كيف تفتح أذرعها بالتساوي لجميع أبنائها، في أي منطقة ولدوا وإلى أي مذهب انتموا. لكن سورية الفلاحية المعادية للمدينة والانتقامية لن تعيش أيضاً إلا إذا خلدت حالة الحرب والحصار. ويعني طي صفحة الماضي، الصفح المتبادل عما حدث، لكن في إطار من الوعي الواضح وتحمل المسؤولية، أي ليس على مبدأ تبويس اللحى ولكن على مبدأ الاعتراف والنقد الذاتي والتعاون على تصفية ذيول المواجهات الماضية بما في ذلك الإفراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين وإراحة عائلاتهم والتعويض المعنوي والمادي للضحايا وأسر المنكوبين. وفي اعتقادي أن الحرب قد حسمت وانتهت بالفعل، لكنها لا تزال تنتظر من يعلن نهايتها الرسمية ويأخذ على عاتقه مسؤولية ومهمة تضميد الجراح ورأب الصدع والتعويض عن الخسائر والأرواح. وهذه هي مهمة الدولة ومسئوليتها ولا يمكن لأحد آخر أن يحل محلها فيها. ويعني بدء صفحة جديدة في تاريخ سورية، العودة إلى الوضع الطبيعي الذي يضع جميع المواطنين سواء أمام القانون والحقوق والواجبات، ويوحدهم في إطار نظام يضمن لجميعهم المشاركة بالقدر نفسه وعلى قدم المساواة في سياسة بلدهم وتقرير مصيره. كما يعني إعادة التوازن بين القوى الاجتماعية· وهذا لا يتم إلا بالخروج النهائي من حالة الفوضى المنظمة التي تغطي استمرار منطق المواجهة والصراع إلى النظام الدستوري القانوني.

ومن هنا يأخذ الاختيار الديمقراطي موقعه وأهميته، ذلك أن اختيار الديمقراطية والاحتكام لقانون الاقتراع العام لا يعني هنا مجرد الاعتراف بالحرية الفردية ولا بأولوية السياسة على الاقتصاد، ولكن كوسيلة لا بديل لها اليوم للعودة التدريجية إلى الحالة الطبيعية ووضع حد لدولة الاستثناء والدولة الاستثنائية. فهو يشكل الدليل والمعيار الوحيد للعودة عن منطق النزاع الماضي والانتقال إلى نظام يعترف بالجميع ويضمن للجميع الحقوق المتساوية ذاتها. ودفع هذا الاختيار إلى الوراء أو تأجيله، لأي سبب كان، لا يمكن أن يعني شيئا آخر سوى تأجيل سياسة المصالحة الاجتماعية وتأكيد الثبات على نظام الأوضاع العرفية.

إن جميع الشعوب تتعرض في مرحلة أو أخرى من تاريخها إلى هزة وطنية داخلية نتيجة تقادم الأسس التي قام عليها عقدها الوطني وترهلها، لكن وحدها الشعوب التي تظهر جرأة على مواجهة مشاكلها ونزاعاتها بروح الجدية والمسؤولية، تستطيع أن تأخذ العبر منها وتتجاوزها. أما الشعوب التي تخشى من مواجهة نفسها والنظر في مشاكلها، ولا تعرف كيف تنهي حروبها وتخرج منها، فهي ليست مضطرة إلى تكرارها حتى تتعلم منها فحسب، ولكن ربما إلى أن تنتهي معها.

إن مسؤولية إطلاق مسار المصالحة الأهلية والخروج من مناخ المواجهة الأهلية تقع على عاتق الدولة ذاتها التي ينبغي أن تعود إلى وظيفتها الطبيعية كحكم بين الأطراف الاجتماعية لا كطرف فيها. وستكون فرصة عظيمة أن يأخذ رئيس الجمهورية المبادرة في خطاب منتظر يعلن فيه استعداد الدولة لتحمل مسؤولياتها في هذا المجال، والعودة إلى الحياة الطبيعية التي تقوم على تكريس المساواة الكاملة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، وتكليف الحكومة بالإعداد لانتخابات ديمقراطية خلال فترة معقولة تسمح لجميع قطاعات الرأي العام بالمشاركة في التحضير الفكري والسياسي لها. وينجم عن الانتخابات جمعية تأسيسية يتلخص جدول أعمالها في تنظيم الحوار الوطني والإعداد لدستور جديد للبلاد وبلورة مشروع الإصلاح الوطني الشامل الذي يحتاج تحقيقه إلى مساهمة جميع قطاعات الرأي العام والتزامها. فوحدها مبادرة استثنائية وخلاقة من هذا الطراز يمكن أن تعطي للشعب المستنزف مادياً ومعنوياً الدفع والحماس النفسي اللازم لتجاوز نقاط الضعف الكبيرة والتعويض عن نقص الوسائل والإمكانيات. ومثل هذه المبادرة الشجاعة هي الوحيدة التي تعطي لخلافة بشار الأسد والده في حكم البلاد مضمونها التاريخي ومبررها. والقيادة القوية هي تلك التي تحفز الشعوب على الارتقاء وترتفع بها إلى مستوى المثل الأخلاقية لا تلك التي تدغدغ مشاعر الضعف والأنانية والمصالح الشخصية لديها. وليس هناك إلا حركة قوية من هذا النوع يمكن أن تفجر مشاعر الإيمان بالذات والتضامن ونكران الذات والكرم العميق الكامن فيها، وتدفع سورية إلى تجاوز التحديات والتناقضات العميقة التي تكبلها وتقضي على روح المبادرة والعمل لديها. وسيجد الشعب بجميع فئاته والرأي العام بجميع قطاعاته يقف إلى جانب هذه المبادرة ويحمي مشروع إخراج سورية من حالة الإحباط الوطني والشك بالذات وانعدام الأمل بالمستقبل. فلا يوجد هناك من يريد اليوم في سورية أن يعيد الماضي إلى الحياة أو أن يستبدل حكماً بآخر، لكن جميع السوريين يبحثون عن سبيل ناجع للعمل الإيجابي الجماعي وتغيير قواعد الحكم والإصلاح الهادف إلى إقرار الحرية والعدل والمساواة بين جميع الناس.

4 – الإصلاح الذي تحتاجه سورية في الدولة والمجتمع

لا يغني رأب الصدع الوطني عن إصلاح السياسات ولا عن تقويم عمل الإدارة والمؤسسات، ولا عن بناء نظم صالحة للتعليم والصحة والنقل والبحث والتقنية والخدمات الاجتماعية وغيرها. وليس هناك أي تناقض فيما بينها، فهي جميعاً أهداف ضرورية ومترابطة. لكنه يعني بكل بساطة، أن تحرير سورية من مخاوفها ونزاعاتها العميقة وتطمينها على مستقبلها وإعادة الثقة إليها في قياداتها ونخبها، هو وحده القادر على تفجير طاقات أبنائها وإطلاق أيديهم من القيد وعلى إعادتهم إلى سكة العمل والإنتاج والإبداع.

وليس هناك إصلاح يمكن أن ينجح أو يقود إلى نتيجة، من دون مشاركة المجتمع الإيجابية وقبوله باقتسام الواجبات والالتزامات المطلوبة منه لتحقيقه. وفي هذه الحالة يمكن أن نحقق في أشهر ما يحتاج تحقيقه في الظروف الروتينية إلى سنوات، ونتجاوز مصاعب تناقضات تبدوا لنا في الأحوال العادية عنيدة كالجبال.

وليس هناك شك في أن الإصلاح الاقتصادي هو العمود الفقري لأي إصلاح في كل المجتمعات الحديثة. لكن الاقتصاد، قبل أن يكون استثمارات ومؤشرات إحصائية، هو مسألة وطنية واجتماعية وسياسية وثقافية ونفسية قبل ذلك جميعاً. ولم يعد هناك من يعتقد أن من الممكن إصلاح الاقتصاد بالاعتماد على الأدوات الاقتصادية والانكفاء عليها. والتنمية الاقتصادية التي يمكن أن ينتظر منها نتائج إيجابية تنعكس على حياة السكان تتطلب المراهنة على المجتمع ذاته، على عماله وفلاحيه وموظفيه وكوادره وعلى تدعيم طبقة وسطى محلية وفتح الآفاق أمام نمو طبقة رجال أعمال وطنية قادرة على تعبئة الموارد والادخارات الداخلية وتثميرها وخلق فرص العمل الضرورية لامتصاص البطالة المتصاعدة. وهي تتطلب عودة ثقة المجتمع بنفسه ووطنه ودولته وبزيادة قدرته على تحمل مسؤولياته وأخذه مصيره بيده.

وليس ما تحتاجه سورية اليوم إصلاحاً يراهن فقط على الرأسمال الدولي ويدعم بالضرورة، كما حصل حتى الان، وكما تظهره جميع الدول التي أخذت بهذه السياسة، طبقة المضاربين بأموال الدولة وأملاكها والمغتنين على حسابها من دون ثمن تقريباً، وبالتحالف والتعاون مع الرأسمال الدولي، من دون أن تحقق للمجتمع أي نقل فعلي للتقنية كما ينتظر منها ولا للخبرة ولا للتوظيف ولا حتى أي موارد ضريبية.

وليس ما تحتاجه أيضاً إصلاحاً يكمل مسار النزيف المستمر للكوادر الفنية والمواهب ورجال الأعمال والمستثمرين وفرص الاستثمار. إن ما تحتاجه كي تمتص جزءاً من التوترات التي تعيشها وتفكك الألغام العديدة المزروعة على طريقها وترد على التحديات الجديدة للسوق العالمية الحرة، هو خلق وضعية سياسية واجتماعية ونفسية جديدة لإعادة تأهيل المجتمع المستنزف ووضعه في شروط العمل والإنتاج والابتكار، أي خلق شروط نهضة وطنية بالمعنى الحرفي للكلمة تتجاوز في الطاقات التي تعبئها والآثار التي تحدثها والنتائج التي توصل إليها منطق الحسابات العادية. ويتطلب بعث روح النهضة والانتصار على مشاعر اليأس والألم والبؤس وانعدام الثقة بالذات والإحباط والتخلي عن المسؤولية مشروعاً للإصلاح ملهماً وعميقاً وبعيد المدى يشمل بالضرورة الحياة الدستورية ويعيد بناء المؤسسات، من الدولة إلى المجتمع المدني وهيئاته الأهلية، ويقضي على المفاهيم وأساليب العمل ونماذج الأداء القديمة التي جعلت المجتمع السوري يعيش متأخراً عن معظم المجتمعات العربية المحيطة به عقوداً عديدة. ويعني تجديد الحياة الدستورية، إعادة النظر في عملية اتخاذ القرار وتحديد دور الدولة ودور المؤسسات وإقامة التوازنات بين السلطات المختلفة والتمييز بدقة بين الصلاحيات المعطاة لكل هيئة وتثبيت قواعد العمل التي ينبغي أن تصبح مرعية في كل مؤسسة. فالسبب الأول لفساد النموذج المجتمعي الشمولي، لم يكن شيئا آخر سوى الاختلال الخطير الذي امتاز به في توازن القوة والسلطة، فهو نموذج يلغي التوازنات الكبرى جميعاً، ويوحد السلطة بكل أشكالها في يد هيئة واحدة لا تخضع لأي مراقبة سوى نفسها، وهذا يمكنها من أن تفعل ما تشاء وتترك ما تشاء وتوزع الثروة المادية والمعنوية كيفما تشاء وعلى من تشاء.

ويفترض مثل هذا الإصلاح الاتفاق على مسائل أساسية والرد على تساؤلات سياسية تعبر عن اختيارات اجتماعية، ومن هذه المسائل ما هو ذو طبيعة عامة مثل تقرير نوع النظام جمهورياً رئاسياً أم برلمانياً، اشتراكياً أم ديمقراطياً. وتحديد مكانة الدولة بالنسبة للحزب، هل هي دولة الحزب الواحد أم دولة تعددية. وتعيين دور الدولة في الاقتصاد، هل هي حكم يسن القوانين ويبين قواعد العمل ويراقب سلوك الأطراف الاجتماعية ويتركها تعمل في إطار القانون، كما تدعو النظرية الليبرالية، أم هي فاعل اقتصادي أيضا، يتدخل في الحياة الاقتصادية من أجل وضع الأهداف وتوجيه الاستثمارات، والتوسط بين الأطراف ودفعها نحو ممارسات محددة ضمن خطة تنمية شاملة متفق عليها ومناقشة من قبل البرلمان، كما تدعو الديمقراطية الاجتماعية، أم هي رب عمل وبديل للمجتمع وأطرافه المختلفة كما عرفتها النظم السوفييتية. وما هو دور الدولة في السياسة، هل هي منشئ لسلطة خاصة تفرض نفسها على المجتمع، أم هي تعبير عن سلطة صادرة عن المجتمع، وهل هي إرادة شخصية وخاصة مستقلة عن المجتمع أم هي إطار يقدم نفسه للأطراف الاجتماعية كي تنظم أمورها ضمن قواعد تعاقدية، وتؤمن لهذه الأطراف أدوات التشاور والتفاوض والتفاهم والتعاون لتحقيق الأهداف المتفق عليها. ودور الدولة في الثقافة والمجتمع، هل هي مبشر صاحب عقيدة يريد أن يفرضها على المجتمع ويدفعه إلى اتباع نماذج محددة للسلوك والتفكير والتصرف يعتبر أنها تعبر عن الحقيقة أو عن السلوك الأخلاقي الصحيح، أم هي مؤهل أو أداة تأهيل تقدم للأفراد وللأجيال الجديدة فرص التكوين والتدريب والتفتح والازدهار، في إطار المؤسسات الثقافية والعلمية والتربوية، وفي إطار احترام حرية الرأي والضمير وتفتح المواهب الذهنية. وكما أنه لا إصلاح للدولة من دون إصلاح الدستور، فلا إصلاح للدولة من دون إصلاح المجتمع. ويعني هذا الإصلاح هنا تغيير الدور الذي أعطي له حتى الآن في القرار العام، كما يعني تجديد الأسس التي تقوم عليها هيئاته الأهلية والمدنية.

وهذا يطرح سؤالاً أساسياً: ما هو المجتمع الذي نريد بناءه، هل نريد بناء مجتمع خاضع للدولة ومستسلم لها يطبق ما تطلب منه ويسلم لها في تقرير ما ينتظر منه، أم نريد بناء مجتمع حي ومسؤول وفاعل. وفي هذه الحالة يكون من الضروري الاستثمار في إصلاح الهيئات الاجتماعية والمجتمع المدني وتحرير هذا المجتمع ودعمه وتنشيطه وتدريبه حتى يستطيع أن يتحمل مسؤولياته ويقوم بالمهام الكبيرة المنتظرة منه للخروج من الركود والانحطاط الأخلاقي والمادي معا. وبالمثل، لن يستطيع المجتمع ولن تستطيع الدولة تنفيذ أي هدف وإنجاز أي إصلاح إذا بقيت حالة المؤسسات المدنية، والبلديات والمديريات والشركات العامة والخاصة، كما هي عليه اليوم. فالمطلوب هنا كما هو الحال في كل النظم العمومية، ضرورة العمل على إحلال العلاقات الموضوعية والعقلانية، أي غير المشخصنة، محل العلاقات الشخصية والزبائنية والعشائرية التي جوفت المؤسسات وأفرغتها من أي مضمون، حتى صار من الطبيعي أن تختصر المؤسسات السورية برئيسها الذي يتصرف فيها كما يتصرف مزارع في مزرعة أبيه. ولذلك لم يعد هناك عمل منظم ومنتظم ولا استخدام للموارد والملاكات بطريقة عقلانية وزاد الهدر والتسيب والاستهتار بالواجب، وضاعت الروح المؤسسية، أي النظام والانضباط والتنظيم العقلاني للعمل والتعاون والمسؤولية التراتبية والخدمة المجردة والموضوعية ومعها المؤسسات في بحر المزاجية والإرادات الشخصية والذاتيات والعصبيات القرابية. ومن هنا أصبح المجتمع يشعر بالضياع وبالافتقار إلى الأطر القانونية والمكفولة التي لا بد منها لقيام النشاط العام وتثمير الجهد الجمعي، وزاد الحافز لديه إلى اختراع أطر وتنظيمات وتعاقدات موازية ولا ضامن لها سوى العلاقات الأسرية أو العائلية أو المذهبية لتأمين حد أدنى من التنظيم والاتساق والفاعلية في علاقات التبادل والتواصل الاجتماعية. بيد أن مثل هذا الإصلاح الذي يطرح نفسه بشكل ملح لا يمكن أن يرى بداية التطبيق إذا لم ينجح المجتمع بجميع أطرافه في تجاوز نزاعاته القديمة والتغلب على مشاعر اليأس والإحباط وانعدام الثقة عنده والانتصار على روح الاستقالة السياسية والأخلاقية للدخول في حوار عميق وجدي يقوم بتصفية ذيول الماضي والتفاهم على مبادئ العمل الوطني وقيمه وأهدافه. فعلى هذا الحوار نفسه يتوقف تجديد العقد الوطني الذي هو أساس تقدم أي مجتمع ومقياس نضجه السياسي·

5 – دور المعارضة والقوى الديمقراطية

لا شك أن للمعارضة دور كبير في العمل على خلق سورية الجديدة والانطلاق بها خارج أسوار المشاكل والصراعات الدفينة التي تكبلها، وبالرغم مما تبدو عليه من ضعف اليوم، إلا أن مشاركتها في بناء هذا العقد الوطني، يشكل مساهمة ثمينة ولا يمكن أن يستغنى عنها لجعله عقداً مختاراً ومعبراً عن جميع أوساط الرأي العام السوري، ووجودها ومشاركتها هما اللذان يجسدان روح المصالحة الأهلية ويعملان على إنجاحها. وهذا يرتب عليها بالمقابل أيضا مسؤوليات ومهام كبيرة وخطيرة أيضاً ويتطلب منها:

1-إحداث طفرة في أساليب عملها وأشكال التنظيم والعقليات السائدة في صفوفها والانتقال من العمل العقائدي إلى العمل السياسي الموجه نحو بناء القوى، والخروج من منطق العمل السري أو شبه السري إلى منطق العمل العلني والانفتاح الواسع على الجمهور وكسر الخوف من العمل السياسي الذي بعثه تحويل العمل العمومي إلى بقاع مقدسة ممنوعة على غير المزودين برخصة حزبية أو أمنية رسمية. كما يستدعي الخروج من نماذج وأشكال التنظيم البونابرتية المركزية التي سيطرت على أشكال العمل السياسي في القرن الماضي في كل مكان والتي صارت تتخذ شكل تنظيمات مذهبية مغلقة تتزايد عزلتها عن المجتمع بقدر ما تنمي في داخلها ثقافتها الخاصة وما يميزها عن غيرها من التنظيمات، والأخذ بالمقابل بأشكال من التنظيم واسعة ومفتوحة، سياسية لا إيديولوجية، تكون مدارس للتربية والتعبئة الوطنية.

2-تجاوز الانقسام والتشرذم، ففي مواجهة الحضور الساحق والكلي للسلطة في جميع ميادين النشاط الاجتماعي، لا بد للمعارضة إذا أرادت أن تنال ثقة الرأي العام التي هي بطاقة دخولها إلى حقل العمل العمومي من أن تعمل على تجاوز خلافاتها النظرية والسياسية، وأن تنجح في تكوين قطب ديمقراطي قادر على فرض نفسه في الداخل والخارج على حد سواء، وبالتالي فرض الاعتراف به والتعامل معه، وهذا يتطلب الانتصار على روح العصبوية الحزبية المسيطرة والتي تعكس رؤية قديمة لمعنى التنظيم السياسي وطريقة عمله وأهدافه، وتطوير صيغ جديدة للعمل التحالفي والائتلافي أو الفيدرالي وتجميع القوى في لجان عمل ديمقراطية مشتركة تنتشر في جميع المناطق والمحليات ويجمعها هدف واحد وممارسة مشتركة ومنظمة.

3-التوجه نحو المجتمع والرأي العام، فالمهمة الرئيسية للمعارضة هي اليوم تعبئة القوى الاجتماعية ذات المصلحة في التغيير والإصلاح، وهذا يستدعي صوغ برنامج الإصلاح الديمقراطي والمشروع الديمقراطي للإصلاح والتغيير. وهو برنامج لا يزال غير موجود. ولا يغني الحديث الدائم عن الديمقراطية والمطالبة بالحريات الأساسية عن وضع برنامج العمل هذا، بأسلوبه وأهدافه المرحلية والقوى المشاركة فيه، وأشكال تنظيم القوى وتحويلها إلى قوى ذات وزن وفعل في مجتمعها. وفي هذا المجال، أعتقد أن المهمة الرئيسية التي يتوجب تحقيقها في السنين القليلة القادمة، هي تنظيم الطبقة الوسطى السورية وتوحيدها على شعار وهدف واضحين، فهي القوة الاجتماعية الوحيدة التي تملك الموارد المعنوية الضرورية والتي إذا تم توحيدها تستطيع أن توازن قوة البيروقراطية وتفتح باب التعددية. مما يعني أن قدرة المعارضة على المشاركة في مشروع المصالحة سوف ترتبط وهي مرتبطة ارتباطاً قوياً بقدرة الأحزاب الديمقراطية أو شبه الديمقراطية القائمة على لم شتات هذه الطبقة وتخليصها من رواسب الحرب الماضية ولحم صفوفها وبث روح الثقة والإرادة والأمل في المستقبل فيها. وهذه الطبقة لم تكن في أي وقت أكثر تشتتاً وانقساماً وتبايناً مما هي عليه اليوم ولا أكثر شعوراً باليأس والإحباط وانعدام القدرة والإرادة والفاعلية منها الآن.

4-توحيد الرأي العام حول أهداف واضحة ومحددة ومقبولة منه، ففي مواجهة العقد الذي تزمع الإدارة الاقتصادية توقيعه مع الشركات الدولية الاستثمارية، أي مع الرأسمال المعولم، سواء أكانت أصوله سورية أم عربية أم أجنبية، يتوجب على المعارضة العمل، أينما وجدت، على بلورة عقد اجتماعي مع الرأي العام يتضمن تحديد وتجديد المبادئ الأخلاقية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي توجه أو نريد لها أن توجه عملنا الوطني، وبلورة صورة ونموذج النظام المجتمعي الذي تدعو الشعب إلى النضال من أجله، وتوضيح الطريق الذي ستسلكه مع هذا الشعب نفسه للوصول إليه، والوسائل التي ينبغي تأمينها لتحقيق النجاح فيه. وفي اعتقادي أن أي عقد اجتماعي ديمقراطي لا يمكن أن يرى النور ما لم ينطلق من تأكيد قيم العدالة والحرية والمساواة، والحياة القانونية السليمة وقدسية الإنسان واحترام إرادته وضميره.

وفي النهاية، إن وضع المجتمع السوري على سكة النهضة الشاملة المطلوبة يتوقف على قدرتنا في أن نشجع جميع الأطراف، بل الأفراد، على تحمل مسئوليتهم والمشاركة من موقعهم في العمل على التغيير: السياسي ورجل الأعمال والتاجر والمثقف والمعارض والمواطن العادي. وهذا يستدعي تغييراً كبيراً في أخلاقيات المجتمع واستعادة لقيم الصدق والصراحة والشجاعة الأدبية.

وجوهر هذا التغيير في نظري هو أن نستعيد ذاكرتنا، وأن نتصرف كأناس أحرار. فلا يستطيع أحد أن يقرر مستقبلنا ضد إرادتنا، وليس مصيرنا مكتوباً على جبيننا ولكنه من صنع أيدينا.

المداخلات والتعقيبات

د. سليم بركات:

مبروك للأستاذ رياض افتتاح المنتدى من جديد، هذا أولاً، وثانياً: الدكتور برهان تحدث عن أمور كثيرة ومتعددة، وربما من سوء حظه أو من حسنه أنني بنفس اختصاصه، وفي الحقيقة يجب ألا نقف عند مسائل حجمها صغير إذا ما قيست بأمور الوطن الكبير، بالنسبة لرياض الترك، أنا أعلم تماماً وقلت في منتدى الأتاسي بأن تنظيم هذا الرجل عام 1980 كان مع تنظيم الإخوان المسلمين، لماذا شهداؤنا في جهنم ورياض الترك في الجنة، لا أعرف .. والمسألة الثانية، أنا مع محاسبة الفساد في سورية ويجب أن لا يكون هناك فاسد واحد، وأقول لكم إن مأمون الحمصي هو صنيعة الفساد في سورية، والمسألة الثانية التي أتوجه بها إلى الدكتور برهان غليون هي أننا لسنا في أزمة ولسنا في حرب أهلية في سورية، نحن في إطار وحدة وطنية والباب مفتوح على مصراعيه لتفعيل الدور الوطني والديمقراطية في سورية، ووجودنا في هذا المنتدى أكبر دليل على ذلك، ليس هناك مشكلة، والمشكلة أن لا نحقد على بعضنا البعض وألا نبني الوطن بالأحقاد وأن نفتح صدورنا لبعضنا البعض من أجل المستقبل، وأن يكون لدينا برامج عمل أساسية لتفعيل الدور الوطني، الباب مفتوح وخطاب القسم شاهد على ذلك. أرجو لو أنك لم تقع في أخطاء، فلا أرضى لمختصٍ بمثل اختصاصك أن يقع فيها، من سن 15-24 سنة هذا سن الدراسة ولا يُقاس في البطالة. والمسألة الثانية، أرقام الصحة والتعليم ربما غير دقيقة، أخذتها من الدكتور عارف وقلنا للدكتور عارف دليلة أرقامك غير دقيقة ويجب أن تُعيد النظر فيها، والدراسة التي استندت إليها بنسبة انخفاض مستوى المعيشة 300% وهذا يعني أن 5000 ل.س هو الحد الوسطي × 3 = 15000 ل.س وفي العائلة أكثر من موظف أي صارت بحدود 50 أو 60 ألف .. هذه المسائل غير دقيقة على الإطلاق، أما مسألة الفساد فنحن نحاربها، وفي آخر لقاء للرئيس بشار الأسد قال أكثر ما تأتيني الانتقادات من البعثيين وليس هناك بعثي له مصلحة في الفساد إذا كان بعثياً حقيقياً، نحن لسنا في نظام شمولي ونحن في نظام تعددي ويحتاج إلى تطوير، والدراسات قائمة للتغيير والجميع يعرف، أيضاً لفت نظري مسألة الخصوصية التي تكلمت عنها قبل الوحدة ألا تذكر أنه قبل وحدة 1958 وثورة آذار 1963 كانت سورية تعيش مرحلة الانقلابات. أما مسألة الريف والمدينة، فأتمنى أن لا نعزف على هذه الأمور، محاضرتك يا دكتور برهان مليئة بالسموم، مليئة جداً، لمن ينظر إليها جيداً (مقاطعة من قبل الحضور) (رياض سيف خاطب الحضور قائلاً الوقت للدكتور سليم مفتوح فهو يمثل الحزب الحاكم ونحن جميعاً معارضة، له ضعف الوقت لنفهم خطاب الطرف الآخر).

(يتابع الدكتور سليم بركات) قبل الوحدة، كان هناك نوري السعيد، والانقلابات، والأسطول السادس في لبنان، وحلف بغداد، كلُّ هذه الأمور تُعطي بعد أساسي لفهم خلفيات طرح الأمور بهذا الشكل، في سورية لا توجد حرب أهلية وليس هناك خطر من حرب أهلية إطلاقاً، لكن ربما وجود الدكتور برهان في باريس أثر على مواقفه.

يجب أن نحترم بعضنا البعض، ويجب تفعيل دورنا الوطني، وأن يعترف الواحد منا بالآخر، وهذه أمورٌ مشهودٌ للعهد الجديد فيها .. إصلاح المجتمع لذاته أمر مطلوب وإصلاح أنفسنا هو أهم إصلاح، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وسورية أمام ثورة تحديث وتطوير، وأرجو أن لا نكون جزءً من المؤامرة على سورية لأنها قمة الصمود، وأرجو أن لا نكون جزءً داخلياً من مؤامرة خارجية، والدكتور برهان يُدرك أكثر من غيره أن هناك مؤامرة كبيرة ضد سورية وعلينا إفشال هذه المؤامرة، كلنا مواطنين وكلنا مدعوون لبناء الوطن، والذي له أكثر في هذا الوطن هو الذي يقدم الجهد الأكبر. وشكراً.

رياض سيف يرد على بركات:

قال أن مأمون الحمصي هو أساس الفساد، إن مأمون الحمصي زميلي في مجلس الشعب وهو عضو فيه منذ 11 سنة، فكيف نتهم عضو مجلس شعب لمدة 11 سنة بالفساد ودون دليل، أنا أعرف حق المعرفة أنه لو كان هناك دليل حقيقي لنشر في الصحف مباشرة، يجب أن يُحاكم الحمصي بشكل علني، وليثبتوا ضده التهم.

عارف دليلة:

أبدأ بالسؤال، هل هذا الجمع هنا وقبل يومين في منتدى الأتاسي وفي كل المنتديات، هل هو من تعداد المواطنين السوريين أم أنهم من الخارج؟ إذا كنا نعترف بأنهم سوريون لهم كامل الحقوق كأي مواطن آخر فلماذا يجتمعون في هكذا مكان (مقاطعة)..، لماذا يجتمعون بهذا المكان وبهذا الشكل؟ في دول العالم المتحضرة والمتخلفة والهمجية لا يجتمع المواطنون بهذه الطريقة لا ليناقشوا قضية جمعية تعاونية فحسب بل ليناقشوا قضايا وطن، بالأمس في مكتبة الأسد كان هناك ندوة لوزير لبناني وصحفي سوري، ذكرت أرقاماً رسمية، أنا لست صانع أرقام، ليس عندي مكتب مركزي للإحصاء، أرقامي رسمية، وأنا أتساءل لماذا في سورية حجم الرسوم الجمركية 200 مليون دولار وفي لبنان الدولة الليبرالية 1.5 مليار دولار؟ منذ سنوات وأنا أسأل ولا أحد يجيب، ويبحثون فلان تهرب من الضرائب، وأنا أشير لهم بـ75 مليار ل.س مضيّعة قصداً ولا أحد يتحرك، ومع ذلك نُتهم اليوم عبر صحفي من الذين يتعيشون على العظام التي يلقيها هذا الجهاز أو ذاك، يكتب متهماً إياي بشتى التهم، هل أستطيع أن أدافع عن نفسي، فالحبر الذي يكتب فيه هو من مالي ومن مالكم جميعاً؟، لماذا لا نملك نحن الفرصة أيضاً لنقول رأينا؟، ليس بمال الدولة بل من مالنا، ما المشكلة في إنشاء صحيفة نقول رأينا فيها؟، ما الخطر في ذلك؟ هل إسرائيل ستستفيد من ذلك؟ إسرائيل تستفيد من غياب رأينا. أينما نتحدث يهب عدد من الصحفيين الذين يأخذون رواتبهم من مالنا ويتهموننا ولا نملك فرصة قول رأينا، هل هذا مجتمع حضاري من مجتمعات القرن الـ20 أو الـ21؟ أم هو من مجتمعات الجاهلية، في الجاهلية كان هناك ديمقراطية أكثر من هيك .. نحن نفتقر حتى للشكل البدائي للديمقراطية. مهم جداً أن الدكتور برهان غليون ألقى عليها المسؤولية مباشرة بإخراج المجتمع مما هو فيه، هل هذا وطن سينتقل إلى القرن الواحد والعشرين، بينما 18 مليون مواطن يرسلون إلى غرائب الجحيم لا عمل، لا دخل، لا تعليم، لا صحة، انظروا في المستشفيات الحكومية، المواطنون كالحيوانات يتدافعون للحصول على أبسط أشكال الرعاية الصحية، لماذا لا نحترم الإنسان؟، متى يدخل في رؤوسنا أن الإنسان مكرم من الله تعالى ويجب أن يُحترم، إن الذي خلقه كرمه وبالتالي يجب أن يُحترم بغض النظر عن موقعه، عن ثروته، عن قربه من هذا الجهاز أو ذاك، متى ندخل العصر؟، الدول العربية المتخلفة التي حولنا سبقتنا بألف سنة، هل نحن أقلُّ جدارة من هذه الشعوب العربية المجاورة؟ لا أقول غير الشعوب العربية، شعوب عربية مجاورة، أين كنا وأين كانت؟ وأين أصبحت اليوم؟ وأين أصبحنا؟ يجب أن نشعر بحد أدنى من المسؤولية، آن الأوان، نحن في أزمة وستقود إلى حرب أهلية، إذا استمرت هذه السياسات ستؤدي إلى حرب أهلية وسنذكر بعضنا، إذا استمرت هذه السياسات لا مخرج لنا ستصطدم المصالح، والذين سيمولون الحرب الأهلية هم الذين سرقوا مليارات الدولارات من جيوب الشعب كما في الحرب اللبنانية، مِنَ الذي سرقوه من جيوب الشعب، إنهم يستأجرون ويؤجرون العملاء الذين سيفجرون الحرب الأهلية.

رد رياض سيف:

لا قدر الله، أعتقد أن شعبنا أوعى، وأعتقد أن اجتماعنا هذا سيكون من أجل تفادي هكذا كارثة والتي لا يتمنى أحدٌ أن يسمع بذكرها.

أحمد سعد الدين:

أولاً نشكر الدكتور برهان غليون على هذه المحاضرة القيمة التي نادراً ما نسمع مثلها في بلادنا، في صدد حديثه عن دور المثقفين، أقول أنه لا يمكن أن يكون هناك أي دور فاعل للمثقفين إذا لم يتواجد نظام ديمقراطي حقيقي مصون بالقانون والدستور يسمح للمثقفين منظمات وأحزاب وأفراد أن ينخرطوا بحرية بين فئات المجتمع المختلفة، وإذا كانت الأزمة كما قلتم هي في النظام الاجتماعي أي في القواعد التي تسيّر الأفراد، ألا ترى أن المدخل إلى الحل هو سياسي؟، وهل يمكن للمنتديات أن تحل فعلاً محل الأحزاب؟. ذكرت أنه من مسؤوليات المعارضة تنظيم الطبقة الوسطى، ولكنني أرى أن الطبقة الوسطى انحدرت بشكلٍ كبير ولم يعد لها وجود حقيقي فاعل في المجتمع السوري. وشكراً.

محمد نجاتي طيارة:

مساء الخير، شكراً لهذه المحاضرة التي أعادتنا إلى حوارنا الوطني الهادف والعقلاني، دعانا الدكتور غليون لأن نتفحص المشكلة التي يريد البعض أن لا يراها حتى الآن ومازال يفعل كالنعامة التي تُخفي رأسها في التراب، المشكلة نعيشها جميعاً وندعو للخلاص من الاحتقان الوطني ومن الاحتراب الذي يمكن أن يهدد أو يستمر في حربٍ أهلية كامنة، وأرجو ألا نفهم الحرب الأهلية كما هي في أفلام السينما والأكشن، هناك حرب حقيقية كامنة، معظمنا يلمسها، لقد دعا الدكتور برهان في حواره إلى استراتيجية حوار وطني ومصالحة، وأعتقد أن هذه المصالحة يدعوا إليها كل صف المعارضة الوطنية الديمقراطية من التجمع الوطني الديمقراطي إلى حركة البعثيين حتى الإخوان المسلمين وجناحٌ منهم قد استفاد من تجربته ونقدها أيضاً، ألا نكون مسرورين عندما تدعوا فئات مختلفة ومتعددة إلى عقد اجتماعي وطني يقوم على الحوار إذا أردنا أن نُخرج بلادنا من أزمة ونشعر بمسؤوليتنا أمامها، كيف لنا أن نقول بأن نظامنا مازال بألف خير ومازلنا نعمي أبصارنا.. هل نحن بحاجة إلى مرحلة تنوير جديدة كالتي قام بها أعضاء التنوير في مرحلة سابقة؟ لقد وقف ضد العقل الخالص الميتافيزيقي وقال معترضاً على مجموعة من الأساليب التي تمنع التفكير الضابط، كان يقول لا تفكروا نفّذوا وتمرنوا، رجل الدين لا تفكروا آمنوا، جابي الضرائب لا تفكروا ادفعوا، هل يريدون منا أن نستمر هكذا كالأنعام ندفع ونؤمن وننفذ؟، نحن ندفع الضرائب ونريد أن نفكر في وطننا، نريد أن نفكر في مصيرنا، 37 سنة ونحن مازلنا مستمرين بحالتنا، لم نحرر الجولان ومازال الجولان محتلاً، والتحديات الاقتصادية الوطنية الكبرى مازلنا عاجزين عنها بالأرقام والوقائع، وهي أرقام رسمية، كيف لنا أن نستمر؟ هذه دعوة إلى العقل، إذا لم يتصالح العقل مع الواقع كيف يتقدم التاريخ؟ لم يفعل المعارضون ولم تفعل حركة المثقفين إلا الدعوة إلى عقد اجتماعي وطني، فلماذا قامت القيامة عليها، ولماذا مُنعت المنتديات التي فُتحت في المنازل؟ هذه التي لمّح إليها الدكتور عارف دليلة، لماذا تقام في المقاهي؟ لماذا لا تعطونا ساحات للحوار الوطني؟ لماذا لا نُشارك بكل صراحة في مناقشة واقعنا؟ ولماذا نُنكر مرة أخرى؟إن استراتيجية الحوار الوطني هي استراتيجية عقلانية تدعو للمصالحة وللاعتراف بالوقائع، لماذا لا يمكن للعقل أن يأخذها مرة أخرى؟ وشكراً.

د. إبراهيم زعرور:

شكراً للسيد المحاضر على هذه المعلومات الغنية، ولكنها ربما جاءت من منظور متأثر بحياة الغرب، وأنا هنا أريد فقط أن أشير إلى أني قرأت في صحيفة الشرق الأوسط اليوم أن الخارجية الفرنسية عبّرت عن قلقها بسبب اعتقال رياض الترك وإحالته إلى القضاء في سورية، والدكتور برهان قادم من باريس ونرحب به في وطنه الأول سورية، وأيضاً سمعت خبراً آخر يقول أن مندوب فرنسا في مؤتمر ديربان طلب من المؤتمر إذا أصرّت الدول العربية والإسلامية ومن يتعاطف معها على اتهام إسرائيل بالعنصرية، فإن فرنسا والمجموعة الأوروبية ستنسحب من المؤتمر كما انسحبت أمريكا وإسرائيل.. وقد كان عدد الدول المشاركة 150 والمنظمات 3000 منظمة، أنا أريد أن أستعيد التاريخ فقط لأنني لا أقبل لمثقف كبير كالدكتور برهان أن يتحدث عن ريف ومدينة وعن نخبوية مدينية ونخبوية ريفية، وأنا باعتبار أن تخصصي هو في التاريخ أيضاً وهو في علم الاجتماع لذلك أحاول أن أستعيد التاريخ لوظيفة اجتماعية. يعرف د. برهان وتعرفون أيها السادة أن سورية يوم خاضت حرباً وطنية خاضتها ريفاً مع مدينة، ولا داعي لأن نذكر أسماء من أقصى شمال سورية إلى أقصى جنوبها ومن أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، البدو مع الحضر مع رجال الدين مع الوطنيين مع العلمانيين مع كل الناس، استقلّت سورية، والذين قطفوا ثمار الاستقلال الوطني هم أُسر حلبية ودمشقية وحموية وحمصية ..الخ، وتسلموا السلطة عبر حزب الشعب والكتلة الوطنية حتى وصلت إلى 8 آذار. في 8 آذار حصل أن السلطة انتقلت من مجموعة من الأُسر إلى مجموعة الشعب، ولا أحد يستطيع أن يُنكر دور حزب البعث ولا دور الحزب الشيوعي والحزب القومي ولا دور الأحزاب الأخرى، وحتى حركات الإخوان المسلمين كان لها دورها، فهل يعقل أن نعتبر أن التطور الاجتماعي أو التطور السياسي أو الاقتصادي هو انتصار النخبة الريفية على النخبة المدينية أو انهزامها وهل هي فعلاً في حالة حرب، من الممكن أن نتحدث عن تطور طبيعي في المجتمع، تطور رأس مال، تطور مؤسسات وتطور في التفكير والعلاقات ومؤسسات الدولة، أعتقد أن د. برهان تجنى بشكلٍ كبير عندما قال أن سورية خلال ثلاثة عقود لا يوجد فيها شيء، لا تعليم ولا صحة ولا خدمات ..الخ، أعتقد أن هذا ظلمٌ كبير، يوجد أساتذة في الجامعات، ويوجد مئات الآلاف من المعلمين في المدارس وفي مراكز البحث .. يعني لا شك يوجد تطور، وأنا أتمنى على مثقف كبير بحجمك في الوطن العربي وفي العالم أن يأخذ هذا الجانب كي تكتمل صورة المحاضرة، وعلى الأقل أن يكون هناك نوعٌ من التوازن الذي أحترمه أنا في شخص المثقف، ولا شك لديك أفكار جميلة وهامة جداً، ونحن نتمنى أن تقرؤوا فقط خطاب القسم الذي أطلقه السيد الرئيس، إنه منظومة فكرية تأسيساً لمرحلة شبه جديدة في التطوير والتحديث وفي كل مجالات الحياة المختلفة، وهذا أمر عندما نقوله فإنما نقوله من موقع الحرص وموقع الحب كما قال السيد الرئيس أن يكون لكل مواطن موقع ودور ومسؤولية، ويمارس هذه المسؤولية بكاملها، حقيقة لا أرى لماذا هذا الإصرار على أن الدستور غير صالح وأن المؤسسات غير صالحة، دعونا نأخذ رقماً بسيطاً جداً، البعثيون في الحزب مليون ونصف، إذا أخذنا معدل وسطي للأسرة 4أشخاص أو 3 أشخاص، ضربناهم بمليون ونصف يصبح عددهم 6 ملايين، يضاف إليهم الناس الذين يمكن أن يتعاطفوا معهم، إذاً هناك أناس في المجتمع موجودين، لماذا لا نتحاور معهم كما قال الزملاء قبلي، إن في حزب البعث انتهازية كما أن فيه منافقين وفيه مناضلين ووطنيين حقيقيين وصادقين وشفافين، أتمنى ألا تخسروا هذا الوجه الايجابي الموجود. يا إخوان رجاءً دعونا نتكلم بطريقة وبلغة نعيد فيها فعلاً تأهيل الوطن وبناء الوطن وتطوير الوطن، فنحن لم نأتِ من الصحاري أو الغابات، نحن مواطنين أيضاً لدينا هموم ومشاكل وقضايا ومهن وتطلعات، وأرجو أن ننتبه إلى أن هذا الحديث الذي تحدث به د. برهان، الذي أحترمه من خلال كتاباته وأتابع ما يكتب، لقد أسقط من حسابه المشروع الصهيوني وخطورته على المنطقة، يعني نحن منذ عام 1948 ونحن نتعرض لحروب وغزوات واعتداءات، والمشروع الصهيوني ليس فقط مجموعة من اليهود جاؤوا إلى فلسطين، المشروع الصهيوني مرتبط بالولايات المتحدة ومرتبط بالمشاريع الاستعمارية، فلماذا هذا التركيز الشديد على سورية؟ هل لأن سورية رفضت كامب ديفيد؟ وحدثت الحرب الأهلية في لبنان، وحدثت حرب الإخوان المسلمون في سورية .. لماذا هذا التركيز على سورية؟ لأن سورية قالت أن الحرب العراقية الإيرانية هي حرب عبثية؟ لماذا هذا التركيز على سورية؟ لأن سورية أنقذت لبنان من الحرب الأهلية؟ لأن سورية شكّلت الخلفية الحقيقية للمقاومة اللبنانية والفلسطينية؟ نحن لا نسمع أناس يتكلمون عن النظام في الأردن ولا في تونس ولا في المغرب، كأنه لا يوجد شيء إلا في سورية. والديمقراطية وحقوق الإنسان، يا أخي نحن بشر ونتعاطف مع الإنسان، لكن أنا عندما أعارض السلطة، أي سلطة في الدنيا عندما يعارضها أحدٌ فإن السلطة تأخذ إجراءات ضده، هذا أمر طبيعي، وأنا عندما أعارض فهذا أمر طبيعي، وأنا أتحمل مسؤولية ذلك عندما أتخذ موقفاً فكرياً أو إيديولوجياً، وأنا أريد أن أناضل، وأرى أنه يوجد فقر وجوع، وهناك أناس مظلومون وسأرفع الظلم عنهم، فمن المفروض أن أتحمل مسؤولية موقفي وهذا أمر طبيعي، لذلك نحن نرحب بالحوار، نرحب بالكلمة المسئولة، وإن قيادة الحزب والسيد الرئيس يهتمون بهذه الحوارات ويتابعون هذه الحوارات، وأيضاً هناك لجان تبحث وتناقش، ونحن معنيون بالوطن جميعاً، فأتمنى من روح المسؤولية التي تفضل بها الدكتور برهان والأستاذ رياض سيف والإخوان ألا نشعر بأننا في خندقين، نحن في خندق واحد، ونحن ليس لدينا إلا وطنٌ واحد اسمه سورية، ونتمنى أن يتطور هذا الوطن ويزدهر.

رياض سيف: دكتور إبراهيم، نحن هذا مطلبنا ولكن اعترفوا بنا فقط.

د. عبد الرزاق عيد:

شكراً للدكتور برهان على هذه المحاضرة، الحقيقة أنا أردت أن أتوقف، نحن لم نجتمع هنا إلا لأننا متفقون على أنه توجد مشكلة، وقطعاً نحن نأتي من جميع هذه المحافظات لا لكي نتسلى وإنما لأن هناك هم وطني يحفّز ويحرّك الجميع. المسألة الأساسية هي كما ذكرت بهدوء وعقلانية، مع أن البعض وجد فيها السموم، أنا أعتقد أن أكثر خطاب معتدل قُدِّمَ خلال هذه الفترة هو خطاب الدكتور برهان، فقد حاول ولأول مرة من منبر المعارضة أن ينتقد أساليب المعارضة، ومع ذلك هناك أناس لا يستطيعون إلا أن يسمعوا صوتهم، وهذه هي المشكلة الحقيقية التي تؤسس لسوء التفاهم العميق في هذا المجتمع، على سبيل المثال، منذ خطاب القسم وحتى الآن، كنا ننتظر الحوار، الحوار بدأ مثلاً مع الأخوان الناصريين، لقاء واحد ومن ثم انتهى، بعدها شكّلت لجنة لدعم الانتفاضة، وضعوا 19 شخصاً، بينهم شخص يدعى حسن إسماعيل عبد العظيم وهو الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، فتصبح المعارضة كلها 19 مقابل واحد، فمن بين العشرين، إذا استثنينا خمسة يمكن أن يكونوا نظيفين على المستوى الأخلاقي والسلوكي، والبقية هم أشخاص بين لص وفاسد وناهب وحرامي على كل المستويات. حسناً، هل يُعقل هذا التمثيل – واحد أمام خمسة عشر من أساطيل المال، يعني إخواننا في السلطة يبدوا أنهم استمرءوا اللعبة خلال ثلاثين سنة فحاولوا أن يقيموا تحالفات من خلال الجبهة الوطنية، وأحزاب الجبهة الوطنية بقوا ثلاثين سنة حتى أخذوا جريدة، وهذه الجريدة تتبع لمؤسسة الوحدة، يعني جرائد بمجموعة صفات لذات واحدة، فعملياً المشكلة ظلت قائمة، ويبدو أنهم استمرءوا هذه اللعبة، إذ يعتقدون أن أي واحد يفكر بالعمل والمشاركة يقولون له أبوابنا مفتوحة، يعني لا يوجد غير أبوابهم، والآخر بالنسبة لهم هو فقط موضوع للإخضاع وموضوع للتوظيف وللتطبيق ونعطيك حصة، هذه العقلية لا تستطيع أن تستوعب أن في هذا البلد مئات الآلاف من البشر الشرفاء والوطنيين الذين لا يستطيعون أن يساوموا على كرامتهم ولا على أخلاقهم ولا على قيمهم، لا يستطيعون أن يفهموا أن العمل الوطني هو عمل أخلاقي، هو عمل مسئول، وأننا لا نريد منهم شيئاً، ونقول لهم خذوا سلطتكم وارحلوا عنا.

النقطة التي أختلف فيها مع الدكتور برهان، هي أن المجتمع هو الذي يصنع المصالحة، لكن أنا برأيي أن هناك عملية قسرية في ظروف تاريخية كثيرة يكون هناك قسر تاريخي، أنا برأيي أن المجتمع السوري لا يستحق هذا النظام، المجتمع السوري يستحق نظاماً أرقى وأكثر تطوراً وأكثر احتراماً لحرياته وأكثر احتراماً لكرامته، وأنا أقول أخي برهان: نحن كمجتمع سوري أرقى من البحرينيين والأردنيين واليمنيين، فماذا حدث؟ نظامنا أكثر تخلفاً من مجتمعه بمئات السنوات. وشكراً.

حبيب صالح:

ذكر أحد الإخوان دعم الانتفاضة، وأنا أسلّم رئيس الجلسة تبرع بألف دولار للانتفاضة من معارض لهذا النظام. (هرج ومقاطعة واعتراض على الألف دولار).

ذكر الأخ أن سورية دولة صمود، أنا سوري وأنا معارض سوري من طرطوس، أنا من ضيعة النظام ومعارض لهذا النظام، فلا أحد ينوب عني في الحديث عن أبناء القرى.

الأخ الكريم (يقصد أحد البعثيين) قال فلسطين والانتفاضة، وأنا أقول أن الانتفاضة الأولى والثانية أنجزت، ولا تزال سوريا تناقش قضية واحدة وهي هل تستقبل عرفات أم لا؟؟ قتل واستشهد مئة ألف فلسطيني ودمّرت آلة الجيش الإسرائيلي البنية التحتية الفلسطينية، وكانت استجابة السوريين هي: هل نقابل عرفات أم لا؟، وكانوا قد انخرطوا في كامب ديفيد منذ عشرين سنة، وكانوا قد اجتزئوا الكفاح المسلح في بيروت وأحضروا عشر فصائل…

(مقاطعة: يا أخ حبيب، هذه المسألة صرنا سامعينها منك أكثر من خمسين مرة).

رياض سيف:

نحن نتوقع بصراحة أن هناك أجهزة تريد أن تُفشل الحوار عن طريق اختلاق المشاكل، نحن نحترم البعثيين، نحن أصحاب وأهل وأصدقاء في وطن واحد، ونبحث عما هو أفضل لنا جميعاً لمستقبلنا ولمستقبل أبناءنا… هذا هو هدفنا.

برهان غليون:

هذه أول مرة أستمع فيها إلى نقاشاتكم، وقلتم أنني متأثر بالغرب، وأعتقد أنه ليس من السيئ أن يتعلم المرء من عاداتهم الجيدة، لا يمكن أن ينجح الحوار إلا إذا تعوّد المرء أن يستمع للآخر حتى لو كان على خطأ، إذا أنا لا أسمع الآخر إلا إذا قال شيئاً يتفق مع أفكاري، هذا يعني أني لا أحاوره، أنا أسمع الشيء الذي يؤيدني، يبدأ الحوار عندما يقبل المرء أن يقول الآخر عنه أشياء سيئة وهو ساكت ومن ثم يرد عليه، أنا أقبل أن يقول لي أحدهم أن كلامك كله غلط، فأنا أعرف على ماذا يستند كلامي، وأعرف أن الآخر له وجهة نظر مختلفة وأعرف لماذا له وجهة نظر مختلفة، هكذا الحوار كما هو متعارف عليه، الحوار هدفه أن لا أخرسك ولا أنت تخرسني، الحوار هدفه أن ننطلق من مواقعنا ونرى إذا كان يوجد بيننا نقاط مشتركة يمكن أن نبني عليها شيئاً، أما إذا أنا صرخت من هنا وفلان يصرخ من هناك، فهذه إهانة وهذا تهتك، معنى ذلك أنّه لا يوجد أيّة إمكانية للحوار، أنا أقبل أن يقول أحدٌ ما نحن بعثيون ولنا وجهة نظر أخرى، من حق الآخرين أن يحترموها حتى لو كانت غلط، حرية التعبير تعني أنه مسموح للإنسان أن يغلط ويصحح غلطه، اسمحوا لهم أن يغلطوا، الحوار الموجود هنا ليس بين بعثيين وبيني، ولا بين أياً كان والبعثيين، أنتم أناس جالسين بين 500 شخص، هذا حوار بيننا كسوريين، ليس بين بعثيين وغير بعثيين، نحن مواطنين سوريين نتحاور بين بعضنا حول مشكلات سورية، فأرجوكم عندما تستمعون للآخرين، لا تفكروا أنهم يتكلمون معكم (مع البعثيين) إنهم يتكلمون مع بعضهم، أنا لم أتكلم معكم، أنا أتساءل مع نفسي كسوري لماذا وصلت سورية إلى هنا بالمقارنة مع الآخرين، وكيف أستطيع أن أساعدها أنا كمواطن وهذه مسؤوليتي من خلال تحليل وجهة نظر رؤيتي للأوضاع، يجوز أن أكون على خطأ، ولم أقل أبداً أنني على صواب، أنا عندما أتحاور مع الآخرين أرى إن كنت على صواب أو على خطأ من ردود أفعالهم، أنا أمام 500 شخص ينتقدوني، هذا يقول لي صحيح، وهذا يقول خطأ، الحوار هدفه البناء .. فأنتم لا تستطيعون أن تحتكروا الحوار، أنتم، لنفرض أنكم (كما قال أحدكم) تمثلون مليون ونصف ضرب ثلاثة أي تمثلون ستة ملايين من المجتمع، فيبقى 12 مليون أو 11 مليون يحقُّ لهم أن يكون لهم صوت، يحق لهم أن يكون لديهم جريدة، يحق لهم أن يُحسّوا بأنهم مواطنين، يحق لهم أن يدخلوا إلى محاضرة، ليس في قاعات مقسمة بشكل عشوائي، وإنما إلى قاعات مقسمة بانتظام وتتسع إلى العدد المناسب بخدمة مناسبة، هذا حق إنساني لم يعد أحدٌ يناقش عليه، وكأن السوريون ليسوا بشراً وليسوا مواطنين؟ إنهم يقبلون أن يناقشوا في أسوء الظروف لأنهم يشعرون بأنهم محرومون، والمستقبل غير واضح، طيب، أريحوهم قليلاً، اسمحوا لهم أن يتكلموا، دعوهم يعبّرون عن مشاكلهم، لماذا بأيديكم الجيش والأجهزة والسلطة والإدارة .. والإذاعة والصحف والتلفزيون، ولا أحد يستطيع أن يتكلم فيهم، حسناً بالمنتدى، بصالون شخصي للأستاذ رياض سيف لا يحق لهم أن يتكلموا؟! حسناً، هل هناك دولة في العالم يُعقد فيها منتدى من هذا النوع، ندوة ولا يطلع خبر في جريدة سورية عن الموضوع؟ يعني من موريتانية إلى أي بلد عربي زرته قبل أن آتي إلى هنا يطلع خبر أو مقابلة معي، أنا لا أتكلم عن نفسي فقط بل وعن غيري أيضاً، لماذا لا يوجد حد أدنى؟ لماذا هذا الاستخفاف بالآخرين وبالشعب؟ اسمحوا لهم أن يعبّروا عن أنفسهم على الأقل بصالون، هذا ليس بمنتدى، هذا صالون، هل الصالونات ممنوعة أيضاً؟ حسناً إذا مُنعت الصالونات، إذا أردتم أن تمنعوا الناس من أن يتحاورا بصالونات، أين سنذهب؟ فعلاً، أنا انزعجت من طريقة الحوار.

عبد الناصر كحلول:

نشكر المحاضر على هذه المحاضرة، يقول غاندي إن الله يمثل رغيف الخبز عند الجائعين. ليس هناك مواطن سوري سواءً أكان مثقفاً أو معارضاً يرغب بكرسي الحكم، ولكن المواطن السوري يرغب بقليل من الحرية وقليل من الكرامة، لن أدخل في متاهات الفلسفة لأعرّف الدولة الدكتاتورية، ولكن في سورية بالتحديد لا يوجد كيان دولة، بل يوجد دولة الأمن أو بالأحرى أمن الدولة. وتتمة لحديث د. برهان عن الدوائر، عن نخبة الريف، هناك نخبة نخبة الريف وهي التي أخذت السلطة والتي لا يهمها وطن ولا مواطن، وقد كرّست الإعلام لخدمتها وتمجيدها. أما النقطة الثانية، فهي المبادرة التي طرحها بإجراء مصالحة بدعوة من السلطة السياسية العليا، يوجد قوى كافية ليس لها مصلحة فيها وستقاومها بعنف، وتباعاً لحديثنا عن الدوائر فدمشق سيبلغ عدد سكانها خمسة ملايين ولذلك يجب معالجة مشكلة المياه، أما في سورية ودمشق بالتحديد، فمنذ عام 1985 أصبحت دمشق خمسة ملايين نتيجة التوازنات التي تأتي بها السلطة، لا أعلم لماذا.

د. وليد البني:

الحقيقة أنا أودُّ الترحيب بالدكتور برهان الذي أتى من فرنسا خصيصاً من أجل هذه المحاضرة، وأرجو أنه لم يزعل .. عليه أن يتحمل مثلنا، لحظة قمع وليس سنين.

أولاً أريد أن أشكره على المحاضرة الشاملة التي اقتربت كثيراً من تشخيص حقيقة الأزمة التي نعيشها، ولكن ذكر فيما ذكر حّلاً أقرب إلى الحلم، نتمناه، رئيس الجمهورية يكلّف الحكومة بأن تأخذ فترة للتحضير لانتخابات ديمقراطية متعددة خلال هذه السنين، كلُّ القوى والأحزاب المعارضة تهيّأ نفسها للدخول في انتخابات حرة ونزيهة، يا ليت، إذا أمكن أن يكون الحل بهذه الطريقة فكأننا وجدنا الفانوس السحري، لكن إذا لم يحدث، وإذا لم نتمكن من الوصول إلى هذا الحل الرائع الذي يحفظ الوحدة الوطنية فعلاً ويعيد كرامتنا لنا ويعيد للسلطة كرامتها، عندما تكون السلطة منتخبة انتخابات نزيهة كائناً من كان فيها تكون سلطة كريمة مكرّمة، لا يخافها المواطن وهي لا تخافه، ونخرج من هذا المأزق، مأزق الخوف المتبادل، أنا أخاف من السلطة، والسلطة تخاف مني، فإذا لم نصل إلى هذا الحل، فأرجو أن يكون هناك رأيٌ آخر موجودٌ عندك .. لأنه دائماً الذي يجلس خارج الغابة يراها أكثر ممن يجلس بداخلها. شيء آخر فيه مفارقة شخصٌ ما قال رأيه بالانتفاضة فاعتقلوه؟ الانتفاضة كلنا معها، أوّل من بادر بتشكيل لجان دعم الانتفاضة هي المعارضة الوطنية، هي المنتديات، هي اللجان التي تشكلت أرادت الدولة أن تصادرها فلتصادرها، إذا كان في النهاية الغاية هي دعم الانتفاضة فلن نختلف معهم عليها، لكن أنا لم أرى حتى الآن بياناً واحداً من لجنة دعم الانتفاضة عن كم الأموال التي وصلت إليها، الحد الأدنى، وإلى أي منظمات فلسطينية أهلية وصلت حتى نتأكد من أنها تصل.

قضية أخرى، البعثيون مليون ونصف، جميل، قد يكون العدد فعلاَ مليون ونصف، لكن أليس هذا مدعاة للثقة بالنفس بحزبٍ يملك مليون ونصف عضو؟ أليست الثقة بالنفس هي مدعاة لأن تقبلوا التعددية والرأي الآخر، بأن تقبلوا الاحتكام لصندوق الاقتراع كحكم بيننا وبينكم، كشركاء في الوطن؟ أعتقد أن الإجابة واضحة، إذا كان هناك مليون ونصف مع توابعهم فطبيعي أن تشرعنوا أنفسكم بطريقة عصرية ديمقراطية، بانتخابات حرة بينكم وبين الآخرين. وشكراً.

عبد الرحمن الحاج:

الحقيقة أنا أشكر الدكتور برهان غليون المعروف بحسه الوطني منذ بيانه من أجل الديمقراطية. وأشكره على هذه المحاضرة التي تتمتع بحس هادئ وبحس المثقف الذي تحمّل حساً حقيقياً للوطن، وأنا أبادر بالقول بأن اللغة المتشنجة التي سمعناها هي لغة لا تنفع في مسيرة حوار أو دعم حوار من هذا القبيل، .. طرح الأستاذ غليون حلاً وهو عنوان المحاضرة: نحو عقد وطني جديد، وقد سبقني الدكتور البني إلى القول بأن هذا أشبه بالحلم. والسؤال هو وقد طرح الدكتور برهان الأزمة التي يعيشها الوطن بأن هناك مشكلة وأزمة داخل النظام وأزمة اجتماعية واقتصادية ..الخ، وهي التي سمّاها الدولة البيروقراطية. إذا كانت الدعوة موجهة إلى رأس الهرم في السلطة ولكن هناك ممانعة من نظام بيروقراطي، كيف يتسنى لنا أن نأمل من إنجاز هذه الدعوة، أو أن تظهر هناك جدوى من دعوة من هذا النوع نحو عقد وطني جديد، ليس لأن من هو على رأس السلطة يرغب بالإصلاح بل على العكس. والمعضلة الآن داخل النظام هي أشمل من ذلك، ومن جهة أخرى، دعا الأستاذ المعارضة إلى إعادة تنظيم نفسها وإعادة تنظيم علاقاتها مع المجتمع، ولكن المعارضة لدينا هي نوعان: معارضة هي من نوع المثقفين أي حركة المثقفين، ومعارضة هي عبارة عن الأحزاب الداخلية أو المعارضة السياسية الداخلية، وكلاهما مقعد بأزمته الخاصة.

هيثم المالح:

فوجئنا أن مأمون الحمصي اعتُقل قبل رفع الحصانة عنه، لبيانٍ أصدره، وهي في الأصل مداخلات تحدث بها داخل مجلس الشعب، وإذا كان مأمون الحمصي فاسدٌ فعلاً، فالدولة تتحمل المسؤولية لأنها احتضنته عشر سنوات في مجلس الشعب، إلا أن اعتقاله دريئة للتوقيف غير المشروع بلباسٍ مشروع، لأن القضاء أصبح تابعاً للسلطة التنفيذية.

وبالنسبة لرياض الترك فاعتقاله كان بسبب محاضرة أو مداخلة، ولا أعتقد أن هناك دولة في العالم تقوم باعتقال شخصٍ على رأيٍ قاله، وأُشير إلى إحالة رياض الترك إلى محكمة أمن الدولة العليا وليس إلى القضاء المدني، وأُشير أيضاً إلى أن تدمير القضاء عملٌ أساسي في إفساد المجتمع.

د. رضوان زيادة:

الدكتور برهان غليون قدم مرافعة من أجل المستقبل، فلماذا نعود إلى الماضي والحديث عنه، فالحوارات الحادة بين الطرفين عكست أننا مازلنا نُناقش في مفهوم الحوار، أي أننا مازلنا بعيدين عن خطوة التفكير بالمستقبل.

نلحظ حضوراً واضحاً من البعثيين في المنتديات وهذا جزءٌ مهم جداً، ولكن أقول أن خطاب الحزب، أي حزب يجب أن يكون منفصلاً عن خطاب السلطة، بل إن قواعد الأحزاب في كلِّ بلاد العالم تسعى لتقديم رؤىً جديدة للقيادة السياسية.

على قواعد البعث أن تجدد خطابها ضمن فكرها، حيث لم نجد إلى الآن منتدىً مفتوحاً لحزب البعث حول رؤى المستقبل.

تم الحديث عن الرأي الآخر، فما هو معيار الرأي والرأي الآخر، فنحن لا نتحاور بوصفنا بعثيين وغير بعثيين، وأنا متحفظٌ أساساً على مصطلحي المعارضة والسلطة، فالحوار هو حول مطالب وطنية، والمطلوب فتح المشاركة الشعبية للحوار المستقبلي، وألا نضيّع فرصةً أخرى للحوار.

د. يوسف سلمان:

المنتديات هي إطارٌ يضمُّ كلَّ المثقفين، بغض النظر عن انتماءاتهم الفكرية والسياسية في السلطة والمعارضة، يضعون الاقتراحات والحلول.

لا يمكن أن ننتج ديمقراطية داخل حزبٍ من الأحزاب في ظل غياب الديمقراطية من المجتمع، فنحن نهدف من الحوار إلى تأسيس مفهومٍ جديد للانتماء والحق في التنظيم والاجتماع وحرية التعبير، وهو الأمر الذي يدفع السلطة وغير السلطة إلى الأمام.

د. كمال اللبواني:

لكل نظامٍ الحق في أن يدافع عن نفسه، فهناك من يستفيد منه ويتباهى به، وهذا ما يضع صدق النوايا الإصلاحية على المحك.

لقد تمسكنا بالأمل والتفاؤل منذ ربيع دمشق، وحرصنا على العلاقة الجديدة مع القيادة الشابة في الدعوة إلى الخلاف والاختلاف بشكلٍ حضاري، ثم بدأنا نشعر بالخيبة والإحباط بعد عام، مع رجحان كفة قوى تنظر إلى المناصب كأنها غنائم، في حين أن الشعب هو السيد وليس العبد، ويجب أن يكون كل موظف خادم للشعب. كما أننا نحذّر من تجاهل معاناة الوطن ومن اعتقال مَن يخالف الرأي، لأننا سرعان ما نجد أنفسنا وقد اعتقلنا الشعب السوري بأكمله الذي أجمع على الديمقراطية.

د. كامل عمران:

محاضرة الدكتور برهان غليون هي تحليل علمي دقيق، وهو يقوم بدورٍ وطني كأحد أقطاب النخب المثقفة خارج الوطن العربي، فقد استمعت إلى خطاب عقلاني مُدعّم بعيد عن الانفعال، ويتحدث بالعقل وليس بالقلب والعواطف.

أشاطره الرأي بالأسباب الأربعة للركود الاقتصادي، من فساد وسوء إدارة وغيرها، وكلها مجتمعة تتداخل بعضها مع بعض في علاقةٍ تبادلية وتُنتج الوضع الذي نعيشه في هذا البلد.

كيف يمكن لنا أن نقبل الصراع الاجتماعي والحراك الاجتماعي واختزال الصراع من صراع اجتماعي إلى صراع نخبوي (ريفي-مديني)؟، ألا تعتقد أن هذا سيؤثّر على آلية الحركة المستقبلية الاجتماعية، وثانياً ما هو الحل للخروج من هذا الوضع غير الطبيعي؟.

المتحدث قدم برنامجاً أو شبه برنامج، ودعا إلى عقدٍ وطني للحوار، أُرحب بهذا الأمر، وبهذه النظرة المستقبلية التي لا تنظر إلى الوراء، لأننا تجاوزنا حتى الإيجابيات الموجود في الماضي.

يجب أن نحرص على هذه المنتديات، لأنها يمكن أن تكون شكلاً من أشكال التعبير، والسلطة لا تمانع في ذلك، وهذا وضع سليم تماماً.

ويجب أن نضع برامج مستقبلية، وألا نُعيد ونُكرر، وأَلاِّ نكتفي بالمنتديات، وإنما بإيجاد نماذج لبلورة الإصلاح الديمقراطي، وأن نقدّم للسلطة نماذجَ لمشروعاتٍ وطنية.

أحمد الخالد:

قمتم يا دكتور برهان أثناء المحاضرة بإلقاء أكثر من حكم شمولي عندما قليتم أن المثقفين ليسوا من السلطة، في حين أن واقع الأمر أن هناك مثقفون مع السلطة وآخرون ليسوا مع السلطة.

علي مصطفى:

المعارضة هي التي يجب أن تتبنى البرنامج الوطني، وليس السلطة، لأننا لم نسمع من المعارضة أيِّ برنامج، فعليها أن تقدّم محددات لبرنامجها الديمقراطي.

جلال نوفل:

أخشى على برهان غليون أن يُعتقل كما اعتقل رياض الترك، لأنه قال الكلام نفسه، من خلال مطالبته رئيس الجمهورية بانتخاباتٍ حرة وبرنامجٍ مطروح للإصلاح … وغيرها.

مسألة رياض الترك انتهاكٌ علني للحرية تجابه الرئيس بشار الأسد، بغض النظر فيما إذا كان الترك يمثلُّ المعارضة أو لا يمثل.

نؤكد أننا بحاجة إلى ضمانات، وإلى الإفراج عن المعتقلين، خاصةً وأن اعتقال شخص مسألة خطيرة للغاية، ولابد من قطع الطريق أمام الحرب الأهلية من قبل أي طرف.

بشار أمين العلي:

البعثي يجب ألا يكون عقبة في طريق التطوير والتحديث الذي طرحه الرئيس بشار الأسد.

ولابد من حلٍّ للمشكلة السياسية، وحل المشكلة مُصادرة الإنسان لانتمائه الوطني، ففي بلغاريا وهنغاريا والمجر يحملون الهوية، وفي هولندا الأبقار تحمل الهوية، وفي فرنسا الكلاب تحمل الهوية، ولكن في سورية في الحسكة هناك مائتا ألف إنسان مجردون من الجنسية ومحرومون من العمل والتعلّم، إضافةً إلى وجود أشخاص مكتومين، وشهادتهم العلمية محفوظة في مديرية تربية الحسكة ولا يُسمح لهم بأخذها، وأضرب لكم مثالاً بأن أحد الطلاب حصل على 232 درجة من أصل 240 درجة في الشهادة الثانوية وليس له الحق في استكمال الدراسة لا داخل سورية ولا خارجها.

ياسين الحاج صالح:

لا يوجد الآن مستقبلٌ لسوريا في ظل القلق والخوف المتبادل.

وسوريا تحتاج قبل الإصلاح إلى فائضٍ معنوي، إلا أنه يوجد صَمَم أخلاقي من بعض أطراف السلطة، في حين نحتاج العدالة وإلى مستوىً من الغفران والصفح والالتئام بدلاً من النار والأحقاد، وهذا يحتاج إلى العقل من قبل الجميع.

فكرة الوحدة الوطنية تعني أن هناك حالة من التفكك، والمهم هو الدعوة إلى المصالحة الوطنية، ولعلَّ من أهم واجبات المعارضة هو نقل المصالحة الوطنية إلى الرأي العام وجعلها برنامجاً وطنياً.

حسن سعدون:

هنالك خلل بنيوي في التفكير الغائم، وأُشير إلى العقم الثقافي لدى الأحزاب وعلى رأسها حزب البعث وأحزاب الجبهة التابعة له، حسب ما وصلت إليه آلية البعث والجبهة والمعارضة، فإن المجتمع بكامله وصل إلى العقم والركود، وانتظرنا بارقة الأمل بخطاب القسم، وآمل ألا يكون قد تم التراجع عنه، فالمعارضة لم تُبقِ على شعرة معاوية واعتبرتها تزلفاً للسلطة.

مشروع الإصلاح الوطني يقوم على التفكير والحوار المتبادل والشفافية بين جميع المواطنين .. الآلية العقيمة للبعث لا تملك برنامجاً إصلاحياً، وحتى يتم ذلك يجب التوافق على البرنامج مع المجتمع، مما يتطلّب إلغاء القوانين الاستثنائية، وتطبيق العدالة ومحاسبة الفاسدين، وعلى كلِّ أحزاب الجبهة والبعث أن تُعيدَ النظر في برامجها.

وأن يرعى الرئيس بشار الأسد هذا البرنامج، مما يؤدي إلى رفع مستوى معيشة الناس، والرئيس بشار يُعاني من البيروقراطيين الذين يدافعون عن مصالحهم، وأدعو البعثيين إلى العمل مع أصالتهم ومنبتهم الذي من أجله انتسبوا إلى حزب البعث.

د. برهان غليون:

يجب أن يبدأ الحوار مع الآخرين إيماناً من أن لديهم شيءٌ ما يقولونه.

مشكلتنا نحن السوريون أننا فقدنا التواصل، فالمسئول يجب أن يشرح برنامجه للمجتمع، والقيادة السياسية في سورية تفتقر إلى التواصل مع الناس، ويجب على المسؤولين أن يردُّوا على الناس لأنهم ممثلين عنهم.

هل تقتضي التعبئة ضد إسرائيل أن نحجز المواطنين ونمنعهم من الكلام؟ هل أساءت الديمقراطية الإسرائيلية للإسرائيليين، أم أنها سمحت بوجود دعم مطلق للحكومة الإسرائيلية في عدوانها ضد العرب؟.

التحدي الإسرائيلي يقتضي منا تلاحماً عميقاً بين المجتمعات واحترام الجميع، فلماذا يحقُّ لحزب البعث أو للحكومة أن تستخدم الإذاعة والتلفزيون ور يحق ذلك للآخرين، فالمعارضة من دعائم المجتمع، وهي تنظّم الامتعاض داخل البلد وتبلور النقمة التي يمكن أن تكون عدوانية، وتحولها إلى قوة ضغطٍ سياسية.

يجب ألا يُصيبنا جنون العظمة والقول بأنه يوجد تركيز على سورية، فلا يوجد تركيز، ومنذ شهر تقريباً استُقبل الرئيس في فرنسا، وضُغِط على وسائل الإعلام الفرنسية كي لا تُسيء للزيارة، فنحن مقدّرون ومحترمون. والأوروبيون يفتحون أبوبهم لسورية لأنها تمثّل موقعاً في المنطقة لقربها من إسرائيل ودول الخليج وغير ذلك.

أما فيما يخصُّ الاعتراف بالآخر، فالمعارضة هي التي تطلب من البعثيين الاعتراف لها وليس العكس، لأن أولئك مطرودون من الصحافة والتلفزيون.

الدولة خادمة للمجتمع، كي ينظم نفسه، وهي التي تنفّذ إرادة المجتمع، وليس المجتمع هو من ينفذ إرادة الدولة، ولا يُطلب من فردٍ الخضوع لقانون لم يُشارك في صنعه، وإلا يكون أداة للقمع كما هو عليه الحال، فللفرد حقوق طبيعية لا يحق للدولة أن تأخذها منه.

لا أحد يتنازل لأحدٍ عن مكاسب، والبرنامج الإصلاحي الاقتصادي الحالي اقترحته الإدارة البيروقراطية الاقتصادية، مع الإشارة إلى أن الإصلاح الاقتصادي أصعب من الإصلاح السياسي، لذلك أدعو البعثيين أن ينقلوا للقيادة والمسئولين الهموم الحقيقية التي يعيشها الشعب، ثم لماذا لا تنزل قيادة الحزب وتُناقش وتحضر المنتديات وتشرح سياساتها.

الملاحق :بيانات ووثائق

مشروع تأسيس جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية*

لا يبنى المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة، بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد.

(من خطاب السيد رئيس الجمهورية في مجلس الشعب)

تحتاج سورية اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى وقفة موضوعية في محاولة لتحديد معالم المستقبل. وانطلاقاً من إيمان صادق بالوطن بكل قواه الحية وفعالياته المختلفة وشخصياته الوطنية ومثقفيه، ينبغي فتح حوار وطني شامل لأبناء الوطن كافة، للمشاركة في بناء مجتمع ديمقراطي تتفتح فيه الشخصية الإنسانية في جو من الممارسة الديمقراطية المبدعة. وبلادنا اليوم بحاجة إلى جهود الجميع لتأسيس نوى المجتمع المدني، الذي حرم غيابه خلال العقود الماضية، عملية التنمية والبناء الوطني في سورية من مشاركة قدرات وطنية هامة وفاعلة، وجدت نفسها مجبرة على الابتعاد عن الممارسة الإيجابية، وخلق نوعاً من اتكالية المواطن على الدولة وأضعف شعوره بالمواطنة، وكان نتيجة ذلك انتشار حالة اللامبالاة بين المواطنين إزاء الأمور العامة وبروز ظاهرة القوقعة أو الهجرة واستفحال الأنانية والفساد وزيادة الهدر وتدهور المستوى الثقافي في المجتمع، بسبب غياب حرية الرأي والتعبير. وسادت حالة إحباط شديد ويأس سيطرت على أغلبية المواطنين، جرّاء تدني المستوى المعاشي وانتشار البطالة وتفاقم حالات التعدي على البيئة واستنزاف الموارد الطبيعية بما يشكل خطورة على الأجيال القادمة.

بسبب هذا كله، تبرز الحاجة إلى إحياء مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق التوازن بين دورها ودور الدولة في إطار شراكة حقيقية بينهما، في سبيل المصلحة الوطنية الكبرى. فالتأكيد على أهمية حرية الرأي والتعبير واحترام الرأي الأخر وتفعيل مشاركة الفرد الإيجابية في حياة الجماعة واعتماد مبدأ الحوار والنقد الإيجابي والتطور السلمي وصولاً إلى حل الخلافات بالتسوية والتفاهم، تعتبر من أهم مقوّمات المجتمع المدني. كما أن سيادة القانون واستقلال القضاء وإلغاء المحاكم الاستثنائية والأحكام العرفية وإيقاف العمل بقانون الطوارئ تمثل بمجموعها أساساً راسخاً في بنيان المجتمع المدني.

إن تنوع وتعدد الآراء والأحزاب في المجتمعات الإنسانية مسألة ينبغي التسليم بها على اختلاف وتباين الاتجاهات الفكرية والعقائدية، فسيطرة الرأي الواحد تنطوي بالضرورة على خطر الجمود، لذا، فإن تعدد وتنوع الاتجاهات الفكرية وتنافسها السلمي الديمقراطي حول قضايا العمل الوطني يجذب إلى ساحة العمل الاجتماعي والثقافي أعداداً متزايدة من المواطنين ويجدد القدرة على حسن التعامل مع المتغيرات الداخلية والخارجية ويدعم موقفنا في مواجهة الأطماع الصهيونية واسترداد حقوقنا المغتصبة.

المجتمع المدني، كما نرى، هو مجموع التنظيمات المجتمعية غير الحكومية من جمعيات ونقابات وهيئات وأحزاب ومنظمات ووسائل إعلام حرّة متعددة ومتنوعة ونواد ومؤسسات، جوهره الخيار الديمقراطي، ولا يمكن للديمقراطية أن تتجسد إلا عبر نهوض المجتمع المدني بأنظمته ومؤسساته وخلق حالة حوار نقدي بين المجتمع والدولة من أجل مصلحة الوطن، كما أن تفعيل مؤسسات المجتمع المدني يعتبر السبيل الوحيد لبناء دولة حقيقية للجميع وتحقيق حراك اجتماعي فاعل.

الأمر الجوهري بالنسبة للجميع، هو استقرار الوطن والمجتمع على أساس متانة الانتماء الوطني والشعور بالمواطنة وسيادة القانون وحقوق الإنسان والحفاظ على التعدد في إطار وحدة الوطن وقوة الدولة ومتانة مؤسسات المجتمع المدني. ولا يمكن أن يتحقق التوفيق بين النظام والتعدد إلا بقيام المجتمع المدني وبالاستناد إلى الديمقراطية، كما أن الاستقرار لن يترسخ، ما لم يقترن بالتجديد والتطور، وإلا فإنه يصبح مساوياً للموت والعدم.

إن الإصلاحات الاقتصادية والإدارية ومحاربة الفساد، كي تثمر إيجابيا، لا بد أن تترافق مع الإصلاح السياسي الشامل، وإلا فإن هذه الإصلاحات  ـ  على أهميتها في تخفيف الأزمة الداخلية  ـ  لن تحقق هدفها وتعود بعدها الأوضاع إلى التأزم من جديد. لذا، ينبغي لعملية الإصلاح الإداري ومكافحة الفساد أن تتحول إلى آلية عامة ودائمة تضمن الرقابة والإشراف المستمرين على مؤسسات الدولة وأنشطة القطاع الخاص في جو من الشفافية واستقلال القضاء سيادة القانون. وتؤكد على أن برنامج الإصلاح الاقتصادي والتنمية يحتاج لمشاركة المجتمع المدني في الإعداد والتنفيذ، حتى يتم قبوله، كما يحتاج إليه أيضاً ليراقب ويحاسب ويشير إلى الخطأ والفساد فوراً في حال حدوثه، لا أن يغطّى الخطأ والفساد أو يعالج خلف الأسوار وفي متاهات اللجان. بقي أن نقول أن لا معنى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية إن كانت لا تؤدي في النهاية إلى إلغاء الاستغلال ورفع الظلم الاجتماعي وتحقيق العدالة والمساواة.

التقدم والتنمية ينبغي أن يقوما على أساس تأكيد قيمة الإنسان وكرامته، وأن يؤديا إلى مزيد من احترام حقوق الإنسان، كي يكون كل مواطن شريكاً في وطنه يتقاسم أفراحه وهمومه من خلال رباط المواطنة المقدس. إننا نطمح إلى المشاركة في كل ما يخدم الوطن من جهود وأنشطة مختلفة من خلال الحوار الوطني العلني الحر الصريح والمسؤول وتطوير العمل الجماعي، غير ساعين إلى سلطة أو منصب أو أية مكاسب شخصية.

وبعد فإننا من منطلق الإسهام الإيجابي في عملية البناء الاجتماعي، نعرض ما عرضناه، لنؤسس لـ ” جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية ” علّنا نقدم جهداً يسهم في بناء مجتمع ديمقراطي متطور.

جمعية أصدقاء المجتمع المدني في سورية

بيان حول إغلاق منتدى الحوار الوطني

“هناك البعض الذي فقد الشعور بالمسؤولية فقصر أو أهمل أو أساء والدولة لا تستطيع النهوض في ظل استمرار مثل هذه الحالات”.

“إن تطوير العمل في أجهزة الدولة ومؤسساتها بات ضرورة ملحة ومسؤولية وطنية حتى لا تتسع الفجوة بيننا وبين الآخرين”.

هذه العبارات التي وردت في كلمة الرئيس الراحل الموجهة لمجلس الشعب في 11/3/1999، كانت نقطة البدء في إطلاق عملية الإصلاح التي وقعت مهمة إنجازها في النهاية على كاهل الرئيس بشار الأسد، الذي أكد عليها من خلال برنامجه الإصلاحي الذي تضمنه خطاب القسم مؤكداً فيه أنه “لا يُبنى المجتمع ولا يتطور ولا يزدهر بالاعتماد على شريحة أو جهة أو مجموعة، بل يعتمد على تكامل عمل الكل في المجتمع الواحد”، كما أكد في نفس الخطاب على ضرورة توفير مجموعة من قيم الإصلاح تتلخص: بتطبيق مبدأ الشفافية والرقم الدقيق، ووضع الآليات المجدية للمساءلة والمحاسبة، وتحديث وتفعيل مؤسسات الدولة، ومكافحة ظاهرة الفساد، واعتماد مبدأ الحوار في التطوير، والتركيز على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين والذي حدده بشكل واضح بعبارة: “أن ما يحق لي يحق للآخر”.

لقد حاولت مع آخرين من دعاة الإصلاح على مدى الأشهر الماضية القول أن هناك  استحقاقات هامة  لابد من التغلب عليها ومشكلات تحتاج إلى حل، وقد كنا دائماً نبحث عن حلول سلمية وحضارية تخرجنا من الأزمة التي يقع علينا جميعاً مسئوليتها وواجب السعي للخروج منها، وإن ما تمت المطالبة به من حقوق وحريات لا تعدو كونها من بديهيات هذا العصر التي تشكل الحافز والمحرض الضروري لزج كل قوى المجتمع في عملية البناء، وقد  اخترنا  طريق الكلمة الحرة الصادقة والحوار المفتوح المتقبل لكل نقد أو معارضة، منطلقين من الشعور بالمسؤولية والاستعداد التام للعمل من أجل وطننا، وسنبقى متمسكين بهدفنا المتمثل في بناء دولة الحق والقانون التي تكفل تحقيق العدالة بين كل أبناء الوطن من خلال الممارسات الديمقراطية السليمة، دون أن نغفل واجباتنا في المساهمة الفعالة بمسيرة التحرير والسلام العادل.

إننا نؤمن أن منتدى الحوار الوطني قد ساهم على مدى الأشهر الستة الماضية في إغناء مناخ الحوار الديمقراطي الذي انتشر وتوسع على امتداد مساحة الوطن، وقد تلقينا بمرارة التوجيهات الأخيرة بإغلاق المنتديات وإعادة فرض القيود على أي نشاط فكري أو سياسي، مما أضر بمناخ التفاؤل الذي شاع بين المواطنين.

وحرصاً منا على الالتزام بتوجيهات القيادة السياسية، فقد قررنا إغلاق منتدى الحوار الوطني، مع التأكيد على مطالبتنا بإعادة افتتاحه بعد الحصول على ترخيص رسمي يتيح له استعادة نشاطه بشكل لائق ومشرف، ليساهم في توفير المناخ اللازم لإغناء حوار متكافئ يتيح للجميع المشاركة في مسيرة الإصلاح التي باتت تشكل حاجة مصيرية لحاضرنا ومستقبلنا.

                                                                                    عضو مجلس الشعب

                                                                                            رياض سيف

                                                                                                           21/3/2001

بيان استئناف نشاط منتدى الحوار الوطني*

مساهمة منا في تفعيل الحياة العامة ونشر ثقافة الديموقراطية التي تبدأ من قبول كل من للآخر، عبر إفساح المجال أمام مختلف فئات المجتمع للمشاركة في حوار ديموقراطي بناء، يهدف إلى البحث عن أفضل الصيغ والوسائل الكفيلة بتطوير حاضر البلاد ومستقبلها لما فيه خير جميع أبنائها. قررت لجنة منتدى الحوار الوطني استئناف نشاط المنتدى وعقد جلسات الحوار مرة كل أسبوعين في منزل عضو مجلس الشعب رياض سيف، وذلك في الساعة السابعة والنصف من مساء يوم الأربعاء اعتباراً من 5/9/2001.

لقد كلفت الدولة الحديثة لكل مواطنيها، التمتع بحقوقهم الطبيعية في الاجتماع والإفصاح عن آرائهم وقناعاتهم بكل حرية وعلانية قولاً وكتابة وبمختلف وسائل التعبير الأخرى، كما ضمنت حقهم في المساهمة في الحياة السياسية والاقتصادي والاجتماعية والثقافية وكفلت تطبيق مبدأ تكافؤ الفرص بين الجميع لتكون المنافسة النزيهة والعادلة هي المحرض على الإنتاج والإبداع لكل المواطنين.

لقد أثبتت تجارب الشعوب، أن بناء الأوطان وازدهارها لا يكون غلا بمشاركة جميع أبنائها المؤمنين بواجباتهم كمواطنين، طالما أنهم يتمتعون بكل حقوق المواطنة، وعندما فقط يمكننا أن نجني ثمار برامج الإصلاح التي يؤمن بها الشعب ويشارك في تطبيقها، والتي يقوم بصياغتها ممثلوهم الذين يتم اختيارهم من خلال صناديق الاقتراع الحر والنزيه، ويتم تطبيقها على الجميع فيجول من الشفافية، بعد أن تتوفر جميع آليات المراقبة والمحاسبة، وتقييم أداء مؤسسات الدولة بكل تجرد ونزاهة. إن اخفاقاتنا المتكررة في جني ثمار كمحاولات الإصلاح وما بات يعانيه مجتمعنا من أزمات مزمنة في كل المجالات، غنما يعود إلى التضييق على حريات المواطنين وحرمانهم من المشاركة في صنع حاضرهم ومستقبل أبنائهم.

إن قدرتنا على تحفيز طاقات كل المواطنين وتوجيها بما يخدم بناء وطن القوة والمنعة والرفاه، هو وحده الكفيل بمواجهة التحديات واستعادة أرضنا وحقوقنا المسلوبة.

إن الجميع مدعوون للمشاركة في حوار فيه كل منا بالآخر ويحترم أفكاره وطروحاته، طالما أنها تنطلق من لحرص على الصالح العام، وتنظر بعين ملؤها التفاؤل والثقة في مستقبل أفضل، وبناء وطن يوفر لكل أبناءه السعادة والاطمئنان في جو محبب للهمل والإبداع، يجعل متعة العطاء بديلاً لكل أنانية ضارة.

لجنة المنتدى

دمشق في 30/7/2001

بيانات المنتديات والجمعيات المدنية في سورية*

إثر توالي الاعتقالات السياسية التي طالت مؤخراً المحاكي رياض الترك وعضو مجلس الشعب رياض سيف ومأمون الحمصي وفي ظل التضييق على المنتديات، والضغط على الناشطين فيها، اجتمع ممثلو هذه المنتديات والجمعيات المدنية للتداول في هذه الأوضاع انطلاقاً من قناعاتهم بأن الحرية حق مقدس ينبغي أن تكفله الدولة لجميع المواطنين وأن سيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة، وأن المواطنين متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات ولكلمنهم حقه المشروع في الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وبأن هذه الحقوق وغيرها من الحقوق الأساسية قد نص عليها الدستور السوري وشرعة حقوق الإنسان التي صادفت عليها سورية.

وهو إذ يعبرون عن استنكارهم لعمليات التوقيف التعسفي التي تتنافى مع مبادئ الدستور والقانون، ومع حقوق الإنسان والمواطن، ويعلنون تضامنهم مع جميع معتقلي الرأي والضمير، ويهيبون بجميع القوى الاجتماعية والسياسية والفعاليات الثقافية أن تعبر عن تضامنها مع حرية الرأي والتعبير بجميع الوسائل التي يكفلها الدستور ويتيحها القانون، يطالبون السلطان المعنية بالإفراج عن المعتقلين، وإطلاق حرية الرأي والتعبير واحترام نصوص الدستور، والكف عن خرقه وتجاوزه.

ويرون أن الاستمرار في تصنيف المواطنين بين موال ومعارض وإقصاء أصحاب الرأي الآخر الذين يشيرون إلى مواقع الضعف والفساد في حياته العامة وملاحقتهم بالتهم يعيق خروج سورية نم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، ولا يخدم بأي شكل، بل يضعف إمكانات سورية في سعيها لتحرير أراضيها المحتلة ودعم انتفاضة الأقصى المباركة.

ويعتبرون هذا النداء مفتوحاً لجميع المتهمين بالقضايا الوطنية والحريات الأساسية، وبتعزيز الوحدة الوطنية، من أجل مواجهة المخاطر والتحديات.

منتدى الحوار الوطني  ـ  دمشق.

منتدى جمال الأتاسي للحوار الديموقراطي ـ دمشق.

منتدى اليسار ـ دمشق.

لجان إحياء المجتمع المجني.

جمعية حقوق الإنسان في سورية.

لجان الدفاع عن حقوق الإنسان في سورية.

منتدى الحسكة للحوار الثقافي.

منتدى حمص للحوار.

منتدى الكواكبي  ـ  حلب.

منتدى طرطوس للحوار الوطني الديموقراطي.

لجنة العمل الوطني لدعم الانتفاضة  ـ  حلب.

منتدى السلمية لحقوق الإنسان.

منتدى جلادت بدرخان ـ القامشلي.

منتدى الحوار الثقافي  ـ  دمر (دمشق).

دمشق 7/9/2001

الأمانة في عنقنا   

هيثم مناع

ثمة أشخاص وتعبيرات جماعية تختصر حقبة، بل تصبح، بإرادتها أو بالرغم عنها، الرمز والمعنى والمبنى لكلمات بسيطة أو معقدة، ولكن بالتأكيد معبرة عن أمل هنا وحلم هناك. لم أجتمع برياض سيف يوما، كذلك لم أتعرف على أي من أعضاء لجنة منتدى الحوار الوطني، فرقنا المنفى وجمعتنا جملة قيم ومبادئ ناضل كل واحد منا من أجلها في محيطه وبالوسائل المتاحة له. كنت أحد قدماء المنفيين المصرين على أن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل ومن المجتمع، وأن دور المنفى يكمن في توفير كل الجسور المعرفية والتواصلية بين الداخل والخارج. وكان في منهج رياض سيف الذي يجمع بين العقلانية والمبادرة ترجمة عملية لإمكانية بناء بذور التغيير الداخلية السلمية لانتقال ديمقراطي غير جراحي لا يترك سوى العافية والصحة لكل من الدولة والمجتمع. فرغم استهلاك الشعار الوطني وصناعة “لا صوت يعلو على صوت المعركة” والإنتاج الواسع في هذا الوضع لمنظومة معممة للاستبداد والفساد, كان واجبنا أن لا ننسى أن أي حرب أهلية أو عداوات طائفية أو أحقاد شوفينية ستشكل بالضرورة إضعافا لجسد الشعب الذي لن يقبل بالتضحية بالاستقلال الأول (عن المستعمر) بسبب تضحية السلطة التسلطية بالاستقلال الثاني (الدولة الديمقراطية الحديثة).

ضمن هذا الربط الجدلي بين الوطن والمواطن، بين الحرية والتحرر، كان طموح إعادة المناعة الذاتية من صلب المجتمع ، طموح إعادة بناء التوازن بين دولة مؤممة ومجتمع مغيّب باعتبار حضور الثاني استعادة لحرية الأولى وبالتالي إمكانية وجود قضاء مستقل ونائب ناقد وحكومة مسئولة.

لم نسمع يوما من رواد هذه التجربة حديثا في كمالها، أو غرورا من إنجازاتها. كانت هذه المرحلة بكل معاني الكلمة عملية تعرّف على أساليب التغيير ووسائل التأثير وطرق التعامل مع الذات والآخر. من هنا قوة حدسها وخطرها على أعداء التغيير، فهي قوة جاذبة وهم قوة نابذة، هي أمل الغد، وهم مقتل المستقبل، هي أفضل معبر عن طموح الشبيبة في حين جسدوا ترهل البيروقراطية المتآكلة بالفساد والعقم الفكري والإفلاس السياسي.

من هنا لم يعد العدد يعبر عن أي قيمة فعلية في موازين القوى الناشئة وصار ضرب هذه المجموعة معركة بقاء لكل رموز الفساد والاستبداد في البلاد.

إذا كانت حركة الحقوق المدنية إذا صح التعبير  قد فجعت أول مرة بإعلان حالة الطوارئ في 1963 وفجعت في المرة الثانية  في اعتقالات إضراب اليوم الواحد في 1980 يمكن القول دون مبالغة أن الفاجعة الثالثة كانت دون شك في الشهر الأسود الذي شهد اعتقال العشرة الأفاضل. بكل ما لهذا الحدث من معانٍ على الصعيدين المجتمعي والدولاني.

كان اغتيال ما عرف بربيع دمشق نقلة للوراء بكل المعاني وجرح عميق في معاني الأمل والعمل من أجل التغيير. وقد برزت نتائج هذا القرار التسلطي واضحة للعيان يوم احتلال بغداد وعزلة الخطاب الحكومي إقليميا وعالميا. لقد تحولت سورية إلى بطن رخو تملى عليها الشروط ويفرض عليها ما لا يطاق في استمرار لسياسة تغييب الناس، أو بالأحرى تغييب القوة الوحيدة القادرة على إعادة بناء توازن استراتيجي إقليمي. ولم تدرك العقلية التسلطية حتى اليوم، أنها بتصديها لمشروع الإصلاح، لا ترفض وحسب فكرة الديمقراطية بل تضع في الميزان وجود سورية المستقلة ومستقبلها. من هنا راهنية أطروحات منتدى الحوار الوطني وأهميتها في هذا الظرف الصعب والعصيب الذي نحن بأمس الحاجة فيه لقيادات ديمقراطية ورموز مدنية تعيد لسورية المكانة التي تستحق في منطقتنا والعالم.

الأمانة في عنقنا  

هيثم مناع

ثمة أشخاص وتعبيرات جماعية تختصر حقبة، بل تصبح، بإرادتها أو بالرغم عنها، الرمز والمعنى والمبنى لكلمات بسيطة أو معقدة، ولكن بالتأكيد معبرة عن أمل هنا وحلم هناك. لم أجتمع برياض سيف يوما، كذلك لم أتعرف على أي من أعضاء لجنة منتدى الحوار الوطني، فرقنا المنفى وجمعتنا جملة قيم ومبادئ ناضل كل واحد منا من أجلها في محيطه وبالوسائل المتاحة له. كنت أحد قدماء المنفيين المصرين على أن التغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الداخل ومن المجتمع، وأن دور المنفى يكمن في توفير كل الجسور المعرفية والتواصلية بين الداخل والخارج. وكان في منهج رياض سيف الذي يجمع بين العقلانية والمبادرة ترجمة عملية لإمكانية بناء بذور التغيير الداخلية السلمية لانتقال ديمقراطي غير جراحي لا يترك سوى العافية والصحة لكل من الدولة والمجتمع. فرغم استهلاك الشعار الوطني وصناعة “لا صوت يعلو على صوت المعركة” والإنتاج الواسع في هذا الوضع لمنظومة معممة للاستبداد والفساد, كان واجبنا أن لا ننسى أن أي حرب أهلية أو عداوات طائفية أو أحقاد شوفينية ستشكل بالضرورة إضعافا لجسد الشعب الذي لن يقبل بالتضحية بالاستقلال الأول (عن المستعمر) بسبب تضحية السلطة التسلطية بالاستقلال الثاني (الدولة الديمقراطية الحديثة).

ضمن هذا الربط الجدلي بين الوطن والمواطن، بين الحرية والتحرر، كان طموح إعادة المناعة الذاتية من صلب المجتمع ، طموح إعادة بناء التوازن بين دولة مؤممة ومجتمع مغيّب باعتبار حضور الثاني استعادة لحرية الأولى وبالتالي إمكانية وجود قضاء مستقل ونائب ناقد وحكومة مسئولة.

لم نسمع يوما من رواد هذه التجربة حديثا في كمالها، أو غرورا من إنجازاتها. كانت هذه المرحلة بكل معاني الكلمة عملية تعرّف على أساليب التغيير ووسائل التأثير وطرق التعامل مع الذات والآخر. من هنا قوة حدسها وخطرها على أعداء التغيير، فهي قوة جاذبة وهم قوة نابذة، هي أمل الغد، وهم مقتل المستقبل، هي أفضل معبر عن طموح الشبيبة في حين جسدوا ترهل البيروقراطية المتآكلة بالفساد والعقم الفكري والإفلاس السياسي.

من هنا لم يعد العدد يعبر عن أي قيمة فعلية في موازين القوى الناشئة وصار ضرب هذه المجموعة معركة بقاء لكل رموز الفساد والاستبداد في البلاد.

إذا كانت حركة الحقوق المدنية إذا صح التعبير  قد فجعت أول مرة بإعلان حالة الطوارئ في 1963 وفجعت في المرة الثانية  في اعتقالات إضراب اليوم الواحد في 1980 يمكن القول دون مبالغة أن الفاجعة الثالثة كانت دون شك في الشهر الأسود الذي شهد اعتقال العشرة الأفاضل. بكل ما لهذا الحدث من معانٍ على الصعيدين المجتمعي والدولاني.

كان اغتيال ما عرف بربيع دمشق نقلة للوراء بكل المعاني وجرح عميق في معاني الأمل والعمل من أجل التغيير. وقد برزت نتائج هذا القرار التسلطي واضحة للعيان يوم احتلال بغداد وعزلة الخطاب الحكومي إقليميا وعالميا ووصول النهج التسلطي إلى الطريق المسدود على كل الأصعدة. لقد تحولت سورية إلى بطن رخو تملى عليها الشروط ويفرض عليها ما لا يطاق في استمرار لسياسة تغييب الناس، أو بالأحرى تغييب القوة الوحيدة القادرة على إعادة بناء توازن استراتيجي إقليمي. ولم تدرك العقلية التسلطية حتى اليوم، أنها بتصديها لمشروع الإصلاح، لا ترفض وحسب فكرة الديمقراطية بل تضع في الميزان وجود سورية المستقلة ومستقبلها. من هنا راهنية أطروحات منتدى الحوار الوطني وأهميتها في هذا الظرف الصعب والعصيب الذي نحن بأمس الحاجة فيه لقيادات ديمقراطية ورموز مدنية تعيد لسورية المكانة التي تستحق في منطقتنا والعالم.

باريس في 12/8/2004

من إصدارات اللجنة العربية لحقوق الإنسان

فيوليت داغر وجيمس بول: من أجل نهاية الحصار على شعب العراق: نصّان حول العقوبات، 1998

اللجنة العربية لحقوق الإنسان: الحماية لنشطاء حقوق الإنسان في تونس، 1998

اللجنة العربية لحقوق الإنسان: الجزائر: قضية سركاجي من المجزرة إلى المهزلة، 1998

فيوليت داغر: الزواج المدني في لبنان، حق وضرورة، 1998

جمال الهيثم النعال، الحريات الديمقراطية، حقوق الإنسان وأزمة القضاء في الدستور السوري، 1998

عمر المستيري: قراءة في الاتفاقية العربية لمناهضة الإرهاب، 1998

محمد حافظ يعقوب: المحكمة الجنائية الدولية، 1998

أول دراسة صدرت بالعربية عن هذه المحكمة

اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمنظمة البحرينية لحقوق الإنسان: مصادرة جمعية المحامين في البحرين، 1998

منصف المرزوقي، فيوليت داغر، عصام يونس، هيثم مناع: سلامة النفس والجسد، التعذيب في العالم العربي، 1998

صدر طبعتان من هذا الكتاب بالفرنسية ونفذت طبعته العربية. أول دراسة متعددة الميادين تجمع بين التحليل النفسي والقراءة الفلسفية التاريخية والشهادات الحية، متوفر على الانترنيت.

فيوليت داغر: العقوبات الاقتصادية على العراق (بعد بعثة تحقيق قام بها عصام الدين حسن مع فيوليت داغر)، 1999

اللجنة العربية لحقوق الإنسان: من أجل الديمقراطية والحقوق الإنسانية في تونس، 1999

هيثم مناع: مراقبة قضائية في محكمة راضية النصراوي والمتهمين بالانتماء لحزب العمال الشيوعي التونسي، 1999

هيثم مناع: مراقبة قضائية في محاكمة جلال بن بريك الزغلامي، 1999   

ناتالي بوجراده: مراقبة قضائية في محاكمة منصف المرزوقي ونجيب حسني، 2000

هيثم مناع: مراقبة قضائية في محاكمة مناضلي الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، 2000

محمود خليلي وأمينة القاضي، الاختفاء القسري والتعذيب في الجزائر، 2000

محصلة سنوات من العمل والنضال من أجل المفقودين وضد التعذيب في الجزائر.

فيوليت داغر: تقرير أولي عن الأوضاع الصحية في ظل الانتفاضة،2000

إثر بعثة تحقيق قام بها ليون شفارتزنبرغ وفيوليت داغر وجان فرانسوا بوارييه لفلسطين في ظل الانتفاضة.

توفيق بن بريك، الآن أصغ إلي، دار الصبار واللجنة العربية لحقوق الإنسان والبرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان، 2000

توفيق المناضل والشاعر في لحظة إضرابه ومنع كتابه يصدر هذا العمل تضامنا معه

محمد حافظ يعقوب، فيوليت داغر، محمد أبو حارثية: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، 2000

دراسة حقوقية سياسية نفسية واجتماعية عن موضوع اللاجئين الفلسطينيين عبر بعثتي تحقيق ورؤية فلسطينية من الداخل واللجوء.

هيثم مناع، الحرية في الإبداع المهجري، سلسلة براعم، بالاشتراك مع الأهالي، 2001

فكرة عن الإنتاج المهجري في الأمريكيتين بعين حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية

منصف المرزوقي، هل نحن أهل للديمقراطية؟  سلسلة براعم، بالاشتراك مع الأهالي، 2001

هيثم مناع : ماذا عن المستقبل: ملاحظات على تقرير الحكومة السورية المقدم إلى لجنة حقوق الإنسان في نيويورك، 2001 دراسة مكثفة عن انتهاكات حقوق الإنسان قبل وبعد وفاة حافظ الأسد

عمل جماعي: تونس الغد. شارك فيه: أحمد المناعي، توفيق بن بريك، راشد الغنوشي، مصطفى بن جعفر، منصف المرزوقي، نور الدين ختروشي، سلسلة الإصلاح السياسي وحقوق الإنسان، 2001 أهم رموز السياسة وحقوق الإنسان يعرضون تصورهم للتغيير الديمقراطي في تونس

مؤسسة الحق، استعمال القوة من قوى الأمن الإسرائيلية، ترجمته للفرنسية نزهة راكيم ساطور، 2001

فيوليت داغر وعشرين باحث سوري، الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية (نوفمبر2001)، بحث جماعي من 520 صفحة عن الحقوق الاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنية والاقتصادية والبيئية في سورية في مقاربة متعددة الميادين. صدر بالإنجليزية والفرنسية والعربية.

حبيب عيسى، النداء الأخير للحرية، باريس، 2002. بيروت 2003

هيثم مناع (إشراف) و38 باحثة وباحث، موسوعة الإمعان في حقوق الإنسان، دار الأهالي، دار بيسان، منشورات أوراب واللجنة العربية لحقوق الإنسان، 2000-2002 .

ريتشارد موران، روجر نورمان، جيمس بول، جون رامبل وكريستوف ويلك، العقوبات على العراق، المترتبات الإنسانية وخيارات المستقبل، بالاشتراك مع منتدى السياسات الشاملة(نيويورك) وحماية الطفل (لندن) وعشرة منظمات غير حكومية. 2002 .

مها يوسف، عماد مبارك، مصطفى الحسن طه، القوانين الاستثنائية وحق التنظيم في مصر، 2002.

تقارير مشتركة مع منظمات فلسطينية لحقوق الإنسان عن الأطفال المعتقلين ومحاكمات مروان البرغوثي ومجزرة الدرج-غزة  وبعثات تحقيق حول أوضاع الفلسطينيين في الرويشد والعراق

هيثم مناع، الولايات المتحدة وحقوق الإنسان، باريس، دمشق، جدة، 2003

فيوليت داغر، في جريمة العدوان، باريس، دمشق، 2003.

محمد بن طارية، عباس عروة، يوسف بجاوي، تاريخ التعذيب وأصول تحريمه في الإسلام، جده ، بيروت،  مركز الراية التنمية الفكرية 2003

اللجنة العربية لحقوق الإنسان، نجدة المستضعف، أعمال مؤتمر باريس للجمعيات الإنسانية والحقوقية، باريس، دمشق، الأهالي والمؤسسة العربية الأوربية للنشر 2003

اليوم العالمي للتضامن مع المعتقلين السياسيين في تونس، 2004 باريس. إصدار مشترك مع 25 منظمة غير حكومية.

اللجنة العربية لحقوق الإنسان، الاعتقال التعسفي في أربعة بلدان عربية، بالفرنسية والعربية، 2004 .

فيوليت داغر، حق الصحة، 2004

هيثم المالح، حقوق المستضعفين، سلسلة براعم، 2004

عبد المجيد منجونة، هيثم المالح، هيثم مناع، حالة الطوارئ ودولة القانون في سورية، طبعتان    2003 و 2004.

من أجل مجتمع مدني في سورية، حوارات “منتدى الحوار الوطني”. اللجنة العربية لحقوق الإنسان والمؤسسة العربية الأوربية للنشر، 2004

هيثم مناع، ومضات في ثقافة حقوق الإنسان 2004

إشراف فيوليت داغر، المرأة والأسرة في المجتمعات العربية، 2004

علي الدميني، نعم في الزنزانة لحن

متروك الفالح، الإصلاح الدستوري في المملكة العربية السعودية

هيثم مناع، ومضات  للتربية على حقوق الإنسان، باريس وجدة ودمشق، 2004

هيثم مناع، (جماعي تحت إشراف) مستقبل حقوق الإنسان، القانون الدولي وغياب المحاسبة، (تحت الطبع)

http://www.achr.eu/kt9.htm


[1] راجع نص البيان الكامل لجمعية أصدقاء المجتمع المدني في: رواق عرابي، العدد 20/2000.

[2] نقلاً عن النائب رياض سيف في لقاءٍ معه، والجدير ذكره أنه منذ ذلك اللقاء وإلى الآن لم يصدر أي قانون جديد للأحزاب أو الجمعيات.

[3] رياض سيف من مواليد حي الميدان بدمشق عام 1946 وينتمي إلى أسرة محافظة، وكان والده يعمل نجاراً مما يشي بالوضع الاقتصادي والاجتماعي المتوسط الذي كان ينتمي إليه، حصل على الثانوية العلمية في عام 1965 والتحق بكلية العلوم في جامعة دمشق لكنه لم يكمل تعليمه، إذ انخرط في مجال العمل الصناعي حيث سافر في عام 1975 إلى ألمانيا وفرنسا ثم فتح مصنعاً للنسيج تحوّل خلال عشر سنوات إلى مصنع (القمصان 400) إحدى أبرز الماركات السورية، تمكن في عام 1990 من الفوز مع شركاء له برخصة لتصنيع منتوجات “أديداس” الشهيرة، وقد حمله نجاحه الصناعي على الانطلاق في الحقل السياسي وانتخب خلال الانتخابات التشريعية عام 1994 بين المرشحين “المستقلين” أي الذين لا ينتسبون إلى حزب البعث الحاكم أو الأحزاب الأخرى المنضوية تحت لواء الجبهة الوطنية التقدمية، ثم انتخب مجدداً نائباً عن دمشق لمرة أخرى عام 1998 وقد أصبح خطابه أكثر جرأة في نقد السياسة الاقتصادية للحكومة، الأمر الذي عرّضه لضغوطٍ سياسية أرغمته في النهاية  وتحت وقع الضرائب الباهظة التي تم فرضها عليه على بيع حصته في مصنع أديداس، وعمد في نهاية عام 1999 إلى تصفية أخر سهم له فيها ليسدد جميع الضرائب المفروضة عليه وليتفرغ بعدها للعمل السياسي.

[4] مصدر سوري وثيق الصلة بالنظام يرد على دعاة المجتمع المدني في سورية وجمعيات الصداقة والأصدقاء، المحرر نيوز، (بيروت) العدد 260، 8-14 أيلول/سبتمبر 2000.

[5] انظر رسالة أنطون مقدسي، رسالة إلى الرئيس السوري: من الرعية إلى المواطنة، الحياة، (لندن)، 14 آب/أغسطس 2000.

[6] Newsweek, April 23,2001,P30.

[7] هم: رياض سيف (عضو في مجلس الشعب-دمشق)، وليد البني (طبيب-التل)، محمد كمال اللبواني (طبيب-الزبداني)، رضوان زيادة (طبيب وكاتب وباحث-داريا)، يوسف سلمان (أستاذ جامعي ومترجم وشيوعي-اللاذقية)، محمد سامر عطري (باحث في العلوم السياسية-دمشق)، حسن سعدون (ناشط-الحسكة)، محمد ماهر ظاظا (محامي-دمشق)، غالب ابراهيم (كاتب وناشط-السويداء)، يوسف مريش (ناشط-مسيحي)، فواز تللو (مهندس وناشط-دمشق)، تيماء الجيوش (محامية-وناشطة)، منير درويش (كاتب وناشط)، عز الدين جوني (أستاذ جامعي واقتصادي).

[8] انظر تقرير رويترز بعنوان (سورية: نقاشات حية بعد “صيام عن الكلام” ومطالبات بتوسيع عملية الإصلاح السياسي، السفير، (بيروت)، 12/1/2001.

[9] انظر محاضرة عبد الحليم خدام أمام أعضاء الهيئة التدريسية في جامعة دمشق في 18/2/2001 في الحياة، (لندن)، 10/7/2001.

[10] انظر المناقشات التي أثارتها ورقة “حركة السلم الاجتماعي” في: الزمان، (لندن)، 4و5/2/2001، وأيضاً: زياد حيدر، البعثيون يشاركون في الحوار وينتقدون وثيقة سيف، السفير، (بيروت)، 2/2/2001، وثائر سلوم، بعثيون سوريون يتهمون مؤسس حركة السلم الاجتماعي بالتزوير، الزمان، (لندن)، 2/2/2001، وأيضاً: محمد جمال باروت، من أوقع رياض سيف بورطة الهدايا المسمومة، البيان، (دبي)، 21/2/2001.

[11] انظر: Roy Gutnan, Waiting for his moment, Newsweek, April 23,2001 وقد اعتبر غوتمان أن رياض سيف أصبح يشكّل تحدياً للسلطات السورية، إذ يمكنه هو أن يسرّع الإصلاحات وبإمكانه أن يدفعها إلى توقفٍ مثير، وانظر: شعبان عبود، “ربيع دمشق” القصير، النهار، (بيروت)، 22/2/2001.

[12] انظر: الحياة، (لندن)، 9/2/2001، الزمان، (لندن)، 10/2/2001، الرأي العام، (الكويت)، 9/12/2001، و أيضاً: Cameron Bar, Syrian test new signs of freedom, Christian Science Monitor, February 13, 2001.

[13] انظر: ابراهيم حميدي، تساؤلات “بعثية” عن حضور دبلوماسيين وأجانب المنتديات، الحياة، (لندن)، 9/2/2001.

[14] هذا ما صرّح به للباحث أحد المسؤولين السوريين الذين التقوا الرئيس بشار الأسد وناقش معه رؤية الإصلاح السياسي في سورية وذكّره مراراً بتقرير جريدة “الحياة” المذكور عن “نشاط المنتديات”.

[15] انظر: سعد الدين ابراهيم، المجتمع المدني في سورية والجماعات القرابية، الحياة، (لندن)، 2001، وضاح شرارة، “المصلحون” السياسيون والاجتماعيون السوريون لا يحبون الكيفيات، الحياة، (لندن)، 27/1/2001، وأيضاً: نهلة الشهّال، هل ينجح المثقفون السوريون في الدفع نحو الديمقراطية؟، الحياة، (لندن)، 24/1/2001، محمد الربيعي، الطموح إلى التغيير في سورية، النهار، (بيروت)، 2/10/2000.

[16] الحياة، (لندن)، 17/2/2001.

[17] الحياة، (لندن)، 19/3/2001، وانظر تعميم القيادة القومية رقم /1075/ بتاريخ 17/2/2001 وذلك في المناضل، (المجلة الداخلية لحزب البعث العربي الاشتراكي)، العدد 306، كانون الثاني-شباط 2001، ص45-52.

[18] انظر: البعث يشنُّ حملة مضادة على المثقفين، الحياة، (لندن)، 16/2/2001، وأيضاً: أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية تشارك “البعث” في الرد على “النشاطات المعادية” التي يقوم بها المثقفون الذين يرغبون بعودة سورية إلى فترة الانتداب والانقلابات العسكرية، الحياة، (لندن)، 18/2/2001، وأيضاً: حزب “البعث” الحاكم ينتقد أطروحات “الس